العدد : ١٥٤١٦ - الأحد ٠٧ يونيو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٥ شوّال ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤١٦ - الأحد ٠٧ يونيو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٥ شوّال ١٤٤١هـ

شرق و غرب

تاريخ الأوبئة وتـأثـيـرها على المجتمعات الإنسانية

{لوران هنري فينيو.

الأحد ٠٣ مايو ٢٠٢٠ - 10:57

أجرى الحوار: كلوي هكستويلر

أجرت صحيفة لوموند الفرنسية الحوار التالي مع الأكاديمي المختص في تاريخ العلوم لوران هنري فينيو‭{‬  الذي تطرق إلى تفشي جائحة فيروس كورونا في مختلف مناطق ودول العالم وتحدث عن تاريخ العلوم على مر العصور البشرية، كما أكد تأثير الجوائح والأوبئة على حركة التاريخ والمجتمعات والدول، معرجا على أكبر الأزمات الصحية التي ضربت العالم عبر العصور. 

‭{‬ متى ظهر مفهوم «العدوى» في التاريخ؟

في التفكير الإغريقي الحديث كان الاعتقاد السائد آنذاك يعتبر أن كل الأمراض ناجمة عن حالات تسمم. في القرن الخامس قبل ميلاد السيد المسيح غير الطبيب اليوناني أبقراط، الذي يُطلق عليه لقب «أبو الطب» هذا المفهوم واعتبر أن «الأمراض ناتجة عن وجود خلل في الأمزجة» كما وجد المؤرخون بعض الإشارات إلى وباء الكوليرا في العهد الإغريقي. 

استمرت هذه النظرية التي وضعها أبقراط إلى أن استبدلت بأعمال العالم الفرنسي لويس باستور، العالم الكيميائي الذي اخترع طريقة معالجة الأغذية بالبسترة والتي نُسبت تسميتها إليه، ويُطلق عليه والد النظرية الجرثومية، وعُرف أيضًا بتطويره لقاحات لأمراض مثل الجمرة الخبيثة وداء الكلب، والعالم والطبيب الألماني روبرت كوخ، الحاصل على جائزة نوبل لعام 1905 في الطب لاكتشافه البكتيريا المسببة للسل الرئوي، كما أنه يعد المؤسس الحقيقي لعلم الجراثيم كعلم طبي مستقل. بفضل أعمال لويس باستور وروبرت كوخ الرائدة تأكد الدور الذي تلعبه الفيروسات والبكتيريا في نشر الأوبئة والجوائح والأمراض المعدية.

رغم ذلك، خلال تفشي وباء الكوليرا في القارة الأوروبية في القرن التاسع عشر ثار جدل كبير بين أولئك الذين يركزون على «العدوى» وأولئك الذين يعتبرون أن الصحة مسألة تتعلق أساسا بشروط النظافة العامة من حيث المأكل والملبس وغسل اليدين وتنفس هواء نقي. 

‭{‬ لقد انقضى إذًا وقت طويل قبل أن يتم الاعتراف بدور الجراثيم في نقل العدوى...

هناك دراسة شهيرة أجرها الطبيب سنو، حول وباء الكوليرا بداية سنة 1850 وعلى مدى أكثر من عشرة أعوام بعد ذلك في لندن، وقد أظهرت أن الماء الملوث من نافورة موجودة في شارع برود ستريت تسبب في إصابة الكثير من الناس. ورغم ذلك فإن نتائج تلك الدراسة قد أثارت الجدل بين الكثير من معاصريه من العلماء والأطباء، فضلا عن السكان الذين لم يصدقوا الأمر إذ اعتبروا المياه المتدفقة من النافورة نقية وصحية. 

أبدى سكان مدينة هامبورغ أيضا نفس الاستغراب عندما ضرب مدينتهم وباء الكوليرا في سنة 1892 نتيجة تلوث المياه. فقد اشتهرت هذه المدينة الألمانية منذ تأسيسها بنظافة شوارعها التي كانت مجهزة بشبكة قنوات الصرف الصحي، كما أن المساكن كانت تتوافر فيها الشروط الصحية. لذلك لم يكن يدور بخلد سكان هامبورغ أنه يمكن لوباء الكوليرا، الذي يسمى أيضا «مرض الأيدي الوسخة» أن يصيبهم. اتضح بعد ذلك أن وباء الكوليرا قد أصاب أولئك الذين كانوا يترددون على ميناء المدينة، غير أن الكثيرين قد وجدوا صعوبة كبيرة في تصديق ذلك. 

‭{‬ متى تم اللجوء أول مرة إلى فرض أسلوب الحجر الصحي؟

تم اللجوء إلى فرض الحجر الصحي في القرون الوسطى (القرن الرابع عشر) في مدينة راجوسا الإيطالية ثم في جمهورية البندقية (فينيسيا) في بداية القرن الخامس عشر حيث قامت السلطات في تلك الحقبة التاريخية بفرض الحجر الصحي على السفن الراسية في حالة الاشتباه في وجود مرضى على متنها. قررت جمهورية البندقية أيضا إغلاق الفندق ومنع الجنائز أثناء تفشي وباء الطاعون. تفشى أحد الأوبئة في مدينة مرسيليا الفرنسية في سنة 1720 وقد كانت تلك المرة الأولى التي طبق فيها الحجر الصحي على نطاق واسع من أجل محاصرة الفيروس.

سعيا لحماية سكان المدينة من الطاعون تم فرض طوق صحي صارم مع منع أي خروج من المدينة أو دخول إليها. ورغم ذلك فتك الوباء بالمدينة وسكانها، بما في ذلك بعض المناطق القروية. مع ذلك، وعلى غرار ما يحدث اليوم من تجاوزات، كان بعض الناس الذين فرض عليهم الحجر الصحي في مرسيليا يفرّون، وهو ما تسبب في نشر الوباء على نطاق واسع، حيث فاق عدد الوفيات الخمسين ألفا، إضافة إلى أربعين ألفا آخرين في مدينة مرسيليا نفسها. 

‭{‬ هل تسنى فرض إجراءات الحجر الصحي في القرن التاسع عشر في نهاية المطاف؟

شهد القرن التاسع عشر أيضا جدلا واسعا ما بين الأطباء من ناحية والسياسيين من ناحية أخرى والذين كانوا يخشون التداعيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، جراء تفشي وباء الكوليرا.. ظل التردد قائما حتى نهاية القرن التاسع. 

كان الجمهوريون في الجمهورية الثالثة والليبيراليون في إنجلترا يناهضون فرض الحجر الصحي أو إغلاق الحدود مما يؤدي إلى الإضرار بالتجارة. يبدو أن الأطباء وبقية المؤيدين لهم قد رجحوا الكفة لصالحهم، غير أن آراءهم ومواقفهم كانت تسبب إزعاجا كبيرا بين السياسيين لأن الأوساط الطبية كانت تطالب بفرض إجراءات مشددة وصارمة من أجل مكافحة وباء الكوليرا. 

في نهاية المطاف اعتمد السياسيون والتجار والكثير من السكان ذلك الموقف الذي يختزل الصحة العامة ومكافحة الأوبئة والجوائح والأمراض في المسائل المتعلقة بالنظافة الشخصية، أي أن العيش في بيئة سليمة يكفي كي يقي الإنسان نفسه الأمراض والأوبئة. 

كانت بروسيا وغيرها من الدول ذات التقاليد الشمولية مؤهلة أكثر من غيرها لفرض إجراء الحجر الصحي الصارم على السكان، مثل إغلاق الحدود بشكل شامل وفرض رقابة كاملة على البضائع المستوردة وظلت مصانع الحديد والصلب تعمل بشكل جزئي في شمال وشرق فرنسا بفضل العمال الذين يتم استقدامهم عبر الحدود..

‭{‬ لم يكن أحد يتصور أن العالم المعاصر، الذي شهد طفرات طبية مذهلة، سيعود في القرن الحادي والعشرين إلى فرض الحجر الصحي الشامل الذي طبق في القرون الوسطى التي تعرضت خلالها القارة الأوروبية لأمراض وأوبئة فتاكة.

لقد فرض الصينيون الحجر الصحي إثر تفشي جائحة فيروس كورونا قبل أن تلحق بهم العديد من الدول الأخرى، بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما يعيدنا أيضا إلى تلك العصور التي كانت فيها الإنسانية جمعاء تواجه الأوبئة والأمراض المعدية بصدور عارية من دون أن يكون لديها اللقاحات والأدوية اللازمة لمكافحتها. ما أشبه اليوم بالبارحة! 

لقد ذهب في اعتقادنا أننا قد هزمنا كل الأمراض والأوبئة غير أننا نواجه اليوم جائحة كورونا بدون لقاحات أو أدوية، وهو ما جعلنا نعود إلى اعتماد تلك الأساليب القديمة، ‭\‬في مقدمتها الحجر الصحي، وذلك بهدف تعطيل انتشار الوباء. ينطوي قرار فرض الحجر الصحي في جانب كبير منه على السياسة.

‭{‬ ما الذي كشفت عنه جوائح الإنفلونزا التي ضربت العالم في القرن العشرين؟

تفشت جوائح الإنفلونزا في فترة الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين على نطاق واسع وقد مثلت نقطة تحول كبيرة وفارقة في تاريخ الإنسانية في مكافحة الأمراض المعدية. فقد أدى تفشي جوائح الإنفلونزا إلى وضع حد للطوباوية الباستورية (نسبة إلى الطبيب الفرنسي الشهير لويس باستور) الذي كان يردد مقولة أن لكل مرض لقاحا خاصا به. 

جاءت الأدوية الجديدة التي تم اكتشافها لتبعث الأمل في إمكانية القضاء على بعض الأمراض التي أرّقت البشرية على مر التاريخ، وبالتالي اجتثاثها، غير أنه اتضح أن بعض جوائح الإنفلونزا تتطور وتبدي شراسة كبيرة تجعلها تستعصي على اللقاحات والأدوية. كل ما تخشاه منظمة الصحة العالمية هو أن تتطور جائحة فيروس كورونا وتتسبب في إصابة وهلاك الملايين مباشرة على غرار الإنفلونزا الإسبانية التي فتكت بأوروبا على وجه الخصوص في سنة 1918. 

‭{‬ كيف أثرت الجوائح والأمراض والأوبئة في المجتمعات البشرية؟

في سنة 1340 تفشى وباء الطاعون في العديد من مناطق العالم وخاصة في أوروبا التي كانت في القرون الوسطى في أضعف حالاتها، وقد تسبب انتشار الطاعون في التأثير على المجتمعات والمعتقدات. فقد تسبب الطاعون في وفاة شخص أوروبي من بين كل اثنين، الأمر الذي جعل جانبا كبيرا من الشعوب تعتقد أن نهاية العالم قد دقت، وهو ما انعكس على الجانب الروحاني مع انتشار كبير لبعض المعتقدات الجديدة.

في القرن التاسع عشر ظهرت سياسات جديدة ترمي إلى فرض شروط النظافة، كما وضعت خطط للارتقاء بالصحة العامة وتحسين ظروف السكن -وخاصة سكن العمال- إضافة إلى تسهيل الحصول على الماء الصالح للشرب وتحسين شروط النظافة في المستشفيات، حيث بدأ على سبيل المثل استخدام بعض السوائل في تنظيف وتعقيم المعدات التي تستخدم في الجراحة، وتقرر منع تنويم المرضى في نفس الأسرّة إلا بعد تطهيرها.

في الحقيقة لقد غطت الحرب العالمية الأولى وما حدث فيها من أهوال على وباء الإنفلونزا الإسبانية التي فتكت بالملايين. فعندما يصاب الجندي المرابط في جبهة القتال بالإنفلونزا الإسبانية كان قادته يعيدونه إلى دياره مما يتسبب في نقل العدوى إلى كامل عائلته وقريته. في سنة 1920 استحدثت فرنسا وزارة الصحة، التي كانت تسمى في تلك الحقبة وزارة النظافة في فترة بدأ فيها التفكير في تقوية التعاون الدولي من أجل مكافحة الأمراض والجوائح والأوبئة، وذلك من خلال منظمة عصبة الأمم التي نشأت في العشرينيات لكنها لم تعمر طويلا قبل أن تقوم على أنقاضها منظمة الأمم المتحدة عقب نهاية الحرب العالمية الثانية (1939-1945). في الحقيقة، فإنه ما من جائحة أو وباء إلا وترك أثره العميق على المجتمع والاقتصاد والسياسة وحتى الفكر الإنساني.

‭}‬ لوران هنري فينيو أستاذ محاضر في التاريخ الحديث بجامعة برغويين الفرنسية وأحد أبرز المختصين في تاريخ العلوم، وهو معروف بمؤلفاته التي تطرق فيها إلى الأمراض والأوبئة إضافة إلى تطور مفهوم «العدوى» والإجراءات التي ظلت تتخذ لمكافحة الأوبئة والجوائح وما تركته من أثر على المجتمعات. من مؤلفاته: مقاومة اللقاحات؛ جاليليو ضحية العدالة؛ من الرياضيات إلى علم النبات والعلوم والتقنية وسلطة المجتمعات. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news