العدد : ١٥٥٨٧ - الأربعاء ٢٥ نوفمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٠ ربيع الآخر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٨٧ - الأربعاء ٢٥ نوفمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٠ ربيع الآخر ١٤٤٢هـ

رسائل

تداعيات جائحة فيروس كورونا على مستقبل الاتحاد الأوروبي

مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية

الخميس ٣٠ أبريل ٢٠٢٠ - 02:00

في السنوات القليلة الماضية، واجه الاتحاد الأوروبي أزمة تلو الأخرى. من أزمة المهاجرين إلى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ومع ذلك، ناضلت المنظمة التي تتخذ من بروكسل مقرا لها للحفاظ على سمعتها كواحدة من المنظمات العالمية الرائدة المتعددة الجنسيات. والآن تمثل جائحة فيروس كورونا لعام 2020 تحديا أكبر في ظل أن استجابة الاتحاد الأوروبي الأولية له لم تحظ بالكثير من الثقة. 

وتسبب فيروس كورونا في إصابة أوروبا الغربية بضربة مدمرة لا مثيل لها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ومما لا شك فيه أن فرض حجر صحي على السكان وإغلاق الحدود الدولية وإيقاف الصناعات العالمية الرئيسية سيعيق إلى حد كبير الاقتصادات الأوروبية القوية فترة زمنية كبيرة وغير محددة. وفي ضوء هذا، تهدد العواقب القصيرة والطويلة الأمد للجائحة استمرار تنفيذ المبادئ التأسيسية للاتحاد، وبالتالي تقوض عقودا من العمل الذي قام به لضمان التعاون السياسي والاقتصادي بين بعض الاقتصادات الأكثر تقدما في العالم. وفي هذا الصدد، حذر «جاك ديلورز» الرئيس السابق للمفوضية الأوروبية من أن «جائحة فيروس كورونا تمثل خطرا قاتلا على الاتحاد الأوروبي».

وبحلول 21 أبريل 2020، توفي 177.775 شخصا في جميع أنحاء العالم بسبب فيروس كورونا مع أكثر من 2.565.299 إصابة مؤكدة. وتأثرت بشدة دول أوروبا الغربية التي تمثل الأصوات القيادية في الاتحاد الأوروبي؛ فقد عانت فرنسا مما يقرب من 20.796 حالة وفاة، وإسبانيا أكثر من 21.282. وتعد إيطاليا ثاني أكثر البلدان تضررا في العالم، حيث يوجد بها أكثر من 24.648 وفاة. وخارج الاتحاد الأوروبي، سجلت المملكة المتحدة 17.337 حالة وفاة مؤكدة، في حين أن الولايات المتحدة لديها الآن عدد وفيات يزيد على 45.343. وعلى الرغم من أن معدلات الإصابة والوفيات تتناقص ببطء في إسبانيا وإيطاليا وفرنسا وألمانيا، فإن المستويات المستمرة أو المتزايدة لا تزال تُسجل في دول تقع خارج حدود الاتحاد الأوروبي مثل روسيا وبريطانيا وتركيا وأوكرانيا وبيلاروسيا.

ومنذ بداية الأزمة، كانت استجابة الاتحاد الأوروبي بطيئة وخاملة. وفي ظل غياب خطة عمل مشتركة، اتبعت الدول الأوروبية استراتيجيات الصحة العامة الخاصة بها للتعامل مع فيروس كورونا، والتي أدت إلى نتائج مختلفة. فمثلا أثبتت ألمانيا أنها الأكثر نجاحا في احتواء الفيروس بعد حملة من الاختبارات الجماعية، في حين أن فرنسا وإيطاليا وإسبانيا تعاني من خسائر أكبر بكثير. وبالتالي، لم يكن هناك أي دور قيادي من الاتحاد لتنسيق جهود الصحة العامة بين الدول الأوروبية ولم يتمكن من إحداث فرق مؤثر، مما أدى إلى الإحباط والغضب المتوقع من قبل الحكومتين الإيطالية والإسبانية.

وفي 11 مارس، اتهمت الحكومة الإيطالية الاتحاد الأوروبي برد الفعل المتخاذل على جائحة فيروس كورونا. وقال السفير الإيطالي لدى الاتحاد «ماوريتسيو ماساري» إن المنظمة «بحاجة إلى وضع إجراءات طارئة سريعة وملموسة وفعالة». كما حذر رئيس الوزراء الإيطالي «جوزيبي كونتي» من أن إيطاليا وبقية أوروبا تواجه «أكبر اختبار لها منذ الحرب العالمية الثانية». ومع الاستجابة المحدودة من الاتحاد الأوروبي، كافحت إيطاليا للتعامل مع الجائحة، حيث ارتفعت معدلات الإصابة والوفيات بشكل كبير، متجاوزة الصين وأصبحت الأعلى في العالم حتى بدأ الفيروس في إحداث دمار بالولايات المتحدة. كما عانت إسبانيا من نفس المصير، فقد ارتفعت حالات الإصابة والوفيات المسجلة بسرعة خلال شهري مارس وأبريل 2020. 

وبحلول 16 أبريل، أدرك الاتحاد الأوروبي أن رد فعله كان بطيئًا جدًا، حيث قدم «اعتذارًا صريحًا» إلى إيطاليا لعدم تقديمه مساعدة أكبر بشكل أسرع. وردت رئيسة المفوضية الأوروبية «أورسولا فون دير لين» على رد فعل الاتحاد والدول الأوروبية قائلة: «لم يكن هناك مُتسع من الوقت المحدد عندما كانت إيطاليا بحاجة إلى مساعدة في البداية، ومن الواجب أن تتقدم أوروبا ككل باعتذار صادق».

وبصرف النظر عن ذلك؛ تُظهر الحالة الإيطالية والإسبانية عودة ظهور الانقسام التاريخي والجغرافي بين بلدان شمال وجنوب الاتحاد الأوروبي والذي تهدد بتمزيق الاتحاد. اتهمت إيطاليا وإسبانيا دول شمال أوروبا، وعلى رأسها ألمانيا وهولندا، بعدم القيام بما يكفي لمساعدتها في وقت محنتها، وامتدت هذه الحرب الكلامية إلى المفاوضات المتعلقة بحزمة التحفيز الاقتصادي التي سينفذها الاتحاد الأوروبي لمساعدة البلدان على التعافي ماليا.

وتم الاتفاق على حزمة إنقاذ بقيمة 500 مليار يورو من قبل وزراء مالية الاتحاد في أوائل أبريل 2020. وكتب وزير المالية الفرنسي «برونو لومير» أن الاتفاقية تشير إلى أن «أوروبا مستعدة لمواجهة خطورة الوضع». ومع ذلك، فإن هذا الرقم أقل بكثير من حزمة الإنقاذ البالغة 1.5 تريليون يورو، التي نصح بها البنك المركزي الأوروبي، في حين لم يشمل البنود التي طلبتها إيطاليا وإسبانيا وفرنسا لتقاسم العبء الاقتصادي للفيروس عن طريق إصدار «سندات كورونا»، وهي دين جماعي تستطيع بموجبه الاقتصادات الأوروبية الأكثر تأثرا بالوباء أن تتجنب المزيد من حالة عدم اليقين من خلال ضمان الدائنين للحصول على أموالهم. وأثار وزير المالية الهولندي «فوبكه هوكسترا» مزيدًا من القلق عندما تساءل عن سبب افتقار بعض دول الاتحاد الأوروبي (إسبانيا وإيطاليا) إلى المرونة المالية للتعامل مع الأزمة في مؤتمر عبر الفيديو (كونفرنس) مع زملائه وزراء المالية الأوروبيين.

ويثير الاحتكاك الواضح بين الدول الأوروبية بشأن الصحة العامة والتداعيات الاقتصادية الناجمة عن هذا الوباء تساؤلات خطيرة حول مستقبل الاتحاد نفسه، ولذلك شدد المحللون على أن الدول الأوروبية بحاجة إلى إظهار دليل على التزام أكبر بالتعاون المتعدد الجنسيات لمعالجة هذه الأزمة بشكل أكثر فعالية. وحذر «إنريكو ليتا»، رئيس الوزراء الإيطالي السابق، من أن «روح التواصل في أوروبا أضعف اليوم مما كانت عليه قبل عشر سنوات»، بينما قال «هولغر شميدينج» كبير الاقتصاديين في بنك «بيرنبرغ» بألمانيا بأن «تصرفات القادة الأوروبيين ستكون عظيمة التأثير على مستقبل السياسة الأوروبية»، مؤكدا أن «الانطباع السياسي الذي نخلفه الآن سيكون حاسما، بعد عشر أو عشرين سنة من الآن، سنتذكر جميعًا ما حدث في هذا الوقت مثلما يتذكر جميع الألمان أين كنا عندما تهاوى جدار برلين».

وفي تدارك منه لخطورة الأزمة، كان «المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية» قد أصدر رسالة مفتوحة أوائل أبريل دعا فيها إلى «التضامن الأوروبي». وتنص الرسالة على ما يلي: «هذه لحظة حاسمة للتعاون في أوروبا، وعلينا أن نثبت أننا مجتمع يتحلى بالقيم يجمعه مصير مشترك، ونعمل سويا في عالم يموج بالاضطرابات». وفي هذا الصدد، تقول «كاتيا أدلر»، من شبكة «بي بي سي»: «إن الاتحاد الأوروبي يعاني الأمرين خلال هذه الأزمة، كما حدث معه أثناء أزمتي الهجرة والأزمة المالية العالمية.. فتلك الكتلة ليست على وشك التفكك في الوقت الراهن، ولكن بدأت دولها تستشعر حالة الغياب الفاتر لتضامن أعضائه في لحظة حاسمة من تفاقم شراسة الفيروس التاجي».

ولعل من المخاوف الواضحة التي ستهدد مستقبل الاتحاد الأوروبي العودة المتوقعة لتبني الاتجاهات القومية السياسية والاقتصادية اليمينية على حد سواء في أعقاب انتهاء الوباء. وكانت «ناتالي توسي»، المستشارة السابقة لرئيس السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي، قد حذرت من أن «هذه اللحظة من تفاقم أزمة الفيروس بالتأكيد سيتم تقييم التعامل معها على أنها إما لحظة نجاح وإما لحظة فشل بالنسبة إلى المشروع الأوروبي، أي الاتحاد». فإذا سارت الأمور على نحو سيئ، فإن هذا يخاطر بأن تكون هناك نهاية حتمية للاتحاد، في حين أن هذه اللحظة جديرة بتقوية شوكة الأيدلوجيات الشعبوية القومية». وربما مع إغلاق الدول الأوروبية لحدودها، وتقييد حركة السفر والتنقل، وفي بعض الحالات شُلت حركة شحن المواد الرئيسية فيما بينها، سيكون منتقدو الاتحاد الأوروبي قادرين على الإشارة إلى نقص التعاون المشترك بين حكومات الاتحاد الأوروبي الأكثر قوة في هذه الأزمة الحالية وبالتالي يتم الدلالة على أن الاتحاد لا يحقق غرضه المتمثل في إفادة جميع أعضائه الأوروبيين بشكل ملائم. وفي هذا الصدد، صرح «ماتيو سالفيني»، زعيم حزب «ليغا نورد» (رابطة الشمال) اليميني، بأنه «بمجرد القضاء على الفيروس، سيتعين علينا أن نسأل أنفسنا عن مستقبل ومصير الاتحاد الأوروبي».

وربما يكمن القلق الأكثر إلحاحًا في التداعيات السياسية طويلة الأمد للوباء من حيث إصابة أعضاء الاتحاد بالشلل التام في عدم تنفيذ المبادئ التي أُسست عليها تلك الكتلة. فلقد أصبحت فكرة حرية الحركة والتنقل بين دوله، والتي كانت واحدة من أكثر النقاط الإيجابية للتعاون المشترك بين أعضائه، مسألة محظورة في الوقت الراهن مع إغلاق البلدان حدودها وفرض عمليات الإغلاق وتقييد التجارة غير الضرورية. وكما يلاحظ «أندرياس كلوث»، بوكالة «بلومبرج»، فإنه رغم أن إغلاق الحدود فيما بين دول الاتحاد قد يكون له تأثير محدود على وقف انتشار الفيروس، فهو قرار في النهاية يظهر مدى الحسم السياسي في إثارة القلق ومشاعر الخوف لدى العامة من مغبة الاستهتار بالمرض. 

ولا شك أن هذا الفيروس له تداعيات سياسية ومخاوف قصيرة المدى؛ إذ قد يؤدي استخدام مخاطر سلطات الطوارئ الموسعة التي فرضها عدد من حكومات دول الاتحاد للحفاظ على إجراءات الإغلاق والحجر الصحي إلى إساءة استخدامها على المشهد الأوروبي بعد القضاء على الفيروس. ففي المجر، تمكن رئيس الوزراء المجري «فيكتور أوربان» المعروف بتوجهاته القومية اليمينية من التحكم في تدابير سلطات الطوارئ غير المقيدة والتي يرى الكثيرون أنها قادرة على شل حركة الديمقراطية.

على العموم، على الرغم من أن أداء الاتحاد الأوروبي بشأن التعاون المشترك كان مخيبًا للآمال في المراحل الأولى لتفشي وباء «كوفيد-19»؛ فإن التكامل الأوروبي يمكن أن يلعب دورًا رئيسيًا في المراحل اللاحقة من تفاقم الوباء.. وعلى الرغم من أن الخلافات المبكرة بين أعضائه قد أثارت نزاعات تاريخية قديمة الأزل، فإنه لا يزال هناك التزام واضح باستمرار وجود وبقاء هذا التكتل من قبل جميع الدول الأعضاء. ومع بدء بعض الدول الأوروبية في تخفيف القيود المفروضة في ظل ذروة الأزمة، أصبح لدى الاتحاد الأوروبي الآن فرصة لتأكيد نفسه مرة أخرى كزعيم إقليمي والحفاظ على مكانته كصوت رائد في إدارة دفة الشؤون الأوروبية.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news