العدد : ١٥٥٢١ - الأحد ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٣ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢١ - الأحد ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٣ صفر ١٤٤٢هـ

شرق و غرب

القيادة القوية في زمن الأزمات

{ نزع فتيل أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 أنقذ العالم من حرب عالمية مدمرة.

الأربعاء ٢٩ أبريل ٢٠٢٠ - 10:16

بقلم: جون ميشا 

كتبَ آرثر شليزنجر جونيور مقالًا بعنوان «أكثر اللحظات خطورة في تاريخ الإنسانية». كان يعني يوم الثلاثاء الموافق 16 أكتوبر 1962 على وجه التحديد. ففي صباح ذلك اليوم اطلع الرئيسُ الأمريكي آنذاك جون كنيدي في الصورِ الفوتوغرافية التي تقدم الدليلَ الدامغ على نشر صواريخٍ نووية سوفيتية في كوبا، التي توجد على بعد 90 ميلا فقط من سواحلِ الولاياتِ المتحدة الأمريكية. 

كان يوم 16 أكتوبر 1962 بدايةَ أزمةٍ وجودية هددت الإنسانيةَ على مدى 13 يوما. فقد كان مستقبل الحياة البشرية وطبيعة الحياة البشرية في تلك الفترة على المحك. كانت أزمةُ الصواريخ السوفيتية في كوبا في ذروة الحرب الباردة قصةً مرعبة تجمدت لها الدماءُ في العروق. فقد كان يمكن أن تخرج الأمور عن السيطرة وتؤول إلى ما لا تحمد عقباه. لو حدثت تلك المواجهة النووية لما بقي أحدٌ على وجهِ الأرض كي يروي فصلَ القصةِ المرعبة من تاريخ الإنسانية في القرن العشرين. 

لقد تجاوزت الإنسانيةُ أزمةَ الصواريخ النووية السوفيتية في كوبا وها نحن نواجه اليوم أزمةً أخرى تتفاقم من يوم إلى آخر. لقد أصبحنا نتلهف على الغوصِ مجددا في صفحات التاريخ عسانا نجد ما يمكن أن يشفي غليلنا ويعلمنا كيفية الحفاظ على بقائنا في زمن الأزمات والتوتر والخوف الذي بات يسكن كل أركان حياتنا. 

لم يفقد الرئيس جون كنيدي زمامَ الأمور بل إنه تسلح بالعزيمةِ وحافظ على برودة دمه في ذلك اليوم العصيب وتصرف بعقلية الزعيم السياسي الذي يحسن إدارة الأزمات ويبحث على الحلول الوسطى، التي تجنب بلاده والعالم الصدام الذي لا تحمد عقباه. فقد بادر إلى عقد اجتماع عاجل ضم كبار المسؤولين والقادة العسكريين كما سارع إلى فتح قنوات خاصة للتواصل مع القادة السوفيت في موسكو. 

استلهم جون كنيدي موقفه الرصين في ذلك اليوم من القائد العسكري البريطاني باسيل ليدل هارت، الذي نصح القادة في زمن الأزمات بأن «يتحلوا بالقوة ورباطة الجأش قدر الإمكان ويحافظوا على برودة أعصابهم ويتجنبوا الاستفراد بالرأي لأن ذلك من عمل الشيطان ويعمي البصيرة». 

F. Kennedy’s “Thirteen Days: A Memoir of the Cuban Missile Crisis

ألف روبرت إف. كنيدي كتابا تطرق فيه إلى تلك الأزمة وقد اختار له عنوان: «ثلاثة عشر يوما: مذكرات أزمة الصواريخ الكوبية» وقد شدد في كتابه على ضرورة أن يعتمد الرئيس على الوقائع في تقييم الأمور وصنع القرارات ويبتعد عن التصورات والغرور والعنجهية. 

في زمن الأزمات يزدهر الأدب. في خضم هذه الأزمة التي نمر بها اليوم، يجدر بنا أن نغوص في التاريخ الإنساني من جديد ونتعرف على ردود أفعال القادة والمواطنين عندما وجدوا أنفسهم في فترة عصيبة تصاعد فيها التوتر وعم الخوف وساعد الغموض مما يخبئه المستقبل للبشرية. 

لا ينفك التاريخ يتقلب بأحداثه التي تتحدانا وتزيد من حيرتنا ومخاوفنا – ذلك من طبيعة الأمور. ذات مرة قال الزعيم البريطاني ونستون تشرشل ما معناه: «المستقبل لا يمكننا معرفته لكن يجب أن نستلهم الأمل من الماضي»... الأمل في قدرة عبقرية البشرية والذكاء الإنساني على إنقاذنا من هذه الهوية السحيقة التي تهددننا حتى نظل نمشي في الحياة ونسلك الدروب المشمسة في الحياة – وهي عبارة أخرى لونستون تشرشل. 

رغم أن ما كتبه روبرت كنيدي عن أزمة الصواريخ السوفيتية في كوبا كان موجزا غير أنه كان عميقا في تحليله، ويفضل قراءة النسخة الصادرة سنة 1999 عن دار نورتن توطئة بقلم شليسنجر وكلمة ختامية لريتشارد نيوستاد وغراهام آليسون. فقد قدم المؤلف صورة واقعية للكيفية التي تصرف بها الرئيس الأمريكي وكبار مساعديه ومستشاريه في خضم تلك الأزمة الخطيرة.

كتب روبرت كنيدي يقول: «كان الرئيس كنيدي يريد أناسا حوله يطرحون الأسئلة وينتقدون ويمكن الاعتماد على تقييمهم الأمور والذين لا يتوانون عن طرح رؤى وآراء حصيفة وذكية، بقطع النظر عن مناصبهم أو وجهات نظرهم. عندما حان الوقت كي يظهر الرئيس للعموم عبر عن ثقته في الشعب. لم يعبر عن السعادة ولم يرسم صورة وردية كما أنه لم يبعث برسائل متباينة أو يظهر في شكل الرجل الضعيف الذي يستحق الشفقة». 

كاد نشر الصواريخ النووية السوفيتية في كوبا قبل نحو ستة عقود في اندلاع أسوأ حرب خلال فترة الحرب الباردة، إذا إنها وضعت العالم على حافة حرب نووية تأتي على الأخضر واليابس وتهدد بفناء البشرية غير أن الحنكة السياسية والقنوات الدبلوماسية والقيادة العالية هي التي جنبت البشرية تلك الكارثة الوشيكة. 

صدر عدة كتب ونشرت عدة مقالات على مدى العقود الماضية لتحليل ذلك الفصل في العلاقات الدولية في خضم الحرب الباردة التي وضعت المعسكر الغربي الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية في مواجهة المعسكر الشرقي الذي كان يتزعمه الاتحاد السوفيتي وقد أثنت أغلب تلك الأدبيات التاريخية والسياسية بما أبداه الرئيس الأمريكي جون كنيدي من حنكة سياسية وقيادة فعالة في زمن الأزمة وحفاظه على برودة أعصابه وتجنب بالتالي اندلاع الحرب النووية المدمرة. 

وفى 26 أكتوبر أرسل خروتشوف رسالة إلى كنيدي عرض فيها إزالة الصواريخ الكوبية مقابل وعد من القادة الأمريكيين بعدم غزو كوبا، وفي اليوم التالي، بعث الزعيم السوفيتي برسالة تقترح أن يقوم اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية بتفكيك صواريخه في كوبا إذا قام الأمريكيون بإزالة منشآتهم الصاروخية في تركيا.

إن الاقتراب المباشر من الشعب في زمن الأزمات من سمات القيادة التي يتحلى بها كبار الزعماء وقد تجلى ذلك خاصة في الحكام الذين قادوا الولايات المتحدة الأمريكية خلال أزمة 1929 الاقتصادية الخانقة والحرب العالمية الثانية – عندما كان جون كنيدي في ريعان شبابه. 

عمل آرثر شليزنجر كمساعد خاص في البيت الأبيض في ظل إدارة الرئيس جون كنيدي وقد أسهب في الحديث عن سمات القيادة التي تحلى بها الرئيس فرنكلين دي روزفلت في أول مائة يوم في الحكم عندما وضع «السياسة الاقتصادية الجديدة التي أخرجت بالولايات المتحدة الأمريكية من أزمتها المالية الخانقة. ألف آرثر شليزنجر ثلاثة كتب مهمة تحدث فيها عن تلك الحقبة من تاريخ الولايات المتحدة وأبرز سمات القيادة في زمن الأزمات. في الجزء الثاني الذي جاء بعنوان «العهد الثاني» استعرض الوضع المتردي الذي كانت تتخبط فيه الولايات المتحدة الأمريكية بعد فترة العشرينيات الزاهية. 

إبان أزمة 1929 التي هزت أركان الاقتصاد الرأسمالي الغربي، وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية تجاوزت معدلات البطالة في بلاد العم سام نسبة 25%. في تلك الفترة العصيبة كان الرئيس الثاني والثلاثون، روزفلت، يحص على مخاطبة الشعب الأمريكي إذ قال لهم في الخطاب الذي ألقاه في حفل تنصيبه: إن «الشيء الوحيد الذي يخيفنا هو الخوف نفسه» مضيفا أنه قد تكون الحاجة إلى مزيد من السلطات والصلاحيات التنفيذية حربية وكأن «العدو قد قام بغزو البلاد» وقد قوبل خطابه بتصفيق حاد خلال حفل التنصيب الذي أقيم على الجانب الشرقي من مبنى الكابيتول. تحدثت إلينور روزفلت، زوجة الرئيس روزفلت، عن ذلك اليوم المهيب وقال إن الخطاب قد اتسم بالصراحة والصدق.

في الصباح الباكر من اليوم التالي بدأ الرئيس روزفلت في العمل بوتيرة سريعة ودون مزيد من التأخير أو الانتظار أو التباطؤ. فقد كانت الأوضاع السيئة، الناجمة عن أزمة 1929. تحتم عليه البدء في توفير المأوى للسكان الذين شردتهم الأزمة وإطعام العاطلين عن العمل والذي عصفت أزمة 1929 بوظائفهم وأرزاقهم وفككت عائلاتهم وزادت من أعبائهم الثقيلة في مختلف أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية. 

كتب آرثر شليزنجر متحدثا عن الأوضاع الخطيرة الناجمة عن استفحال الأزمة الاقتصادية التي بدأت سنة 1929: «قبل بضع ساعات، وفي صباح اليوم الذي جرى خلاله الرئيس الثاني والثلاثين للولايات المتحدة الأمريكية أقفلت كل البنوك والمصارف أبوابها في مختلف أرجاء الولايات المتحدة الأمريكية. لم يكن الأمر يتعلق فقط بإبعاد شبح المجاعة عن الشعب الأمريكي. لقد كان الأمر يتعلق باحتمال أن تواجه الديمقراطية التمثيلية الأمريكية الانهيار الاقتصادي. لقد كان الأمر يتعلق أيضا بتفادي حدوث الفوضى العامة واندلاع أعمال العنف في المجتمع، بل إن البعض راح يحذر من احتمال اندلاع ثورة في البلاد».

بادر الرئيس روزفلت بإعلان إجازة للبنوك والمصارف في مختلف أرجاء الولايات المتحدة الأمريكية وأصدر أوامره لفريق المستشارين العامل معه للعمل ليل نهار وتقديم الأجوبة اللازمة التي تتعلق بكيفية معالجة التحديات الاقتصادية والاجتماعية والمالية التي تواجه البلاد جراء تداعيات أزمة 1929. أما المسؤولون فقد خلعوا جلابيب انتماءاتهم الحزبية وراحوا يعملون بروح الفريق الواحد. 

يقول ريمون مولي، وهو أحد مستشاري الرئيس روزفلت، متحدثا عن تلك الفترة العصيبة والمليئة بالتحديات الصعبة: «تحولنا إلى مجموعة من الرجال الذين يبذلون قصارى جهدهم من أجل إنقاذ القطاع البنكي والمصرفي من الانهيار والتسبب في كارثة كبيرة للاقتصاد الأمريكي والاقتصاد الليبرالي الغربي بصفة عامة». 

تسلح الرئيس روزفلت بتوصيات وآراء الخبراء السياسيين ثم بدأ بمخاطبة الشعب الأمريكي على أمواج أثير الإذاعة ثم أملى ملاحظاته لسكرتيرته الخاصة غريس تولي. كتب آرثر شليسنجر يتخيل أولئك الأشخاص الذي يتعين أن يمد لهم يد المساعدة العاجلة: «بناء يقوم بتشييد مبنى جديد، فتاة تقف خلف الكاونتر، رجل يقوم بتصليح سيارة، مزارع في حقله وغيرهم كثيرون وهم يصيحون جميعا: أموالنا في البنوك والمصارف». لقد نجح فرنكلين روزفلت، الرئيس الثاني والثلاثين، في إيصال رسالته إلى مختلف فئات الشعب، بما في ذلك أصحاب البنوك والمصارف.

الوضوح والصراحة ضروريان إبان الأزمات التي تعصف بالدول والشعوب والمجتمعات، إضافة إلى حصافة الرأي وحضور البديهة وحسن التعامل مع التطورات وإدارة الأزمات. يتحدث جوت لوكاتتش في كتابه المعنون: «خمسة أيام في لندن: مايو 1940» بالتفصيل عن الفترة التي كان ونستون تشرشل يتولى فيها منصب رئيس الوزراء في بريطانيا. يقول المؤلف أن تشرشل قد أحكم قبضته على السلطة وأغلق الباب أمام أي إمكانية للتفاوض مع الزعيم الألماني النازي أدولف هتلر. كتب المؤلف يقول: «... نجح تشرشل بحنكته القيادية في إنقاذ بريطانيا وأوروبا والحضارة الغربية برمتها». 

كان الواقع قبل ذلك مختلفا كل الاختلاف. عندما تولى تشرشل منصب رئيس الحكومة في يوم 10 مايو 1940 كان يوصف على أنه غير مستقر الشخصية وميلودرامي ويكثر من الشرب غير أنه فهم أدولف هتلر أفضل من الكثير ممن كانوا في السلطة في بريطانيا. كان تشرشل يدرك أيضا أن الوضع الذي كان سائدا آنذاك كان يتطلب الكثير من الحنكة السياسية وقوة الشخصية والصبر على النوائب. 

كان تشرشل يخوض نقاشات حادة مع أعضاء طاقمه الوزاري الحربي، وخاصة مع وزير خارجيته، اللورد هاليفاكس، والذي كان يفضل الدخول في محادثات مع أدولف هتلر ودول المحور. استفاد تشرشل من دعم رئيس الوزراء السابق نيفيل تشامبرلين، والذي كان بدوره من قبل من دعاة مهادنة هتلر في فترة تنامي قوة جيش الرايخ الألماني. عندما طار تشرشل إلى فرنسا في يوم 16 مايو كتب رسالة إلى تشامبرلين: «نيفيل، أرجوك تولى الأمر». 

عندما حانت لحظة الحقيقة واتخاذ القرار الحاسم يوم 28 مايو 1940. كان تشامبرلين يراهن على قوة عزيمة ونستون تشرشل وفضله على هاليفاكس الذي كان يدعو إلى التفاوض مع هتلر. ذلك ما صنع الفرق وحسم الأمر لصالح ونستون تشرشل. فقد قال تشرشل في ذلك الاجتماع العاصف: «إن الطريقة الوحيدة التي نحافظ بها على سلامتنا هي إقناع هتلر بأنه لن يهزمنا أبدا». بطبيعة الحال كان تشرشل يعني أنه لا مفر من الحرب وقد كان له ذلك ليتفوق بذلك على معسكر مهادنة أدولف هتلر. فقد تعاون تشرشل مع سلفه تشمبرلين وترفع عن كل رغبة رفي تصفية الحسابات السياسية مع خصومه.

1- نيفيل تشمبرلين: رئيس وزراء ووزير بريطاني أسبق وسياسي ينتمي إلى حزب المحافظين، تبوأ منصب رئيس الحكومة البريطانية في الفترة ما بين 1937 و1940 وقد ارتبط اسمه في التاريخ ببدايات الحرب العالمية الثانية (1939-1945) كما تولى في الفترة نفسها رئاسة حزب المحافظين الحاكم الذي ينتمي إليه. 

2- آرثر ماير شليزنجر جونيور: مؤرخً وناقد وأكاديمي متخصص في التاريخ الأمريكي، ركز في مؤلفات خاصة على الفكر والسياسة الليبرالية الأمريكية في القرن العشرين، كما سلط الأضواء في كتاباته على الرؤساء الأمريكيين هاري ترومان، فرانكلين روزفلت وإضافة إلى روبرت كينيدي. درس آرثر ماير شليزنجر جونيور التاريخ في جامعة هارفارد ومنها تخرج سنة 1938 قبل أن يتولى التدريس فيها في سنة 1954. 

3- فرانكلين ديلانو روزفلت سياسي ديمقراطي محنك تولى مقاليد الرئاسة سنة 1933 حتى وفاته سنة 1945 وهو الرئيس الثاني والثلاثين في التاريخ السياسي للولايات المتحدة أطلق سياسة «العهد الجديد» التي ضمنت حزمة السياسيات الاقتصادية والاجتماعية من أجل انتشال الولايات المتحدة الأمريكية من تداعيات أزمة 1929 الوخيمة كما لعب دورا مركزيا في الأحداث العالمية خلال منتصف القرن العشرين كما حضر قمة يالطا إلى جانب الزعيم السوفييتي جوزيف ستالين والزعيم البريطاني ونستون تشرشل، وهي القمة التي رسمت خريطة أوروبا ما بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. 

قال ماكنمارا، الذي كان وزيرا للدفاع في تلك الفترة، إن الأزمة الكوبية تعد «المثال الأفضل على حسن الإدارة الخارجية في نصف القرن الأخير». وأضاف «لكنني استنتج اليوم أنه وبغض النظر عن طريقة إدارة الأزمة، فإن الحظ لعب دورا كبيرا في تفادي اندلاع حرب نووية بعد تلك الأيام الـ13».

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news