العدد : ١٥٥٢١ - الأحد ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٣ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢١ - الأحد ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٣ صفر ١٤٤٢هـ

شرق و غرب

الطبيب الذي نصح باستخدام «الكلوروكين» في حديث بين العلم والسياسة

الثلاثاء ٢٨ أبريل ٢٠٢٠ - 10:25

أجرى الحوار: شارل جايجو

 برزت شخصية الطبيب الفرنسي البروفيسور ديدييه راوول في خضم الجدل الطبي الدائر حول توصيف طبيعة جائحة كورونا وسبيل الوقاية منها، إضافة إلى الطرق العلاجية.. وقد أثار هذا الجدل الانقسامات في الأوساط العلمية والطبيعية. 

مجلة لوفيغارو أجرت الحوار التالي مع البروفيسور راوول، حيث تطرق إلى الطريقة العلاجية التي يطبقها في معالجة مرضاه المصابين بفيروس كورونا، وذلك باستخدام دواء الكلوروكين الذي يعالج به المصابون بمرض حمى المستنقعات أو الملاريا، علما بأن المجلس العلمي الفرنسي والعديد من المجالس الطبية العالمية لم توص باستخدامه. البروفيسور راوول هو أيضا مؤلف كتاب بعنوان «الأوبئة: الأخطار الحقيقية والإنذارات الكاذبة»، وقد اعتبر فيه أنه لا بد من الابتعاد عن المبالغات التي يعمد إليها البعض من أجل الاستثمار في المخاوف لأن التصدي للأمراض والجوائح والأوبئة مسؤولية طبية بالدرجة الأولى.

‭{‬ لقد اكتشفك الفرنسيون والعالم في خضم الجدل الدائر حول جائحة كورونا ووجدوا فيك طبيبا مثيرا للجدل لما تثيره من جدل وأنت تقول لهم بصريح العبارة: «إذا كنتم تريدون القضاء على هذا الوباء فإنه يمكننا الوصول إلى هذه النتيجة بسرعة».. رغم ذلك لم يتم القضاء على الفيروس الذي لا يزال يزهق الأرواح ويوقع آلاف المصابين ويثير الرعب في مختلف دول العالم.

المسألة لا تتعلق بما قلته أو بما طرحته من أفكار بقدر ما يتعلق بالآخرين الذين لم يأخذوا بأفكاري على الوجه الأكمل. فقد كانت الصين وكوريا الجنوبية من أوائل الدول التي شهدت تفشي جائحة كورونا، غير أنهما نجحتا اليوم في احتواء تفشي هذا الوباء وقد كنت أتوقع نجاحهما في ذلك. لقد بدأت تدريس طب علم الجرثوميات منذ 46 سنة وكنت دائما أشدد على ضرورة تحديد وعزل المرضى الحاملين للفيروس ثم معالجتهم باستخدام ما هو متاح في الطب. لم أبدل رأيي حول هذه النقطة. فالكثير من الدول الأوربية وغيرها، التي تعاني اليوم من تفشي فيروس كورونا، تهاونت ولم تشأ أن تكثف عمليات التشخيص والعزل منذ البداية. نتيجة لذلك تجد فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وهولندا مصنفة باعتبارها الدول الأربع الأكثر تضررا في العالم، إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية. 

‭{‬ هذه إهانة لفرنسا التي كانت تعتبر أفضل دولة في العالم في مؤشر الرعاية الصحية؟ 

في سنة 2003 طلبت مني الحكومة الفرنسية إعداد تقرير مفصل عن جائحة سارس وكيفية التصدي لمثل هذه الأخطار الوبائية والوقاية منها، وقد أوصيت في تقريري بضرورة تبني سياسة صحية جديدة تنطوي على الآليات اللازمة لاستباق مثل هذه الأخطار الوبائية، وقد ذكرت أن هذه الأخطار الوبائية ستزداد أكثر من أي وقت مضى بسبب تشابك العالم وتقاطع المصالح واختصار المسافات، كما حذرت من خطر آخر يتمثل في عجز النظام الصحي عن التعاطي مع تفشي مثل هذه الأوبئة والجوائح على نطاق واسع. لقد أوصيت بإنشاء أقطاب طبية متخصصة في مكافحة تفشي الأوبئة خارج شبكة المستشفيات العادية، وإنشاء شبكات لصنع أدوات الاختبارات السريعة في أقرب وقت ممكن. 

مع نهاية شهر يناير الماضي كنت قد طالبت بضرورة تعميم استخدام دواء «الكلوروكين» وقد ترددت الحكومة الفرنسية في أن تمضي على مضض في هذا العلاج من دون تعميمه والاقتصار على الحالات المرضية الخطرة. تشكلت لجنة طبية ثانية برئاسة فرنسواز باري سينوسي، الفائزة بجائزة نوبل للطب، والتي أوصت بإجراء دراسة شاملة لتقييم نجاعة هذا الدواء. ما تعليقك؟

فيما يتعلق بالأمراض السارية أو المعدية هناك في فرنسا وغيرها أناس متعودون على العمل بطريقة معينة والذين عرفوا خاصة بمكافحتهم لمرض نقص المناعة المكتسبة (الإيدز) قبل ثلاثين سنة من الآن. فقد اعتمدوا الأسلوب القائم على تشخيص وتحليل عينات عشوائية، إضافة إلى إجراء دراسات على عدد كبير من المرضى من أجل الخروج بعد ذلك بجملة من الاستنتاجات الطبية. 

قد تسهم مثل هذه الدراسات في تحسين بعض الأدوية ذات العلاقة بالإيدز أو بالالتهاب الكبدي الفيروسي، لكن يجب ألا نجعل شرطا لا بد منه في المجال الطبي. فالاعتماد على العينات العشوائية الموسعة من شأنه أن يطمئن البيروقراطيين في القطاعات الصحية. الحقيقة هو أن 90% من الأدوية والعلاجات التي أمكن اكتشافها والتي أثبتت فعاليتها لم تنبن على مثل هذه الدراسات والعينات العشوائية. أكثر ما يضر بالبحوث الطبية والعلمية دخول رؤوس الأموال التي لا تؤمن إلا بالنتيجة. فرنسواز باري سينوسي هي أساسا باحثة وليست طبيبة في الميدان.

‭{‬ إلى أين وصلتم في تقييم دواء الكلوروكين؟ 

لقد عالجنا حتى الآن أكثر من ألف مريض في معهد المستشفى الجامعي للأمراض المعدية في مرسيليا (جنوب فرنسا)، ولم نسجل سوى وفاة مريض واحد حتى الآن. لقد نشرنا منذ بضعة أيام دراسة شملت 80 مريضا تراجعت حدة إصابتهم بالفيروس بعد أن عالجناهم بدواء الكلوروكين. هناك أكثر من عشر دول في العالم توصي باستخدام دواء الكلوروكين في معالجة مرضى كورونا، تحت إشراف طبي بطبيعة الحال. 

‭{‬ في أي مستوى يمكن أن نضع جائحة كورونا؟ 

لا بد من القول أولا إن كل الأمراض والأوبئة هي ناتجة أساسا عن خلل في الأنظمة الحيوية والإيكولوجية. توجد دائما تفاعلات مركبة ومعقدة وخفية ما بين الكائنات الحية المجهرية والبيئة التي تعيش فيها. في بداية تفشي جائحة كورونا وصلت نسبة الوفيات في مدينة ووهان إلى 5% من المرضى فيما كانت النسبة في حدود 1.2% في بقية مناطق الصين. هناك من الأسباب العلمية ما يجعلنا نقول إن النسبة الإجمالية للمتوفين لن تتجاوز 0.4%.

‭{‬ إذا كانت نسبة المتوفين ضعيفة، فما الذي يفسر نسبة العدوى العالية التي تتصف بها جائحة فيروس كورونا؟ 

في الحقيقة لا أرى في هذه النسب أمرا غير عادي. ففي السنة الماضية أصبحت وسائل الإعلام تركز على أسمته تفشي مرض الحصبة الذي ينتقل أيضا بواسطة الرذاذ المتطاير من أنوف الأشخاص المصابين أو أفواههم أو حلوقهم رغم أن عدد المصابين كان في حدود الألف فقط. في الوقت نفسه وفي منطقة شرق الكونغو كان عدد المتوفين بسبب تفشي الحصبة أكثر من عدد المتوفين بوباء إيبولا الذي يعتبر أكثر فتكا وخطورة. لم يتحدث أحد عن هذا الأمر.

هناك دراسات رائعة في الولايات المتحدة الأمريكية تتعلق بأسباب الوفاة في الولايات المتحدة الأمريكية، وقد أظهرت أن الإرهاب وجرائم القتل والانتحار لا تمثل سوى نسبة تتراوح ما بين 2 و3% من إجمالي أسباب الوفيات، غير أن البحوث والدراسات المعلقة بهذه الأسباب تمثل نسبة تتراوح ما بين 15% و20% من التفاعلات التي تتم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كما يتم ذكرها بنسبة تصل إلى 70% في صحيفتي نيويورك تايمز والجارديان على سبيل المثال. هذا يظهر لنا الصعوبة التي تجدها وسائل الإعلام أحيانا في إيجاد التوصيف الدقيق للأوضاع، فضلا عن الأخبار الزائفة على وسائل التواصل الاجتماعي. 

‭{‬ في سنة 2009 حذرنا علماء الأوبئة والفيروسات من أن إنفلونزا الخنازير (H1N1) قد تقتل ملايين الناس في مختلف أنحاء العالم وهو ما أثار فزع الناس غير أن شيئا من ذلك لم يحدث.

هذه من الأسباب التي تجعلني لا أحبذ الظهور على شاشات التلفزيون. هذا السبب هو الذي دفعني لتأليف كتابي الذي يحمل عنوان: «الأوبئة: الأخطار الحقيقية والإنذارات الكاذبة». 

‭{‬ لجأت فرنسا والعديد من دول العالم إلى أسلوب الحجر الصحي الشامل وإجبار الناس على البقاء في منازلهم وإغلاق مؤسساتهم ومحلاتهم مع التضييق على الحياة العامة في حدها الأدنى، وهي طريقة تعود إلى القرون الوسطى كما أنها تشل الحياة الاقتصادية. هل يحقق الحجر الصحي الشامل النتائج المرجوة؟ 

في الحقيقة فإن طريقة الحجر الصحي الشامل لم تحقق سوى نتائج نسبية. نحن في مدينة مرسيليا الفرنسية خير من نحكم على الجدوى من هذه الطريقة. فقد كان الحجر الصحي يطبق في القرون الوسطى التي شهدت تفشي الكثير من الأمراض والأوبئة. في سنة 1884 فرض الحجر الصحي من أجل مكافحة وباء الكوليرا غير أن ذلك لم يجد نفعا. بالمقابل أنا أؤيد الحجر الطبي البيولوجي، أي عزل المصابين تماما عن الناس الآخرين الأصحاء, كما أن العزل الذاتي في المنازل يحتاج إلى صرامة في التطبيق والكتابة المنتظمة. 

يجب أن أقول أيضا إن القرار الذي يقضي بفرض الحجر الصحي ليس قرارا طبيا فقط بل إنه أيضا قرار تدخل فيه السياسة، كما أنه يأخذ بعين الاعتبار خطر انتقال العدوى ومخاوف السكان وصيرورة الاقتصاد والأمور الأخرى المتعلقة باللوجستيك وإدارة المخزون. أما أنا فأعتبر أنه لا بد من تشخيص المصابين وفصلهم عن بقية الناس. هذا ما اقترحته منذ تفشي جائحة كورونا.

 

لوفيجارو     

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news