العدد : ١٥٥٢١ - الأحد ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٣ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢١ - الأحد ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٣ صفر ١٤٤٢هـ

شرق و غرب

الطب الحديث في مواجهة جائحة فيروس كورونا

الثلاثاء ٢٨ أبريل ٢٠٢٠ - 10:24

بقلم: فيليب فروغيل 

لماذا تسببِ تفشي جائحةِ فيروس كورونا في مختلفِ دول العالم في مفاجأةٍ للعلماء وإثارةِ الانقسامات ما بين الأطباء وعلماء الأوبئة والفيروسات أنفسهم؟. سؤالٌ يطرح نفسه في هذا الوقتِ الذي ظلَّ فيه هذا الوباءُ يفتك بأرواحِ آلاف الناس كل يوم فيما تظلُّ المختبراتُ العلمية تسارع الزمنَ عساها تتمكن من اكتشاف اللقاحِ الفعال الذي يوقف العدوى وينقذ الأرواحَ ويقضي على الفيروس ويعيد للناس حياتها الطبيعية ويبدد مخاوفهم وهواجسهم ويعيد عجلةَ الاقتصادِ إلى الدوران.

خلال الأسابيعِ القليلة الماضية أصبنا بدهشةٍ كبيرة ودبت في أنفسنا الشكوكُ والمخاوف ونحسن نشاهد كبارَ المختصين في الأمراضِ السارية والعدوى والفيروسات وهم يشاركون في برامج تلفزيونية مباشرة ويتراشقون بالاتهاماتِ ويحتد بينهم النقاشُ حول جائحة فيروس كورونا وسبلِ الوقاية منها وعلاجها.

هل أخطأ العلماءُ والأطباء والخبراء في تشخيص الجائحة منذ البداية؟ 

يجب أن نفهم منذ البداية أن الطب الحديث لا يزال يقوم حتى اليوم على الأسس الثورية التي وضعها العالم كلود برنارد منذ منتصف القرن التاسع عشر وهو يعتبر حتى اليوم «أب الطب الحديث». يقوم المنهجُ التجريبي الذي وضعه العلامة كلود برنارد على رصد الظاهرةِ الصحية أو المرضية الجديدة ثم الانتقال إلى الملاحظة وإعمال العقل العلمي الذي لا يخلو من خيال في وضع التصورات والفرضيات الممكنة، قد يتعلق الأمر بفرضية واحدة أو بعدة فرضيات قبل أن نخضعها بعد ذلك إلى التجارب المخبرية المكثفة وتحليل النتائج التي نحصل عليها بأفضل طريقة نقدية ممكنة لنصل بعد ذلك إلى الخلاصة العلمية التي ستقود بروتوكولات المهنة الطبية المستقبلية، تلك هي المبادئ التي استنبطها كلود برنارد واتخذ منها أسسَ المنهج التجريبي الذي لا يزال يقوم عليه الطبُ الحديث. 

استطاع الطبُ منذ عهد العالم كلود برنارد أن يحقق إنجازاتٍ كبيرة تقدمت بالبشرية خطوات عملاقة إلى الأمام في مجال مكافحة الأمراض، لتقطع بالتالي مع أساليب «الطب التقليدي» الذي ظل سائدًا منذ العصورِ القديمة. يقوم منهجُ الطب التجريبي الذي أرسى قواعده العالم كلود برنارد أيضا على الملاحظةِ والمقارنة بالانطلاق من الأساليب العلاجية المعروفة حتى الآن. 

إذا ظهرت أمراضٌ جديدة، على غرار جائحة فيروس كورونا، فإن المنتسبين لهذه التجربة يسعون في مرحلة أولى إلى الملاحظة والمقارنة سعيًا لتبين أوجه الشبه الممكنة مع الأمراض والفيروسات المعروفة حتى الآن ومن ثم اختيار أفضل علاجٍ ممكن متوافر على الساحة. لا شك أن هذا الأسلوبَ المعتمد مفيد. فقد اعتمد العلماءُ والأطباء في كوريا الجنوبية على سبيل المثال على تجربتهم المتراكمة في التعاطي مع جائحة سارس كورونا وقرروا منذ البداية اللجوء إلى إجراء الفحوصاتِ والتحاليل المخبرية ونجحوا بالتالي في احتواء تفشي الفيروس. 

يعتقد نقادُ الفكر العلمي أن الإفراط في مثل هذه المقارنات والبحث عن أوجه الشبه قد يتحول إلى عقبة تعمينا عن الأسباب الحقيقية وهو ما كان يدركه العالم كلود برنارد نفسه عندما كتب يقول في أدبياته العلمية التي ورثناها عنه: «إن الحقائق التي نعتقد أننا نعرفها هي التي قد تمنعنا أحيانا من الفهم والتعلم والمضي قدمًا إلى الأمام».

أما فيما يتعلق بجائحة كورونا التي تفتك بالعالم في الوقت الراهن فإن هذا المنهجَ الطبي التجريبي الضيق الذي حذر منه العالمُ كلود برنارد هو الذي يسود المجتمع الطبي. فقد راح العلماء يقارنون جائحة كورونا التي لا نكاد نعرف عنها أي شيء بمختلف أنواع الأنفلونزا والجوائح المعروفة والتي نحن على أتم استعداد لمواجهتها. 

في الواقع فقد أظهرت الأزمة الصحية الراهنة أن الطب الاستشفائي في فرنسا وغيرها، وخاصة فيما يتعلق بعلم الفيروسات، قد يحكم بمنطق هذا المنهج التجريبي. فالدراسات الإكلينيكية التي أطلقت راحت تختبر بعض الأدوية المعروفة مثل دواء هيدروكسي كلو روكين، الذي يستخدم في علاجِ المرضى المصابين بالملاريا. لقد قرروا البدء في استخدام هذا الدواء حتى من قبل تحديد طبيعية فيروس كورونا ومعرفة حقيقة الأضرار الصحية التي يسببها ووضع تصورٍ علمي لكيفية مكافحته.

في الحقيقة. إن الحكومات، بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية ووسائل الإعلام قد أسهمت في هذه الإثارة ولعبت دورًا مباشرًا في الضغط على مجتمع الطب الاستشفائي من أجل التوصلِ إلى الحل المعجزة. تلك الضغوط هي التي دفعت بعض الأوساط العلمية والطبية إلى السقوط في الحلول السريعة من خلال المقارنة مثلا مع أنواع الأنفلونزا واقتراح عدة حلول سريعة أيضا من أجل الحيلولة دون انتقال العدوى، ومن بينها أسلوب الحجر الصحي العام والتي تعود أصلا إلى فترة العصور الوسطى، مع ما يتسبب فيه هذا الأسلوب من تداعيات إنسانية واجتماعية واقتصادية.

أما المجتمعات الأكثر تطورًا تقنيًّا وعلميًّا أيضا مثل كوريا الجنوبية وتايوان على وجه الخصوص فهي لم تلجأ إلى أسلوب الحجر الصحي وإجبار الناس على البقاء في بيوتهم مثل فرنسا وإيطاليا وقد نجحتا في احتواء تفشي الفيروس من خلال اللجوء إلى الفحوصات والتحاليل الشاملة، علما وأن هذين البلدين، اللذين يعتبران من النمور الآسيوية، قد اكتسبتا تجربة متراكمة كبيرة من خلال مكافحة جائحة سارس التي ضربت الصين والدول المجاورة لها قبل بضعة أعوام. فقد تعلمت كوريا الجنوبية وتايوان أنه لا بد من التحرك بقوة منذ البداية.

لذا صارت كوريا الجنوبية وتايوان لا تواجهان إشكاليات وتحديات ما بعد إنهاء فترة الحجرة الصحي، وقد بدأت الدول الغربية تتساءل عما سيكون عليه الوضع بعد رفع الحجر الصحي. كذلك أدت الضغوط الكبيرة إلى دفع بعض الحكومات الغربية إلى البدء في حملات واسعة لإجراء فحوصات وتحاليل شاملة على الطريقة الصينية والكورية الجنوبية والتايوانية غير أن هذا الأسلوب المشدد قد جاء متأخرا وخاصة الفحوصات المعروفة باسم PCR وهي الطريقة التي تقوم على أخذ العينة وفحصها من خلال التركيز على تفاعل سلسلة البوليمرات ليتم بعد ذلك استخلاص الحمض النووي للفيروس وتحليله. 

إن هذه الطريقة المخبرية التي ترتكز على العينات التي يتم أخذها ومن ثم فحصها من أجل معرفة تفاعل سلسلة البوليمرات واستخلاص الحمض النووي للفيروس وتحليله، هي الوحيدة التي أثبتت جدواها في تشخيص الناس والتعرف على المصابين الذين يحملون الفيروس وهي طريقة لا بديل عنها. أما المدرسة التجريبية فقد ظلت تعتمد طويلا على الاختبارات المصلية إلى ترمي إلى قياس الأجسام المضادة في الدم.

أوضحت الأكاديمية الطبية أن الاختبارات المصلية تساعد فقط على تحديد ما إذا كان يمكن السماح لمنطقة جغرافية الخروج من الحجر الصحي الإلزامي، لكنها غير مناسبة ولا يمكن الاعتماد عليها بما يكفي لاستخدامها في الفحص الفردي، علما بأن الأجسام المضادة تظهر بعد 14 يومًا من الإصابة وهي تبين أن شخصا ما قد انتقل إليه الفيروس لكنها لا تظهر ما إذا كان هذا الشخص قد تم علاجه أو أنه لم يكن ملوثًا.

يدرك المجتمع العلمي والطبي أن الأمر يتعلق هذه المرة بفيروس جديد يفاجئنا كل يوم بخصائص جديدة. لذلك فإن البحث الأساسي يعتبر ضروريًا في هذه المرحلة لإحراز تقدم كبير، لا سيما لتطوير لقاح فعال يقي البشرية ويعيد لنا حياتنا الطبيعية. 

 

أتلنتكو

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news