العدد : ١٥٤٠٩ - الأحد ٣١ مايو ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٨ شوّال ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٠٩ - الأحد ٣١ مايو ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٨ شوّال ١٤٤١هـ

رسائل

التحكيم الدولي وآليات تحقيق الأمن القومي

مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية

الاثنين ٢٧ أبريل ٢٠٢٠ - 10:17

نظَّم «المنتدى الاستراتيجي للتنمية والسلام الاجتماعي»، ندوةً في القاهرة يوم11 مارس 2020. بعنوان «التحكيمُ الدولي وآليات تحقيق الأمن القومي»، وذلك بمناسبةِ احتفالِ الدولة المصرية بذكرى استرداد طابا، والتي تحلُّ في كل سنة يوم التاسع عشر من مارس. أدار الندوةَ الدكتورُ «علاء رزق»، رئيس المنتدى، وتحدث فيها د. «مصطفى سالم»، أستاذ القانون والتحكيم الدولي ورئيس اتحاد الحقوقيين العرب، والمستشار «محمد الخولي» بهيئة الرقابة الإدارية، والمستشار «علاء محمود» بمحكمة الاستئناف، والدكتورة «منى صبحي»، أستاذة الجغرافيا بجامعة الأزهر، وشارك فيها اللواء «سامح أبو هشيمة»، أستاذ العلوم الاستراتيجية بأكاديمية «ناصر العسكرية العليا»، والإعلامي «مجدي الصياد» مدير البرامج السياسية بالتليفزيون المصري، والدكتورة «سلوى بكير» سفيرة النوايا الحسنة، فضلا عن مشاركة عدد من الأكاديميين والإعلاميين والمهتمين بموضوعها.

في البداية أشار الدكتورُ «علاء رزق»، إلى أن الندوة تأتي بالتواكب مع استرداد طابا في ملحمةٍ بطولية في مارس عام 1989. وهي الملحمةُ التي تحمل كثيرًا جدًّا من الدروسِ المستفادة، والتي تحاول هذه الندوةُ إحياءها بهدف إظهارِ مدى نجاح مصر في تحقيق الأمن القومي من خلال التحكيم الدولي، والذي سبقه تكاتفٌ بين الأجهزةِ المعنية كلها، تمثَّل في وجود آليات ضغطٍ من أجهزةٍ مصرية وإقليمية على الطرف الآخر -وهو إسرائيل- بقبول التحكيم الدولي، وهذا يعدُّ نقطةَ مهمة في سبيل استرداد مصر لطابا.

وفي هذا الإطار، أوضح الدكتور «مصطفى سالم»، أن طابا كانت مطمعًا منذ عام 1906. إذ احتلتها القواتُ العسكرية التركية، التي كانت لديها مستعمرات في عديد من دولِ العالم تحكمها، ولكن الأزمة انتهت عندما طرد الإنجليزُ تركيا من مصر. وفي عام 1967 احتلت إسرائيلُ طابا، واعتبرتها جزءا من فلسطين، وظلت هكذا حتى بعد اتفاقيةِ السلامِ وانسحابها عام 1982 من سيناء، وخلال الفترة من عام 1982 إلى 1986. حدثت مفاوضاتٌ بين إسرائيل ومصر، انتهت بالتحكيم بأن طابا مصرية فتم استردادها.

ومن جانبه، قال «محمد الخولي»، إن موضوع التحكيم موضوعٌ مهم، وعرفه بأنه «تفويض في الحكم أي تفويض شخص ما، شريطة أن يكون هذا على قدرٍ من الحكمة»، وقد عرَّف القضاءَ التحكيم بأنه «نظامٌ مختلط يبدأ باتفاقٍ ثم إجراءات ثم ينتهي بقضاء»، ثم تطرق إلى الفرق بين التحكيم والقضاء، فأشار إلى أن التحكيمَ أسبقُ من القضاء تاريخيًّا، ولكنه أقل إلزامًا وجبرًا من القضاء؛ وذلك لعدم إمكانية المُحكِّم حجب الشهود أو جبرهم مثلا، إذ إن التحكيم أقل درجة في هذه الناحية، كما أن التحكيم عرضي، وأكثر قبولًا؛ لقدرة الأطراف المتنازعة على اختيار المحكمين، وفي القانون الذي سيطبق، فعلو سلطان الإرادة في التحكيم يجعله أكثرَ قبولاً، كما أنه فيه الإلزامية في توافر شروط المعاهدات الأساسية، فلا يكون هناك غشٌ ولا إكراه، كما أنه عند الاتفاق على التحكيم لا بد من وضع نقاط أساسية، على رأسها موضوع النزاع في التحكيم، والقبول بما يتوصل إليه. 

وتطرق أيضا إلى تعريف التحكيم الدولي موضحًا أنه خاصٌ بالمنازعات القانونية، أما المنازعات السياسية فليست مجالا للتحكيم؛ لأنه لا توجد قواعدُ محددة يتم الاتفاق عليها وأنه نوعٌ من التسويق السلمي للمنازعات، وينقسم إلى تحكيم مؤسسي وتحكيم اختياري، فالأول هو السائد؛ لأنه إلزامي التطبيق، وذلك بناءً على المعاهدات الموقعة عليها الدول، أو شرط في الاتفاقيات التي تجري عند حدوث تنازع ويتم اللجوء إلى التحكيم حينها، ويحدَّد فيه أطرافا معينة، ومحل النزاع، واختيار أطراف التحكيم والمحكمين، وتُطبَّق عليها قواعد القانون الدولي، مثل اتفاقية طابا، وضرب مثلا باتفاقية «لاهاي»، إذ نصت على أن موضوع التحكيم هو تسوية منازعات بين الدول بواسطة قضاة، في اختيارها على أساس احترام القانون، وأن الرجوع يضمن تعهدًا بالخضوع للحكم بحسن نية. مؤكدا أهمية التحكيم ومزاياه، إذ إنه بسيط الإجراءات، وسريع القرار، وغير قابل للطعن، وتوجد به سرية، أي لا يجوز نشر الأحكام إلا باتفاق الأطراف المتنازعة، ويكون في التحكيم تراضٍ بين الأطراف، وتكلفته قليلة من حيث المصروفات.

واختتم كلمته بأن الأمم المتحدة لها جهودٌ كثيرة في التحكيم لأكثر من 150 دولة، وقد رسخت مبادئ قانونية تطبق على الكل، وأن اتفاقية نيويورك 1958 دليلٌ للتحكيم الدولي، وهناك محاكم مختصة بذلك، منها محكمة العدل الدولية، وهي عالمية، تختصم أمامها دول فقط، عكس المحكمة الجنائية الدولية، التي يتخاصم أمامها أشخاص، موصيًّا في النهاية، بنشر ثقافة التحكيم بين المجتمع.

على الجانب الآخر، تحدث المستشار «علاء محمود»، عن طابا من الناحية القانونية، قائلا: «إن طابا تعدُّ نموذجًا للإرادة السياسية، وحنكة المفاوض المصري، وقدرته على عدم الوقوف على نقطة واحدة، موضحًا أنه بالنسبة إلى معاهدة السلام، فقد نفذت مصر كلَّ بنود الاتفاقية عدا البند الخاص بطابا، فوافق المفاوض المصري، وكان وقت ذاك الرئيس الأسبق «حسني مبارك»، والذي كان أذكى من القيادة الإسرائيلية في استكمال بنود الاتفاقية، على أن تكون هناك مفاوضات بشأن طابا. 

 وبموجب لجنة مشتركة بين الطرفين وبعد انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها عام 1967. ووفقًا للمادة السابعة من معاهدة السلام الخاصة بالتفاوض أولا، ثم التوفيق، ثم التحكيم، تم توقيع اتفاق مع إسرائيل سنة 82. لبدء المفاوضات بموجب الخبرة المشتركة بين الطرفين بشرط عدم البناء على أرض طابا، أو إقامة أي منشآت عليها، لكن إسرائيل أخلت بهذا الاتفاق، وأقامت فندق «سونستا طابا» وقرية سياحية. مشيرًا إلى أن إسرائيل وافقت ووقعت بعد أربع سنوات أي في 11-9-1986 على اتفاقية التحكيم، وكان البند الأساسي فيها تحديد مهمة هيئة المحكمة، أو التحكيم لتحديد مواقع النقاط وعلامات الحدود محل الخلاف، وصدر الحكم من هيئة التحكيم المنعقدة في جنيف في 3/9/1988 بالإجماع بأن طابا مصرية. وأثبت التحكيم أن مصر تتمتع بالحنكة والخبرة في المفاوضات والمفاوضين، ما يؤهلها إلى أن تقود أي مشكلة مستقبلية مصيرية واختم كلمته بتأكيد أن مسائل الخلافات الحدودية والتفاوض تترتب عليها مصائر الدول واستقرار حكومات، وليست مسألة بسيطة».

أما الدكتورة «منى صبحي»، فقد ركزت في كلمتها على الأهمية الجغرافية والاقتصادية لطابا، وأكدت في بداية حديثها أن الاحتفال بذكرى استرداد طابا ليس احتفالا بالماضي، ولكنه احتفاء بالحاضر والمستقبل، وهو تدعيم وترسيخ للإرادة السياسية والشعبية في الحفاظ على أرض الوطن، وهو رسالة واضحة لأعداء مصر، أننا لا نفرط في شبرٍ واحد من أرضها، كما يحمل في طياته رسالة أخرى لإثيوبيا، أننا لن نفرط في نقطة واحدة من مياه النيل، فهي مسألة أمن قومي، وأنه مفهوم لا يقتصر على الناحية العسكرية فقط، إنما يُعرف بقدرة الدولة على تحقيق أعلى معدلات التنمية الاقتصادية والاجتماعية بصورة مستدامة وقدرتها على مواجهة الأزمات والطوارئ، وتوضح قدرة الجانب المصري في التفاوض، ثم أشارت إلى اهتمام مصر بالمناطق الحدودية، سواء في الشرق أو الغرب أو الجنوب، فقامت الدولة بمد شبكات الطرق إلى منطقة طابا، حيث ترتبط بطريق وسط سيناء من خلال نفق، وترتبط بشرم الشيخ جنوبًا بطريق يبلغ طوله 240 كم، وبينها وبين نويبع 75 كم على نفس الطريق، وترتبط برفح شمالا بطريق برى، وتتميز طابا بوجود ميناء بحري لليخوت السياحية تم إنشاؤه عام 2006، ومن قبلها بعشرة أعوام أنشأت الدولة في عام 1996، الهيئة العامة للموانئ البرية والجافة، وتم تحويل منفذ طابا إلى ميناء بري تتمثل فيه جميع الوزارات والهيئات؛ لتأمين المنفذ البري، هذا بالإضافة إلى وجود مطار جوي بها. 

وعن أهمية طابا الجغرافية أوضحت أنها تقع على رأس خليج العقبة الذي تتقاسمه أربع دول، هي: المملكة العربية السعودية من الشرق، والأردن على رأس الخليج، تليها فلسطين المحتلة، ثم مصر على الجانب الغربي للخليج، وتحتل الأردن مساحة ضئيلة على خليج العقبة وبها ميناء العقبة الأردني، ومن هنا كانت نظرة الجانب الإسرائيلي الطامعة إلى هذا الموقع الجغرافي؛ لتوسع من ساحلها على خليج العقبة. وصرحت إسرائيل من قبل بأنها تحتاج إلى تلك المنطقة، بينما مصر تمتلك سواحل طويلة على خليجي العقبة والسويس والبحر الأحمر، وليست في حاجة إلى هذه المنطقة -على حد قول إسرائيل- التي تمتلك ميناء «إيلات»، على خليج العقبة، بالإضافة إلى ميناء «حيفا» وأشدود على البحر المتوسط.

مضيفة، أن طابا تعدُّ مدينة سياحية في المقام الأول تتعدد بها مقومات الجذب السياحي الطبيعية والبشرية، وبها جزيرة فرعون والتي تبعد10 كم عن مدينة العقبة، وعلى بُعد عشرات الأمتار من شاطئ سيناء، ويرجع تاريخها إلى1171 ميلادية، أنشأها صلاح الدين الأيوبي؛ لصد غارات الصليبيين وحماية طرق الحج المصرية، وتستقبل المدينة آلاف السياح بها؛ للاستمتاع بالشواطئ. 

واختتمت كلمتها بعدة توصيات، أهمها ضرورة التوعية بقضايا الحدود، والتعرف عليها، من خلال نشر ثقافة أهمية الخريطة الجغرافية لدى تلاميذ المدارس وطلبة الجامعات وبين الشباب، وضرورة تكثيف الرحلات المدرسية والجامعية إلى شبه جزيرة سيناء إلى جانب الاستفادة من تجربة التحكيم في طابا في حل مشكلة سد النهضة مع إثيوبيا. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news