العدد : ١٥٤٠٧ - الجمعة ٢٩ مايو ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٦ شوّال ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٠٧ - الجمعة ٢٩ مايو ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٦ شوّال ١٤٤١هـ

بريد القراء

النبلاء يرحلون

حامد عزت الصياد

الاثنين ٢٧ أبريل ٢٠٢٠ - 10:14

عزيـزي الدكتور عوض،

سامحنا يا أخي، إذا رُفعتْ الأقلامُ وجفت الصحف، فلا حول لنا ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

سامحنا إن رفعنا الكلفةَ في الحديثِ عنك مؤقتا، فما كان بيننا إلا فيضُ خواطر، تسيلُ أنهارًا في عروقنا، وتغمرُ خلايانا بالمودةِ والأنسِ والفرحة. 

سامحنا، فأنت أخٌ عزيز لم تلده أمي، مذ جمعتنا طائرةٌ واحدة قادمة من القاهرة، وهبطت بنا في البحرين معها أرواحُنا الهائمة عشقا فيها، وفي طيبةِ أهلها، وكرم ضيافتها، مزهرة الشوارع، ساحرة الابتسامة.

كنت زميلًا قديرًا، متمكنًا، صاحبناك في دراسةِ الدبلوم العالي في معهد الدراسات الإسلامية بمصر الجديدة في القاهرة، معهد الشيخ الباقوري بسفنكس سابقا، عليك والباقوري رحمات الله تعالى تتنزل. 

أنت في الشريعة الإسلامية، وأنا في الاقتصاد الإسلامي بعد حصولي بسنة واحدة على ليسانس الحقوق بجامعة المنصورة.

لم نفترق أبا سامح طوال ثلاثة عقود ونيف. 

رحم اللهُ أم سامح، مازلت أترنمُ بمرثيتك الطويلة لها «كأنها من المعلقات السبع» عند رحيلها، رابضة في ديوانك الشعري حين أهديته لي ودموعك تذرف أمامي لا تستطيع إخفاءَ ولعك بفراقها، رحمة الله عليها. 

مازلتُ أقرأ لك مرثيتك الرائعة في أخينا المرحوم «عزت» عند رحيله عن دنيانا الفانية.

كنتَ أحدَ الأعمدةِ الكبار لخيمته الثقافية والدعوية المحبة للخير مع علية القوم الكرام يا الغالي.

الأساتذة عبدالرحمن بن علي البنفلاح، والأستاذ يوسف الملا، والأديب الشاعر حمد محمد النعيمي، والشيخ نظام يعقوبي، والمرحوم جاسم الشيخ، ومحمد بوحاجية والأستاذة محمد العزب موسى، سيد حجر وسيد حجازي وعبده بشارة.. 

فضلا عن كوكبة طيبة من المحبين البحرينيين، وبعض ضيوف البحرين من العالم الإسلامي، والنخب الثقافية الصاعدة الواعدة، يلتفون من حولكم كجوهرة ينصع بريقها، وأنتم تتسامرون في قضايا دعوية، وتناقشون أمورًا ثقافية غاية في الأهمية، حتى تدق ساعةُ الرحيل بانتصافِ الليل كل جمعة. 

شغلتنا الدنيا عنك أبا سامح الحبيب.. فأزهرت سنواتُ عمرك إنتاجًا لا يناظره غزارة في إذاعة القرآن الكريم بالبحرين الحبيبة.. والتي التحقت بها مذيعًا بارعا، متألقا، متعاقدا من شقيقتها في مبنى ماسبيرو بالقاهرة.

لم أنس دعوتك لي بإعداد برنامج إذاعي تم بثه في الإذاعة البحرينية المباركة على مدى 90 حلقة، أنت تذيعه بصوتك الهادئ الحنون، المنساب كخرير ماء، وأنا الفقير لله، كنت «معدا» للبرنامج، اختلفت معك يومها في تسمية عنوانه..

فقلت لك يومها: نكتفي بـ«رجال صدقوا».. وأنت قلت: «لنقرأ الآية كاملة من النص». 

لكن أغرب ما لاحظته من نصائح أخي عوض، أن طرحت علينا هذا السؤال:

هل لديك الاستعداد للعمل مع الله فقط؟، قلت لك لا أفهم..!!، قلت لي: «إننا نعمل هنا ابتغاء مرضاة الله». قلت لك، فهمتك، لا تشغل بالك، لا أنتظر شيئا لله تعالى فيه مقابل، سأعمل معك متعاونا بلا مكافأة.

البرنامج مازلت محتفظا به كاملا حتى اليوم أستاذ عوض، مازلت أحتفظ بشرائط الكاسيت التي عفا عليها الزمنُ وزحف إليها غبارُ مكتبتي العتيقة، حين وسعني الجهد، لم أسجله من غرف الأستوديو في الإذاعة، بل قمت بتسجيله عبر أجهزة الراديو المتواضعة من البث المباشر بامتداد 90 يوما، يحالفني التوفيق بالتسجيل أحيانا، وأتعثر فيه بالإخفاق أحيانا أخرى، كانت مدةُ الحلقة الواحدة يومذاك، عشرين دقيقة مع «التمهيد والمقدمة»، التي كان يصدح بها أولا المذيعُ والإعلامي المتألق الأستاذ سعيد الحمد.

كتبه الله لي ولك ولسعيد قصورا في بلاد الأفراح بدرجات ومنازل، وأنهار على ضفافها يصدح الطير، وينبع الكوثر، وفاكهة كثيرة، وخيم من ياقوت، ولؤلؤ وزبرجد، وقصورا تتلألأ بالذهب الأصفر.

لم أنس رسائلك التي كنت أحملها عنك للأهل والإخوة في بلدتك الطيبة «شيبة والنكارية» خلف جامعة الزقازيق بمحافظة الشرقية. 

وتجشمك عناء سفرك إلى بلدك الثاني «ترعة الجديد» في المنصورة الحبيبة، حاملا رسائل أخي «عزت» إلى الأهل، فيستضيفونك فرحين بمقدمك.

أبا سامح العزيز، كنت بالأمس أنعي رحيل أخيك الحبيب «عزت» بذكرى وفاته في العشرين من أبريل الجاري، ولم أكن أعلم يا الحبيب، أنك مسجيُّ طريح الفراش، تنتظر أمر ربك، واستسلامك لقضائه وقدره سبحانه جل في علاه، لتكون ضيفا عليه مكرما فرحا مستبشرا سعيدا مطمئنا في بلادك الجديدة بحوله وقوته ومشيئته، فترفع لنا راية وداعك في هذا اليوم الخميس. 

هو نفس الخميس الذي رحل فيه أخيك «عزت»، وبفارق يومين بينكما في سنين الزمن، لكنه خميس واحد جمعكما الله فيه بالرحيل عن الدنيا، خميس مبارك، كما الجمعة مباركة، يبشر الله به عباده بالرضا والتجاوز، لمن يودع الدنيا إلى رحاب رحمته ومغفرته ورضوانه.

يا لحكمة الله البالغة في تدابيره وتصاريفه يا أخي !!

«عزت» رحل الخميس 20 أبريل، «وأنت»، رحلت الخميس 23 أبريل.. والفارق بينكما في الرحيل 31 سنة.

يا الله، يا الله، هذه الأقدار لن تمر علينا هكذا إلا لحكمة أنت تعلمها في علم الغيب عندك!

يا الله، يا الله، هذه الأقدار نطالعها كي نستلهم العبر ونفهم ما تحمله لنا الحياة من رسائل!

نعاك الناعون يا عوض الحبيب في البحرين الحبيبة، وهاأنذا أنعي روحي معهم بامتداد مساحة الكرة الأرضية.

يا لنا من ضيوف حقا، وذكريات جميلة، ونسمات باردة لطيفة، عابرة لجسور الدنيا، كما يعبر الطير مهاجرا إلى الجزر الدافئة !!.. 

رحلت عنا ولم نتمكن من مواساة أهلك وأولادك الأعزاء، وكريماتك الماجدات، بسبب جائحة «كورونا» الأليمة.

على رفوف مكتبتي تقبع أشعارك الحالمة كالديباج، الناعمة كالحرير، المزهرة كالسندس، لتنساب في لعاب الصباح، ومخادع الليل البهيم، حبا في الله عز وجل، والرجاء في وصاله، وتطلعك في رضاه، وكان هذا العمل عندك، هو أعز ما تملك وأسمى أمانيك.

لكن عزاءنا في القلب، أن يسكنك الله الفردوس الأعلى من الجنة.

خالص العزاء والمواساة نرفعها إلى أبنائك الأعزاء، وبناتك الكريمات..

إنا لله وإنا إليه راجعون. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news