العدد : ١٥٤٠٧ - الجمعة ٢٩ مايو ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٦ شوّال ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٠٧ - الجمعة ٢٩ مايو ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٦ شوّال ١٤٤١هـ

شرق و غرب

الصين والعالم ما بعد جائحة فيروس كورونا

الأحد ٢٦ أبريل ٢٠٢٠ - 10:33

بقلم: جون بول بتبيز

ظلت الولايات المتحدة الأمريكية على مدى العقود الماضية تصنع في الصين وتتزود منها بما يحتاج إليه سوقها الداخلية من منتجات. يبدو أن الأزمة الصحية الراهنة، الناجمة عن تفشي جائحة فيروس كورونا، قد تدفع بالساسة في واشنطن إلى إعادة النظر في خياراتهم الاقتصادية والتجارية، ومن بينها الصين. فهل ستحول الولايات المتحدة وجهتها إلى بعض الدول الأخرى كالمكسيك المجاورة لها على سبيل المثال أم هل تراها تتوجه إلى بعض دول جنوب شرق آسيا مثل فيتنام ومواجهة احتمال ارتفاع كلفة الإنتاج؟

اختارت الولايات المتحدة الأمريكية منذ بضعة عقود إنجاز بعض أنشطتها الاقتصادية والتجارية والصناعية من الباطن في الصين من أجل تصنيع منتجات بسيطة ومنخفضة الكلفة في البداية، مثل الملابس والأحذية قبل أن تقرر سلطات واشنطن توسيع التجربة على مدى العقود القليلة الماضية كي تشمل منتجات أكثر تعقيدا وتطورا مثل مكونات الحواسيب والسيارات والروبوت وغيرها. 

كان الأمريكيون يريدون بطبيعة الحال الاستفادة من اليد العاملة الصينية المنخفضة الكلفة والطيعة والعالية الإنتاجية ثم بدأت رؤوس الأموال والشركات الأمريكية بمختلف أحجامها تتدفق على الصين وتفتح لها فروعا ضخمة هناك وهي تصنع كميات كبيرة من المنتجات التي تزود الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من الأسواق الأخرى. سمحت هذه السياسة للولايات المتحدة الأمريكية بمواصلة النمو الاقتصادي دون استيراد التضخم فيما ظلت الصين تحصل أيضا على الدولارات في مقابل صادراتها كما سمح لها بشراء السندات من الخزينة الأمريكية. استطاعت الصين أن تطور قدرتها الصناعية والتقنية مما ساعدها على تحقيق طفرة اقتصادية وتجارية هائلة. 

جاءت الأزمة الصحية الراهنة الناجمة عن تفشي جائحة فيروس كورونا لتكشف النقاب عن اعتماد الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من الأسواق في العالم على المنتج الصيني، علما أن بكين لا تزال تحتفظ بسنداتها في الخزينة الأمريكية رغم أنها لم تعد في حاجة إليها. لعل هذا السبب هو الذي يفسر تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين في ظل الأوضاع الراهنة مما جعل واشنطن تلوح بالتزود من أماكن أخرى، وخاصة من فيتنام لأنها تدرك أن ذلك من شأنه أن يزعج الصين التي تدرك أيضا أنه لا بديل عنها نظرًا إلى ثقلها المالي والاقتصادي وتطورها الصناعي والتقني. خلاصة الأمر لن يكون من السهل على الولايات المتحدة الأمريكية إعادة التموقع والبحث عن بدائل أخرى كفيلة بأن تغنيها عن الصين.

في الحقيقة، فقد بدأت الشركات الأمريكية تغادر الصين تدريجيا. فهل تكون الولايات المتحدة الأمريكية الدولة الأولى في قائمة قد تضم عديد البلدان الأخرى التي كشفت أزمة تفشي جائحة فيروس كورونا مواطن الخلل في قدراتها الإنتاجية المحلية؟ هل يكون هذا الأمر أيضا بداية لمسار تفكيك العولمة الاقتصادية والتي نلحظ إرهاصاتها في الوقت الراهن؟ بعبارة أخرى هل تجهز جائحة كورونا على العولمة؟ 

بعيدا عن أي مبالغات يجب القول إن الصين لا تزال في حاجة كبيرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية التي تشتري منها بضائعها كما أن البلدين يعتمدان كثيرا على بعضهما البعض في ظل العولمة الاقتصادية التي تداخلت فيها المصالح وتشابكت المبادلات التجارية على عكس ما قد تظهره السياسة، ناهيك عن أن الصين تلبي جانبا كبيرا من الطلب الداخلي، هذا على الأقل على المدى القصير والمتوسط.

يجب تجنب الاستنتاجات السهلة أو التعجل في الإعلان عن نهاية عصر العولمة. فما سنشهده بعد نهاية أزمة تفشي جائحة فيروس كورونا لا يمثل نهاية لعصر العولمة بقدر ما سنشهد «إعادة عولمة» العلاقات الاقتصادية والتجارية والمالية بعد أن سقطت عدة مسلمات وتصدعت عدة علاقات وتحالفات، ذلك أن العلاقات بين الدول ستصبح أكثر تنافسية منها تكاملية، وخاصة ما بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين، أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم بلا منازع. 

إن أزمة تفشي جائحة فيروس كورونا لم تفجر أي صراعات ولم تشعل أي فتيل بقدر ما كشفت بعض الحقائق المهمة عن «التبعية» الاقتصادية والصناعية الأمريكية وطريق الحرير والأنشطة البحرية والعسكرية الصينية في بحر الصين. لقد أدركت الولايات المتحدة الأمريكية بلا شك الخطأ الاستراتيجي الذي ارتكبته من خلال السعي وراء العلاقات الثنائية فيما كانت الصين قد تحولت إلى قوة عظمى متعددة الأطراف تمد أذرعها في مختلف دول وقارات العالم. 

تظل الصين بلا شك مصدرا أساسيا لا غنى عنه لتزويد مختلف دول العالم بمنتجاتها المختلفة، وقد تجلى ذلك في تهافت البلدان الأخرى، بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي على شراء الكمامات وأجهزة التنفس والقفازات والبدلات الواقية وغيرها من المعدات الطبية والصحية الأخرى. هل تؤدي أزمة تفشي جائحة فيروس كورونا إلى ما يمكن أن نسميه «تأميم» الإنتاج الوطني للتخفيف من هذه التبعية للصين؟

أصبحت الصين تنافس على المراتب الأولى في الصواريخ والحواسيب والبحث العلمي، وخاصة البحوث الطبية، إلى جانب التصنيع والذكاء الاصطناعي، إضافة إلى غزو الفضاء. ففي كل سنة تخرج الصين من المهندسين أكثر من إجمالي عدد المهندسين في الولايات المتحدة الأمريكية. تتمثل الاستراتيجية الصينية المعلنة في تجاوز الولايات المتحدة الأمريكية كأكبر قوة اقتصادية في العالم. عندما نتصور أننا تخلصنا من التبعية وأننا أصبحنا قادرين على تحقيق الاكتفاء الذاتي من الكمامات وأجهزة التنفس والقفازات المطاطية فإن الصين ستكون قد نجحت في ابتكار الجيل السادس (G6). سنكون آنذاك قد اخترنا الهزيمة ونتحول بالتالي إلى مصنعين من الباطن للصين. 

الصين لا تنتج أجهزة التنفس الاصطناعي فقط، بل إنها تستطيع أيضا أن تقوم بالأجهزة المخبرية اللازمة لإجراء الفحوصات ذات العلاقة بفيروس كورونا. في فرنسا نحن لا نعرف كيف نصنع هذه الأدوات الطبية الضرورية. نعم هناك حروب اقتصادية ومالية ودبلوماسية بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية غير أن الحروب العلمية والتقنية هي أم المعارك وهي التي ستحدد مآل بقية الحروب الأخرى، والمتعلقة خاصة بمعالجة البيانات والتسليح والفضاء. لقد كشفت أزمة تفشي جائحة فيروس كورونا عيوبنا الكثيرة وما علينا إلا أن نستوعب الدرس وألا نغالط أنفسنا بعد اليوم. 

هناك بلدان كثيرة، من بينها فرنسا وهولندا وبلجيكا، قررت إعادة مئات الآلاف من الكمامات وأدوات الفحوصات الطبية المستوردة من الصين والتي لم تتوافر فيها شروط الجودة. هل يشجعنا هذا العامل على التخلص مستقبلا من تبعيتنا للصين؟ 

يجب على الدول أن تدرك أن التنافس العالمي لم يتعلق بالأسعار بقدر ما يتعلق بالجودة. فالكمامات الصينية، على السبيل المثال، لا تتوافر فيها بعضها شروط الجودة لأنها مصنعة على عجل. يصعب علينا الاستغناء عن الصين مثلما يصعب علينا الاستغناء عن الولايات المتحدة الأمريكية وذلك ما لم نضع برنامجا أوروبيا صلبا، شاملا ومتكاملا يأخذ في الاعتبار الرهانات الجيو-سياسية والاستراتيجية الحالية والمستقبلية في إفريقيا. في الوقت الراهن انصرفت كل دولة عضوة في الاتحاد الأوروبي إلى مسائلها الخاصة بحساباتها المالية وبميزانياتها. لا شيء سيكون سريعا أو سهلا، ذلك أن مختلف دول العالم، وفي مقدمتها القوى العظمى، ستسعى بعد نهاية أزمة تفشي جائحة كورونا إلى مراجعة سياساتها الصحية وغيرها والخروج باستنتاجات ستحدد مستقبلها. 

إذا قررت الولايات المتحدة الأمريكية ما بعد هذه الأزمة تكثيف الإنتاج على أراضيها أو في المكسيك المجاورة، إذا قررت الدول الأوروبية تركيز إنتاجها داخل حدود الاتحاد الوطني أو داخل كل دولة، فكيف سينعكس ذلك على الصين وبقية الدول الأخرى المعنية؟

ستشهد فترة ما بعد أزمة تفشي جائحة فيروس كورونا إعادة بناء السياسات وإعادة تنظيم الشركات وتبسيط سلاسل الإنتاج مع إضافة البعد البيئي والايكولوجي وفرض ضريبة على الكربون كما سنصبح قادرين ما بعد هذه الأزمة على الاعتماد أكثر من ذي قبل على العمل عن بعد كما سيكون هناك عدد أكبر من الروبوتات التي ستكون المنتصرة في المستقبل. لقد قطعت الصين والولايات المتحدة الأمريكية واليابان أشواطا كبيرة في الاعتماد على الروبوت في مختلف المجالات نظرًا إلى كثرة شريحة كبار السن من سكانها. فماذا نحن فاعلون في مجال الذكاء الصناعي الذي سيكون من أكبر تحديات ورهانات المستقبل؟

 

أتلنتكو

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news