العدد : ١٥٤١٥ - السبت ٠٦ يونيو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٤ شوّال ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤١٥ - السبت ٠٦ يونيو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٤ شوّال ١٤٤١هـ

الاسلامي

المنهج النبوي في القيادة والإدارة
القيادة.. ما القيادة؟

الجمعة ٢٤ أبريل ٢٠٢٠ - 02:00

بقلم: د. زكريا خنجي

منذُ فجرِ التاريخ، وعندما كان الإنسانُ يعيش في مجموعاتٍ بشرية متناثرة في الكرةِ الأرضية وفي الأوديةِ والشعاب والسهول، كان هناك دائمًا إنسانٌ واحد، وفي النادر جدًا مجموعةٌ من الرجال، يقود مجموعة من البشر، يراعي مصالحهم ويهتم بأمر كل فردٍ من أفراد القبيلة أو المجموعة البشرية، كان هذا الرجلُ يحظى بالمنزلة العليا في المجتمع الذي يعيش فيه؛ لأنه ينظم حياتهم في الصيد أو في الزراعة أو الصناعة –وذلك حسب المجتمع الذي يعيشون فيه – ويهتم بتوفير كل سبل الراحة التي كانت متوافرة آنذاك لأفراد القبيلة، كما أنه يحل مشاكلهم الفردية أو الجماعية، بمعنى أن هذا الرجل كان يدير القبيلة، وكان أفراد القبيلة ينصاعون لأمره وينفذونها بأكبر قدرٍ من الاهتمام والدقة. هذا الشخص كان عادة يلقب بالقائد، فماذا يعني القائد وماذا تعني القيادة؟

ولعل من التعريفات التي تُذكر للقيادة تعريف «وليام كوهين» في كتابه فن القيادة «2001» حين يقول: «القيادة هي فن التأثير على الآخرين لبذل أقصى ما في وسعهم لتنفيذ أي مهمة أو هدف أو مشروع»، بل إن أمر القيادة يتعدى التأثير بالناس لتحقيق بعض المهام وإنجاز الأهداف، إلى أنه يستطيع أن يستحث الناس على فعل أمورٍ كانت في مخيلتهم أنها أمورٌ مستحيلة التحقيق.

وفي لسان العرب لابن منظور «الجزء 3» فإن كلمة القيادة (أي قود) تعني نقيض السَوْق، إذ يُقال: يقود الدابة من أمامها ويسوقها من خلفها، وفي ذلك المعنى إشارة إلى أن مكان القائد هو في المقدمة، ليكون دليلا لأتباعه على الخير ومرشدًا لهم إلى ما فيه صلاحهم؛ ولذلك كان هناك قول مأثور يقول: «إن كنت إمامي؛ فكن أمامي».

وتعرف القيادة أيضًا على أنها هي عملية تحريك الناس نحو الهدف، فيتضح لنا من خلال كل تلك التعريفات أن للقيادة ثلاثةَ عناصر رئيسية هي:

1-  وجود الأهداف التي تذكي الهمم وتفجر الطاقات والإمكانات.

2-  وجود مجموعة من الأفراد تحدوهم الآمال للوصول إلى تلك الأهداف.

3-  وجود قائد يجعل من تلك الآمال في الوصول إلى الأهداف حقيقة واقعة متحققة.

ومن خلال العديد من التعريفات التي استقيناها من المراجع والأدبيات، يتضح إجماع الآراء على أن القيادة: «هي فن التأثير في الأشخاص، وتوجيههم بطريقة صحيحة، يتسنى معها كسب طاعتهم واحترامهم وولائهم وتعاونهم، في سبيل تحقيق هدف مشترك». ومن هذا التعريف، يتبين أن القيادة، لا تقوم إلاّ إذا وُجِدَ من يَقُوْد «أي القائد»، ومن يُقَادُونْ «أي التابعون»، ووجود «هدف مشترك» مطلوب تحقيقه.

ولنعد إلى اختيار شخص واحد ليقود مجموعات من البشر، وهو الموضوع الذي طرحناه في بداية المقال، نقول إن هذا السلوك، أي أن يقوم شخص بقيادة مجموعة من الأفراد، حيَّر علماء علم الإنسان «الأنثروبولوجيا»، وهذه الحيرة قادتهم إلى وضع مجموعة كبيرة من الأسئلة، مثل: لماذا هذا الشخص بالتحديد؟ بمعنى آخر لماذا رضي أفراد القبيلة أن يقودهم هذا الشخص بالتحديد ويهتم بمصالحهم ويتفقد شؤونهم؟ لماذا وافق أفراد هذه القبيلة على الرغم من وجود من هم أعلم منه وأكبر سنًا منه أن يكونوا أتباعا لهذا الشخص؟ هل هذا الشخص ورث قيادة القبيلة من والده وبالتالي أصبحوا مجبرين عليه أم وقع عليه الاختيار من قبل أفراد القبيلة ليقوم بهذه المهمة؟ لماذا وافق هو أن يكون قائدًا للمجموعة أو القبيلة التي يعيش فيها ويتكبد العناء والجهد؟ 

وربما أسئلة كثيرة من تلك النوعية من الأسئلة التي تبدأ بـ(لماذا؟)، و(هل؟) ولكن كان السؤال المحير هو لماذا هذا الشخص بالتحديد؟ كيف أقنعهم؟ وكيف استمالهم؟ ولماذا رضوا به؟

ربما هذه الأسئلة قادتهم إلى تأكيد أن القيادة يمكن أن تكون موروثة، بمعنى أن يرثها الإنسان مع جيناته، منذ الطفولة المبكرة، وكان من أكثر الأمثلة وضوحًا (جان دارك، أوليفر كرومويل، مارتن لوثر كينج، جنكيز خان، ستالين وهتلر وغيرهم)، ولكن عندما غدت هذه الفكرة مقبولة إلى درجة ما برزت للعلماء معضلة أخلاقية خطيرة، وهي ماذا عن قادة العصابات، وماذا عن كل هؤلاء القادة الذين قتلوا الملايين من البشر؟ هل هم ضحايا جيناتهم؟ 

فإن كان هؤلاء ضحايا جيناتهم فأين تقبع حرية الاختيار؟ والاختيار يعني بوضوح ممارسة الإرادة الحرة أو الاختيار الواعي، في مقابل الحتمية الموروثة من الجينات. 

فإن كانت تصرفات هؤلاء القادة – المجرمين والذين أبادوا أعداد مهولة من البشر – محكومة بجيناتهم البيولوجية، فإن ذلك ينفي مسؤولياتهم الفردية عن كل ما ارتكبوه ضد البشرية.

وعندما بلغ تفكير العلماء هذا الحد، انقسم العلماء إلى قسم آخر، فذهب عدد كبير منهم إلى أن القيادة ربما تكون (مكتسبة)، وذلك بفعل البيئة التي يعيشون فيها، وربما بفعل التعليم والتدريب وما إلى ذلك، ولكن حتى هذه الفكرة واجهت الكثير من الاعتراضات، وربما من أهم تلك الاعتراضات هو: هل يمكن أن نحول شخصا لا يملك أي قدرة أو موهبة أو حتى رغبة في القيادة إلى قائد يمكن أن يقود مجموعة من البشر؟ لذلك واجهت هذه الفكرة أيضًا الكثير من الاعتراضات والرفض.

لنحاول أن نجيب على هذه الأسئلة غدًا إن شاء الله.

Zkhunji@hotmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news