العدد : ١٥٤٤٢ - الجمعة ٠٣ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٢ ذو القعدة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٤٢ - الجمعة ٠٣ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٢ ذو القعدة ١٤٤١هـ

عالم يتغير

فوزية رشيد

رمضان الخير في زمن كورونا

‭{‬ لا أعتقد أنه طوال أجيال متلاحقة شهد العالم الإسلامي الشهر الفضيل، وهو محروم من كثير مما اعتاده في هذا الشهر من ارتياد المساجد بكثافة ما بين تراويح وقيام، ومن مظاهر وعادات اكتسبتها الشعوب عبر القرون، احتفاء بهذا الشهر، وأهمها العمرة إلى بيت الله والتجمعات العائلية والزيارات والمجالس و«الغبقات»، وغيرها من التجمعات في المقاهي والخيام وتوزيع الأكل في الفطور على التجمعات العمالية الفقيرة.

‭{‬ لطالما انتقد الكثيرون تحويل هذا الشهر إلى غير غاياته الأصلية في العبادات والتأمل والتقشف والقرب إلى الله، حتى جاء «كورونا» وزمنه وما فرضه من متغيرات طالت جميع أوجه الحياة، وجعلت «العزلة البيتية» إجراءً احترازيا لمواجهة الوباء، فالتجمعات الكثيفة محظورة، والمساجد مغلقة، وبيت الله الحرام لن يشهد هذا «الرمضان» كثافة مليونية، سواء في العمرة أو ربما حتى الحج! ومجالات الخروج محدودة، (ولكن بالمقابل كل شيء متاح لإعادة برمجة التكيّف مع الحياة، بإعطاء هذا الشهر الفضيل حقّه من العبادات والطاعات) والعودة إلى جوهره في تلك العبادات، والاشتغال على النفس والروح التي سرقها بهرج الحياة الخارجية والمادية، لتعتاد هذه الروح مجدداً معرفة الأسس الصحيحة لدين الإسلام القويم، والغاية من الصيام، ولتنهل من بركات هذا الشهر بزيادة العبادات والدعاء إلى الله، و«لتلتمّ» الأسر على نفسها، وتتأمل مجريات الحياة التي استطاع «فيروس غير مرئي» أن يوقف عجلتها المعتادة، وليعود الإنسان وجهاً لوجه مع الغاية التي خلق من أجلها، وليتعرّف سنن الله في الحياة، وليرى جبروت الخالق، ويرى في الوقت ذاته إبداعه وكرمه وعطاياه، في كل ما أنعم به عليه، وكان الإنسان يظنها أموراً اعتيادية أو روتينية، لم يدرك قيمتها العظيمة كنعم إلا حين دخل مرحلة الحرمان منها!

‭{‬ التجمعات نعمة، والمصافحة نعمة، وضم الوالدين والأولاد والإخوة نعمة، والعمل في جو طبيعي نعمة، وشرب القهوة في مقهى مفضّل وسط آخرين نعمة، والتواصل الطبيعي مع الأهل والأصدقاء نعمة، وحضور المناسبات والأفراح نعمة، والمشاركة في عزاء الأحباب والأهل نعمة، وما أكثر وأعظم النعم التي حرم «كورونا» الناس منها، ليجعلهم بحكمة إلهية يقفون متأملين كل تلك النعم، التي لم يكونوا يشعرون بجماليتها وقيمتها، بل ربما يشكو البعض من التزاماتها، فإذا به اليوم يتمنى عودة تلك الحياة الطبيعية التي كان يعيشها وكان يتذمر منها!

‭{‬ رمضان هذا العام فرصة ذهبية لإعادة التفكير في كل شيء، ولإدراك مغزى الحياة، والتفكر في النعم التي أسبغها الله على خلقه، والتأمل في سبب وجوده كإنسان في هذا المختبر الحياتي، وليعيد البعيدون عن الله صلتهم به، فهو شهر يأتي هذه المرة، من دون زخرف الخارج وملهياته، ومن دون تحويله إلى كرنفال وخيم تسلية! هذا العام يريدنا أن نعيش رمضان كما لم نعشه قط! أن ندرك بعمق أن غايته التوجه إلى الله ولا شيء غيره، ووسيلته الصبر على المكاره والدعاء لاجتياز المحنة، وتقدير كل العطايا الإلهية التي لم يكن يدرك قيمتها. رمضان شهر الخير والخير منه وفيه.. أعاده الله علينا ونحن في صحة وعافية وكل عام وأنتم والعالم بخير.

إقرأ أيضا لـ"فوزية رشيد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news