العدد : ١٦٣٨٤ - الثلاثاء ٣١ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٩ رجب ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣٨٤ - الثلاثاء ٣١ يناير ٢٠٢٣ م، الموافق ٠٩ رجب ١٤٤٤هـ

مقالات

المال لا يشتري كل شيء

بقلم: د. جعفر الصائغ

الثلاثاء ٢١ أبريل ٢٠٢٠ - 02:00

مهما بلغت أهميته وحجمه ودوره في نمو وتطور حياتنا المعيشية فإن المال لا يمكن أن يشتري لصاحبه كل شيء، فهناك أشياء بسيطة ليس لها قيمة مادية قد لا يستطيع المال شراءها. إن أغلى الأمور وأهمها للإنسان هي تلك التي لا تثمن قيمتها بمبلغ مادي ولا تباع في الأسواق، ولا يمكن الحصول عليها بالمال، ولو دفعنا كل ما نملك من مال وذهب وفضة. فهذه الأمور هي أهم وأعظم في الحياة من كل السلع والخدمات والتي تعتبر أرخص الأمور حيث يمكن شراؤها بالمال ومتوافرة في الأسواق ليشتريها الفقير والغني.

فعلى سبيل المثال الصحة والعافية والسعادة والأمان وراحة البال والقناعة والنزاهة والأخلاق والحب. كل هذه الأمور تعجز عن شرائها ملايين الدولارات لأنها ليست سلعاً تعرض في الأسواق تباع وتشترى ليقوم بشرائها الأثرياء، ويعجز عن شرائها الفقراء. كم من سلطان وثري ودول عظمى عبر التاريخ حاولوا بثرواتهم الطائلة شراء مثل هذه الأمور وفشلوا، لأنها هبات عظيمة لا تقدر بثمن وليس لها تجارة وقد يحصل عليها الأثرياء والفقراء.

الملياردير البرتغالي انطونيو بييرا رئيس بنك سانتاندير بالبرتغال توفي قبل أسبوع بسبب عدوى فيروس كورونا الذي أصاب رئتيه ومنع عنه الأكسجين، فكتبت ابنته في إحدى وسائل التواصل الاجتماعي: «نحن عائلة ثرية لكن والدي توفي وحيدا ومختنقا يبحث عن شيء مجاني هو الهواء. المال بقي في المنزل». كان بييرا يحتاج فقط ليعيش إلى الهواء الذي ليس له قيمة ولا يباع في الأسواق. وبالرغم من أن الهواء كان يملأ الغرفة التي مات فيها فإنه لم يكن قادراً على الحصول عليه، فلم تسعفه ثروته الهائلة ولم يكن قادرًا حتى على توديع عائلته، فأنهى حياته داخل مستشفى كاري كابرال بالبرتغال وحيداً، مخلفا ثروة قادرة على شراء المستشفى الذي مات فيه بمعداته وأطبائه.

هناك الكثير من الفقراء والمساكين ضعفاء مادياً إلا أنهم يملكون أموراً لا يملكها كثير من الأثرياء، فهم من أكثر الناس صحة وعافية وسعادة وعفة ومكانة اجتماعية، كما أن هناك أغنياء من أصحاب الأموال الطائلة لا يستطيعون تملك مثل هذه الأمور ولهذا فهم من أكثر الناس أمراضاً وسقماً وتعاسة. كريستين أوناسيس لم تستطع ثروتها الهائلة أن تحقق لها أبسط معاني السعادة وراحة البال والطمأنينة فقررت الانتحار لتبحث عن هذه الأمور في عالم آخر.

مايكل جاكسون أسطورة البوب الأمريكي والملياردير الفنان الأكثر شهرة في العالم والأكثر ثراء، الملايين من الناس في جميع أنحاء العالم كانت تحلم بالاقتراب منه، لم تمنعه ثروته الطائلة من العيش في وحدة خانقة، واكتئاب مزمن، كان يبحث عن السعادة في كل مكان ولم يجدها إلى أن مات في النهاية وحيدا بعيدا عن أهله وأصدقائه ومعجبيه. الممثل والمليونير روبين وليامس وجد في بيته وحيدا ومشنوقا منتحرا بعد رحلة اكتئاب شديدة، إذ عاش فترات من حياته في عزلة حتى عن أقرب الناس إليه.

الولايات المتحدة الأمريكية بعظمتها الاقتصادية والعسكرية وبإجمالي ناتجها المحلي وهو الأعلى في العالم والذي يبلغ أكثر من 20 تريليون دولار، عاجزة إلى الآن عن إلحاق الهزيمة بفيروس كورونا وهو كائن صغير لا يرى بالعين المجردة، لم تنفعها ثروتها المالية الضخمة ولا ابتكاراتها وشركاتها العملاقة ولا قوتها العسكرية. وقفت ساكنة حائرة أمام ما يفعله فيروس كورونا من انتهاكات وقتل في شعبها.

نعم نستطيع بالمال أن نشتري المنزل والقصور الفارهة ولكن بالتأكيد لا نستطيع أن نشتري العائلة والأمان والسعادة والنوم، ونستطيع أن نشتري المنصب الإداري المرموق كرئيس ووزير ومدير وعقيد ولكن لا نستطيع أن نشتري الاحترام والنزاهة، كما نستطيع شراء الكتب والمجلدات ولكن لا نستطيع أن نشتري الثقافة والمعرفة والإبداع.

كشفت دراسة أعدت مؤخرا أن عددا كبيرا من أثرياء العالم لم يحقق لهم الثراء الهائل السعادة وراحة البال فكانت نهايتهم الانتحار بحثاً عن السعادة التي يفتقدونها. وفي دراسة أخرى لكلية بوسطن بعنوان «المخاوف السرية لأكثر الأغنياء ثراء» أشارت إلى أن «الناس الذين يملكون ثروات تزيد على 25 مليون دولار يتحدثون بصراحة عن حياتهم ويشعرون بالقلق والعزلة والخوف على عملهم وممتلكاتهم وأطفالهم.

حكمة لا أعرف قائلها تقول إن المليونير هو رجل يساعد موته على حلّ أزمة الكثير من أقاربه.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

//