العدد : ١٥٤٥٣ - الثلاثاء ١٤ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٣ ذو القعدة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٥٣ - الثلاثاء ١٤ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٣ ذو القعدة ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

تأثير أزمة كورونا على واقع ومستقبل الأمن الإقليمي

بقلم: د. أشرف محمد كشك {

الاثنين ٢٠ أبريل ٢٠٢٠ - 02:00

لا شك أن أزمة كورونا الشاملة وغير المسبوقة سوف ترتب العديد من الآثار البعيدة المدى ليس فقط على الدول ومؤسساتها المختلفة، بل على واقع العلاقات الدولية، وقد يكون من المبكر الحديث عن منظومة دولية جديدة في أعقاب كورونا، إلا أن ذلك لا يعني أنه لا توجد تأثيرات حالية وبعيدة المدى على الأمن الإقليمي عموماً، ويقصد به منظمات الأمن الإقليمي ومنظومة ذلك الأمن التي تتضمن الصراعات الإقليمية الراهنة وخاصة في كل من سوريا واليمن والحرب على الإرهاب.

ومع التسليم بتداعيات تلك الأزمة فإن ذلك لا يعني أن جميعها ستكون سلبية بالنسبة للأمن الإقليمي بل إنها قد عكست مؤشرات سوف تنعكس بشكل إيجابي على منظومة ذلك الأمن وهذا هو مجال هذا المقال.

تتعدد الجوانب الإيجابية لتلك الأزمة على الأمن الإقليمي أولها: أجمعت كافة نظريات الأمن الإقليمي على أن منظومة الأمن الإقليمي الناجحة هي حصيلة وحدات «دول» تتمتع بمقومات ومؤشرات للقوة، وأتصور أن أزمة كورونا قد عززت الثقة في الحكومات الوطنية والدولة كفاعل في التصدي لمثل تلك الأزمات في ظل عجز الأطر الدولية عن إدارة تلك الأزمة، وهو ما يعزز ليس فقط عمل تنظيمات الأمن الإقليمي بل إحياء التعاون الإقليمي مجدداً في ظل بروز تحديات لا يمكن مواجهتها إلا من خلال التعاون الإقليمي ليس أقلها تأمين المخزون الاستراتيجي من الغذاء والسلع الأساسية، ثانيها: ربما ساد تصور لعقود مفاده أن هناك تنافسا بين الأمن الإقليمي ونظيره العالمي وهو ما برز خلال تنافس الأطر المقترحة لمواجهة التحديات المشتركة -منها ظاهرة الإرهاب- وقد يكون لهذا التصور ما يبرره، إلا أن أزمة كورونا قد أكدت التكامل بين المفهومين، ولعل تسيير طائرات محملة بالمواد الطبية من الدول العربية -منها مصر والسعودية والإمارات- لبعض الدول الأوروبية يؤكد هذا الأمر. ثالثها: كانت أزمة كورونا دافعاً لتهدئة بعض الصراعات الإقليمية، فبالإضافة إلى وقف الاحتجاجات في كل من العراق ولبنان والجزائر، فقد أعلن التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن في التاسع من ابريل 2020 وقف إطلاق النار في اليمن مدة أسبوعين، ووفقاً لبيان التحالف فإن ذلك بهدف «تشجيع الحوثيين على دخول محادثات سلام برعاية أممية ومنع انتشار فيروس كورونا المستجد».

وإذا كانت أزمة كورونا قد أعادت الاعتبار-ولو بشكل نسبي- لمستوى الأمن الإقليمي فإنها في الوقت ذاته أوجدت تحديات لهذا الأمن، أولها: ما يتردد بشأن إمكانية وجود فراغ أمني في بعض مناطق الصراع، من ذلك إعلان التحالف الدولي ضد تنظيم داعش بقيادة الولايات المتحدة سحب قواته التدريبية من العراق بعد تعليق برنامج تدريب قوات الأمن العراقية. صحيح أن حلف الناتو أبدى استعداده للقيام بتلك المهمة إلا أن مخاطر تفشي الوباء تظل عائقاً أمام ذلك الأمر، ولا شك أن إيقاف تلك البرامج سيكون رسالة إلى التنظيمات الإرهابية للنشاط مجدداً في كل من سوريا والعراق في محاولة لاستغلال انشغال الدول بمواجهة ذلك الوباء، ومن ذلك تمكن تنظيم داعش من السيطرة على الطابق الأرضي في سجن الحسكة بسوريا وتهريب عدد كبير من سجناء التنظيم من ذلك السجن، ثانيها: زيادة حدة التدخلات الإيرانية في الأزمات الإقليمية، وقد لوحظ محاولة إيران تسييس أزمة كورونا بالترويج لخطاب مؤداه أنه من بين معوقات مواجهة الفيروس العقوبات المفروضة عليها من جانب الدول الغربية، وهو الخطاب الذي وجد طريقه نحو المنظمة الأممية من خلال قيادة روسيا حملة مع الصين داخل أروقة الأمم المتحدة لرفع العقوبات الأوروبية والأمريكية المفروضة على عدد من الدول، وهي سوريا وفنزويلا وكوريا الشمالية وكوبا وإيران ونيكاراجوا، من خلال خطاب موقع من الدول الثماني موجه إلى الأمين العام للأمم المتحدة بدعوى «تمكين تلك الدول من مواجهة وباء كورونا»، فضلاً عن زيادة وتيرة الاعتداء على القوات الأمريكية في العراق من جانب المليشيات المدعومة من إيران، بالإضافة إلى تهديد إيران بأن الخطوة الثالثة بتخفيض التزاماتها في الاتفاق النووي أضحت «مصممة وجاهزة للتنفيذ»، وذلك إذا ما أخفقت المفاوضات مع الدول الأوروبية بشأن التزاماتها تجاه إيران بمقتضى الاتفاق -على حد وصف البيان الإيراني- وجميعها مؤشرات تعكس سعي إيران لتوظيف تلك الأزمة على نحو يعزز تدخلاتها الإقليمية.. وقد كان التصعيد الإيراني في اليمن من خلال دعم المليشيات الحوثية مؤشراً واضحاً على ذلك، ثالثها: أن الخطر الأكبر الذي يتهدد منظومة الأمن الإقليمي برأيي يكمن في انتشار الوباء في مناطق الصراعات التي أقل ما يوصف به قطاعها الصحي أنه «متهالك»، حيث تشير المصادر -حتى كتابة هذه السطور- إلى اكتشاف حالة إصابة مؤكدة في محافظة حضرموت اليمنية بما يعني أن تلك المناطق ستصبح بيئة ملائمة لنمو التنظيمات الإرهابية مجدداً والتي تجد ملاذاً آمناً لها في مثل تلك الظروف في محاولة لاستغلال حاجة الأفراد للمساعدة وهو أمر سوف يضع الأمن الإقليمي بل والأمن العالمي أمام تحدّ جديد.

ومع التسليم بما سبق فإن التساؤل هو: ما مستقبل الأمن الإقليمي في ظل استمرار تلك الأزمة وتداعياتها؟ وفي تصوري أن الأزمة سيكون لها تأثير مستقبلي على الأمن الإقليمي من نواح ثلاث الأولى: إعادة ترسيم الحدود الفاصلة بين مستويي الأمن العالمي والأمن الإقليمي ولا يعني ذلك من منظور الصراع أو التنافس بل إعادة تسليط الضوء على مستوى الأمن الإقليمي وأهميته كإطار لمواجهة أزمات من هذا النوع في ظل غياب الإطار الدولي بالنظر إلى كون الأزمة ليس أمنية بالمعنى التقليدي البحت، وهو أمر يمكن استثماره سواء من خلال تطوير أطر الأمن الإقليمي الحالية أو التفكير في وسائل تعاون إقليمي لتبادل السلع والاحتياجات الأساسية خلال الأزمات، والثاني: أن نجاح الدول الخليجية والعربية في مواجهة ذلك الوباء سوف يعزز دور الدولة الوطنية وهو ما يدعم بدوره منظومة الأمن الإقليمي بغضّ النظر عن أطرها الحالية والمستقبلية باعتبار أن الأمن الإقليمي هو حاصل جمع وحدات تتسم بالقوة والفاعلية، والثالث: أن انشغال القوى الكبرى بمواجهة هذا الوباء وما قد يترتب على ذلك من الحد من قدرتها على الاستمرار في مواجهة تهديدات الأمن الإقليمي بنفس الوتيرة -وفي مقدمتها الإرهاب- يعني تفعيل الآليات الإقليمية التي تم تأسيسها لهذا الغرض أو استحداث آليات تعنى بالأزمات وإدارتها مستقبلاً.

وخلاصة القول أن تلك الأزمة لا تعني تغيير العالم بين عشية وضحاها، إلا أنها أوجدت فرصاً وتحديات للدول ولتنظيمات الأمن الإقليمي التي حتماً سوف تعيد النظر ليس فقط في آليات عملها بل دورها الإقليمي عموماً وخلال الأزمات على نحو خاص. 

‭{‬ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية بمركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة «دراسات»

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news