العدد : ١٥٤٠٧ - الجمعة ٢٩ مايو ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٦ شوّال ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٠٧ - الجمعة ٢٩ مايو ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٦ شوّال ١٤٤١هـ

شرق و غرب

حظوظ الرئيس ترامب في الفوز كبيرة رغم أزمة كورونا

بقلم: راني هاليفي

السبت ١٨ أبريل ٢٠٢٠ - 02:00

 

لا شيء يؤكد أن الأزمة الصحية الراهنة والناجمة عن تفشي جائحة فيروس كورونا (كوفيد-19) ستكلف الرئيس دونالد ترامب غاليا على الصعيد السياسي وتعجل بالتالي برحيله من البيت الأبيض بعد خسارته التي يأملها البعض في الانتخابات المزمع إجراؤها في شهر نوفمبر القادم. 

في الحقيقة، لم يكن الرئيس ترامب سباقا في التعامل مع هذه الأزمة الصحية الخطيرة ولم يسارع لاتخاذ أي إجراءات احترازية ووقائية سباقة للحيلولة دون تفشي هذا الفيروس الخطير في مختلف أرجاء الولايات المتحدة الأمريكية غير أنه من التهافت السياسي القول بأنه سيدفع الثمن ويتكبد الهزيمة في الانتخابات الرئاسية في شهر نوفمبر القادم. 

الأزمات الكبيرة التي تظهر معدن الإنسان وطبيعة المجتمعات التي تعاني منها، بل إن هذه الأزمة الراهنة الناجمة عن تفشي جائحة فيروس كورونا، وعلى عكس الكثير من الأزمات التي مرت بها الإنسانية على مر تاريخها، لها خاصية إضافية تكاد تتفرد بها وهي أنها تحرم أبناء البشر من التعرف على وجه عدوها. فالبشرية تخوض اليوم في خضم هذه الأزمة الصحية الخطيرة حربا بلا جنود أو جيوش أو حدود جغرافية تجعلنا نقيس الواقع ونحاول أن نحاصره ونتحايل عليه من دون أي هامش للوهم ومن دون أي إمكانية لترتيب خياراتنا أو أولياتنا لأن الأمر يتعلق بحياة الانسان التي يقال إنها لا تقدر بثمن في هذه المعادلة. 

إن هذه الأزمة الصحية التي وضعت الجميع أمام غد مجهول باتت تحتم على الجميع التوقف عن حروبنا السياسية والآيديولوجية والتفكير في سبل الخروج من هذا الوضع الذي تزهق فيها الأرواح ويعلن فيه عن إصابات جديدة بالعدو بعشرات الآلاف، والتفكير من الآن في بناء عالم ما بعد تفشي جائحة فيروس كورونا والذي لم يفرق ما بين الأديان أو الأعراق أو مؤشرات التقدم السياسي والاقتصادي والاجتماعي. لعل ما يثلج الصدر وسط هذه الأوضاع الخطيرة والآفاق المستقبلية القاتمة أن الحقيقة قد استردت اعتبارها. 

لم تستثن هذه الجائحة أيضا رجال السياسة الذين ضلوا الحقيقة لخدمة أغراضهم وأهدافهم. فالرئيس البرازيلي على سبيل المثال بولنسارو ظل في البداية ينكر خطورة جائحة فيروس كورونا بل ويشجع أبناء شعبه على تجاهل إجراءات الحجر الصحي العالمي التي طبقتها حكومته قبل أن يتراجع عن ذلك عبر حسابه على تويتر. أما رئيس الوزراء البريطاني الذي أصيب هو وخطيبته الحامل بالفيروس فقد اكتشف الهوة الكبيرة التي تفصل ما بين فن كسب الرأي العام من ناحية وتحدي ممارسة الحكم من ناحية ثانية. 

أما الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فقد ظل يتناقض كدأبه دائما ويستهدف نفس الأعداء المألوفين مثل وسائل الإعلام والديمقراطيين وخصومه المحتملين في الانتخابات الرئاسية القادمة. ففي البداية تجاهل الرئيس ترامب تحذيرات أجهزة المخابرات من احتمال وصول جائحة كوفيد-19 إلى الولايات المتحدة الأمريكية. فقد خاطب الشعب الأمريكي وقال لهم إن كل شيء سيكون على ما يرام ويتوقع أن يزول الفيروس بحلول فصل الربيع دون أن ينسى أن يوجه التهنئة إلى الرئيس الصيني لأنه نجح في احتواء تفشي الجائحة الفيروسية. 

قبل شهر كان الرئيس ترامب يقلل من خطورة كوفيد-19 وكأنه لا يستحق العناء ويسخر من وزير الصحة في الإدارة الأمريكية ويندد بالهستيريا الكبيرة التي يتخبط فيها أولئك الذين يوجهون له الانتقادات اللاذعة. لم يكد يمر أسبوعان حتى وقف الرئيس ترامب يخاطب الأمريكيين ويقول لهم: «لقد كنت أعلم منذ مدة طويلة أن الأمر يتعلق بجائحة فيروسية» قبل أن يوجه انتقادات إلى السلطات الصينية ويتهمها بانعدام المسؤولية. 

تحول الرئيس ترامب إلى «زعيم حربي» في مكافحة جائحة كورونا غير أنه أعلن بالمقابل أنه كان ينوي رفع إجراءات الحجر الصحي التي فرضها حكام الولايات وذلك بحلول عيد الفصح قائلا: «سيكون من الرائع أن نرى الكنائس وهي مكتظة بالناس» – أثار هذا الكلام سخط ورعب الخبراء والمختصين لأن الفيروس يزداد توسعا في مختلف أرجاء الولايات المتحدة الأمريكية ويسقط في طريقه المزيد من الضحايا، فضلا عن الإصابات بالآلاف. اضطر الرئيس ترامب إلى التراجع ومراجعة مواقفه مرة أخرى – كل ذلك باسم «السياسة فن الممكن».

في الحقيقة، فإن مواقف الرئيس ترامب، سواء فيما يتعلق بجائحة كوفيد-19 أو بغيرها من المسائل الأخرى، إنما تنطلق من اعتبارات سياسية وحسابات انتخابات لا تخطئها عين. فهو يقول إنه لا يمكن أن نحكم على بلاد بحجم الولايات المتحدة بالشلل لعدة أسابيع – وهو محق في ذلك. فعشرات آلاف الناس يموتون كل سنة في الولايات المتحدة الأمريكية سواء جراء إصابتهم بالزكام الحاد أو في حوادث الطرقات أو حوادث إطلاق النار. 

يعتبر الرئيس ترامب أنه إذا ما تواصل الحجر الصحي العام مدة أخرى طويلة فإنه سيوقع أيضا ضحايا وسيسبب الآلام للكثير من الأمريكيين. 

صحيح أن الكلفة الاقتصادية ستكون باهظة جدا جراء تفشي جائحة فيروس كورونا مثلما أن الحجر الصحي سيكبد الاقتصاد الأمريكي والعالمي خسائر فادحة. رغم خطة التحفيز الضخمة التي أطلقتها الإدارة الأمريكية بالتوافق مع الكونجرس. فقد خسرت الأسواق كل المكاسب التي جنتها منذ انتخاب دونالد ترامب سنة 2016 كما أن البلاد قد مرت خلال ثلاثة أسابيع فقط من وفرة في فرص العمل إلى ما لا يقل عن عشرة ملايين عاطل عن العمل بعد أن فقدوا وظائفهم – هذه مجرد بداية لأن الفاتورة ستكون باهظة بعد أن تنتهي جائحة فيروس كورونا.

لقد بدأ الجدل يدور حول نقاط الضعف والخلل، سواء في الولايات المتحدة الأمريكية أو في غيرها من دول العالم الأخرى. في الحقيقة، فإن الرئيس ترامب ليس الوحيد المسؤول عن هذه الثغرات. فالنظام السياسي الفيدرالي الذي تحكم بواسطته الولايات المتحدة غير ملائم للتعامل مع مثل هذه الأوبئة المتفشية الخطيرة. فالولايات الخمسون التي تتكون منها الولايات المتحدة الأمريكية هي التي تتولى إدارة السياسات الصحية ومختلف الأوضاع الطارئة الأخرى الناجمة عن الكوارث والأوبئة وغيرها.

عندما يتعلق الأمر بأزمة كبيرة، مثل جائحة كوفيد-19، تتولى الولايات التنسيق مع السلطات والأجهزة الفيدرالية غير أن هذا التنسيق يصطدم بمصاعب كبيرة مثل تلك التي حدثت إبان الإعصار المدمر الذي ضرب مدينة نيو أورليانز سنة 2005 وطالت بسببه إدارة الرئيس جورج بوش الابن انتقادات لاذعة. في الحقيقة في مثل هذه الأزمة تتجلى القيادة، سواء في الولايات المتحدة الأمريكية أو في غيرها من دول العالم الأخرى. أما الرئيس ترامب فهو يوزع عبارات الثناء والإشادة على حكام الولايات بقدر ولائهم له. لا ننسى أن دونالد ترامب هو الذي حارب نظام الرعاية الصحية الذي وضعته إدارة سلفه باراك أوباما وهو ما تسبب في إضافة 1.3 مليون مواطن أمريكي إلى العدد الهائل من الأمريكيين المحرومين من الضمان الصحي ضد المرض. 

هل يمكن أن يؤدي تفشي جائحة كورونا وحالة الكساد الاقتصادي التي ستنجم عن ذلك إلى تقويض فرصة الرئيس دونالد ترامب في الفوز في الانتخابات المزمع إجراؤها في شهر نوفمبر وتحرمه من عهدة رئاسية ثانية مدتها أربعة أعوام في البيت الأبيض؟ هذا ما يؤكده منذ الآن منتقدو دونالد ترامب والذين يكادون يجزمون أنه سيتكبد الهزيمة في الانتخابات الرئاسية القادمة، لكن لا شيء يؤكد ذلك وقد تهب الرياح بما لا يشتهيه خصوم الرئيس ترامب. 

أظهرت الجغرافيا أن نيويورك وكاليفورنيا هما الولايتان الأكثر تضررا من تفشي جائحة كورونا وهما تعتبران من معاقل الديمقراطيين، علما بأن دونالد ترامب لا يأمل أن يحقق فيهما أي اختراق انتخابي. وبالمقابل فإن نسبة الوفيات الناجمة عن فيروس كورونا في الولايات التي أوصلت دونالد ترامب إلى سدة الرئاسة تظل منخفضة. وفوق ذلك كله فقد أظهرت استطلاعات الرأي أن شعبية الرئيس ترامب تناهز اليوم الـ 60% - بما في ذلك الناخبون المستقلون. 

لقد أدت أزمة كوفيد-19 إلى تراجع زخم الحملة الانتخابية وهو ما لا يخدم مصلحة خصوم دونالد ترامب. ففي الوقت الذي يعقد فيه دونالد ترامب مؤتمرات صحفية يومية في البيت الأبيض، محاطا بثلة من أفضل الخبراء والمختصين، يجد منافسه الديمقراطي المحتمل جو بايدن نفسه مضطرا إلى البقاء في ديلوير، إذ تم تجهيز استديو خاص به تحت الأرض لمخاطبة الناخبين الأمريكيين وقد جاءت أولى محاولاته لكسر عزلته فاشلة. يجب ألا ننسى أيضا أن الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي قد انتهت بعد أن أعلن بيرني ساندرز انسحابه من السباق. لكن برنامج ساندرز في ظل أزمة كورونا يبدو أفضل وأكثر جاذبية في نظر الناخبين الديمقراطيين المتضررين من أزمة كورونا لأنه يطرح تغطية صحية شاملة ومجانية. 

يقول بعض الخبراء الاستراتيجيين التابعين للحزب الديمقراطي إن غياب جو بايدن عن الأضواء الإعلامية قد يخدم مصلحته، على عكس دونالد ترامب غير أن مثل هذا الكلام غير مؤكد، الشيء المؤكد هو أن الأزمة الصحية الناجمة عن تفشي جائحة كورونا لم تخفف من حدة حالة الاستقطاب السياسي والحزبي في الولايات المتحدة الأمريكية. لا شك أيضا أن الشعبوية السياسية ستعود بكل قوة إلى الساحة السياسية الأمريكية بعد أزمة كورونا – وهو ما يصب في مصلحة دونالد ترامب الذي يتطلع إلى قضاء عهدته الرئاسية الثانية في البيت الأبيض. 

‭{‬ الكاتب مدير البحوث في المركز الوطني الفرنسي للبحوث والدراسات وأستاذ في مركز ريمون آرون للبحوث السياسية

لوفيجارو

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news