العدد : ١٥٥٢١ - الأحد ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٣ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢١ - الأحد ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٣ صفر ١٤٤٢هـ

السياحي

بيوتهم متلاصقة الجدران وذات خصوصية التكافل الاجتماعي خصلة في المجتمع الدلموني المبكر

السبت ١٨ أبريل ٢٠٢٠ - 02:00

أكد الباحث الآثاري د. سلمان المحاري أن أهلَ البحرين القدماء في عصرِ دلمون المبكرة تميزوا بخصلةِ التكافلِ الاجتماعي والود فيما بينهم، مسترشدا بجدران بيوتهم التي كانت تبنى بشكلٍ متلاصق، بحيث يستخدم جدارٌ واحد لا يعزل بين المنزلين.

وذكر المحاري -دكتوراه في علم الآثار- في دراسةٍ تطرقت إلى أسلوبِ حياة أهل البحرين القدماء قبل 4 آلاف و70 عاما، مستدلا بمستوطنة سار الدلمونية «هذا النوع من أسلوب البناء تميزت به المدنُ والقرى في دلمون».

 

إلى ذلك قال المحاري إن الحياةَ اليومية لأهل دلمون المبكرة بسيطةٌ، إذ كانوا يأكلون لحومَ الجمل والغزلان والمها إلى جانب الأسماك المحلية، ويصنعون ملابسَهم من القطنِ المزروع في أراضيهم، وخبزهم من القمح والشعير الدلموني.

وتقع قريةُ «مستوطنة» سار على مرتفعٍ صخري «منطقتي سار والجنبية حاليا» يقطنها 300 شخص. امتدت الحياةُ فيها حتى ما يقارب 300 عام. يعيشون أهلُها الحياةَ القروية البسيطة بعيدة عن مظاهرِ الثراء، وفي هدوء وأمان مقارنة بالعاصمة الدلمونية في قلعة البحرين، والتي تضمُ مجتمعا متنوعًا من مختلف الثقافاتِ والأجناس والجنسيات شُكِّل بسبب العلاقات التجارية لتبادل السلع ووجود قصور الملوك والعسكر والتجار والمعابد الرئيسية والكثافة السكانية.

وقارن المحاري ما بين مستوطنة سار والقلعة من حيث الجدار التحصيني الذي يحمي القلعةَ من أي عدوانٍ خارجي، وخلو المستوطنة منه لإحساس سكانها بالأمان. وأضاف «اُختير موقعُ المستوطنة بذكاء، وذلك لبعده عن الشواطئ البحرية التي تسهل الاعتداء الخارجي وارتفاعه على هضبة صخرية تطل على المناطق الزراعية ومسطحين مائيين وهما مصدر الماء».

أسلوب البناء

تحدث المحاري عن خصوصيةِ منازلِ الدلمونيين التي تميزت بها الغالبية، وتتمثل في مدخلٍ منكسر للبيت يحجب ما في داخله عن الشارع. تضم المنازلُ غرفةً واحدة مغلقة ومسقوفة وساحةً خارجية جزءٌ منها مكشوف والجزء الآخر مسقوف. استخدمت المواد المحلية في الأسقف القديمة، وهي عبارة عن جذوع النخيل والخوص والسعف، إذ يُنسج خوصُ النخيل للتغطية، مستدلا المحاري «بطبعات الأنسجة الخوصية التي عثر عليها على بعض الطبقات الجصية للمنازل».

وأوضح المحاري «تم تقسيم القرية بشكل حضري منسق. وتضم شارعا رئيسيا ممتدا يصل طوله ما بين 200-250 مترا وعرضه إلى 5 أمتار، تتفرع منه شوارعُ وأزقةٌ ضيقة ترتبط بساحاتٍ صغيرة. أطلق الفريقُ البريطاني على تلك الساحات أسماء معينة كميدان الدراز وميدان عوالي وميدان الجنبية وميدان سار. كما قسمت القرية إلى 4-5 مجمعات سكنية».

وتابع بالقول «يعيش الدلمونيون في عوائل نووية وممتدة، الأولى تتكون من الأم والأب والأبناء والممتدة تتكون من الجدين مع الأبناء والأحفاد، وذلك بسبب طبيعة المهن – صيد البحر والزراعة- التي اشتغلوا فيها وتتطلب أكثر من فرد عامل. وللعائلة الجديدة في منزل الجد، يتم بناء غرفة إضافية في نفس البناء الأفقي».

المعبد

وعن الجانب العبادي لسكان المستوطنة، يبين المحاري «عند أعلى نقطة من القرية تتكشف جدرانٌ مرتفعة تميز المعبد المقدس، يأخذ شكل المستطيل المنحرف نوعا ما، وفي إحدى زواياه غرفةٌ صغيرة تستخدم لتخزين الهدايا والقرابين التي يأتي بها الناس لتقديمها للآلهة ويتسلمها الكهنة».

ويشير المحاري «يتبين من خلال القواعدِ الحجرية بداخل المعبد أن الإله المعبود هو سين - إله القمر- إذ إن الأشكال الهندسية المتوزعة تأتي في شكل قرص هلال أو قمر، وهو ذاته الشكل الذي عبر عليه في الأختام الدلمونية».

الحياة اليومية

أشار المحاري إلى أن أهل دلمون ينامون مبكرا وينهضون باكرا مع شروق الشمس، إذ لا حياة ليلية قائمة. بعد الاستيقاظ يتناول الدلموني إفطارَه المكون من حبات التمر والحليب والخبز ويخرج سعيا عن قوته اليومي عبر وسيلتي مواصلات، هي الحمار أو المشي.

امتهن الدلمونيون 3 مهن رئيسية في تلك الفترة، وهي الزراعة وصيد البحر وصيد البر ورعي الأغنام والماعز والأبقار. وتابع المحاري «بعد دراسة عظام الماعز في سار تبين أنها من النوع المحلي الأصيل الذي يختلف عن أغنام العاصمة في قلعة البحرين والمستوردة من بلاد الرافدين».

أما مهنة صيد الأسماك، فمن خلال المكتشفات الأثرية- اعتمد عليها الدلمونيون بشكل رئيسي في طعامهم، وأهم وسائل الصيد هي الحداق بالخيط والميدار أو المجدار، واستخدمت الحضرة كتقنية كقديمة في الصيد. كما اصطاد الدلمونيون برا الجملَ ذا السنام الواحد والمها والغزلان. وامتهنوا مهنا حرفية كصناعة الفخار والجبس، وذلك إلى جانب الزراعة. وأوضح المحاري: «نظرًا إلى طبيعة المنتجات الزراعية العضوية، لا أدلة أثرية حول نوعية المزروعات المحلية، ولكن النخيل هو النبات الأساس، وذلك إلى جانب زراعة القطن والقمح والشعير».

أما الزوجة فيتمثل دورها في المنزل في الإدارة وجلب الماء من العين القريبة وحفظه في جرار فخارية وأحواض مصنوعة من الجص، إلى جانب التنظيف اليومي وإعداد الطعام وتخزينه وتحويل الشعير والقمح إلى طحين لإعداد الخبز عبر أحجار خاصة. ويذكر المحاري: «كل منزل احتوى على فرن الخبز «التنور» وموقد نار دائري سطحي غير عميق مصنوع من الجبس ومواقد نار تقف على 3 قواعد تستخدم لوضع قدور الطبخ المصنوعة من الفخار عوضا عن حفر لإشعال النار يتراوح عمقها ما بين 80-100 سنتيمتر لشوي اللحوم التي تحتاج إلى وقت طويل. تعدد المواقد والأفران يدل على تنوع طرق إعداد الأطعمة».

قائمة الطعام 

اعتمد الدلمونيون في طعامهم على صيد البحر والبر، إذ يأكلون اللحوم الحمراء كالأغنام والماعز والبقر والجمال والمها والغزلان. ويؤكد المحاري «الأسماك المحلية التي نأكلها اليوم هي نفسها التي تناولها أهل دلمون المبكرة كالهامور والشعري والكنعد والصافي. وتُؤكل مملحة أو مشوية».

يصنع الخبز من الشعير في الأغلب. ويعدُّ التمر والرطب مكونا رئيسيا في وجبات كل يوم، يُؤكل بكميات كبيرة ما أثر على صحتهم وأسهم في إصابتهم بالسكري. دراسة أسنان الدلمونيين تؤكد هذه المزاعم، كما تناولوا منتجات الحليب والألبان.

ويوضح المحاري «هم يأكلون في طبق جماعي واحد على سفرة الخوص الدائرية التي كانت متداولة قبل سنوات».

الألبسة 

من خلال بقايا الأقمشة وطبعاتها التي عُثر عليها في بقايا الأسطح الأثرية، يؤكد المحاري أن الدلمونيين نسجوا القطن ذا الجودة العالية الذي يزرعونه محليا لصنع ملابسهم حتى فترة تايلوس، كما استخدموا الكتان المستورد.

وذكرُ نقوشِ الأختام الدلمونية تؤكد أن ملابسَ رجال دلمون الأكثر شهرة تتكون من قطعة واحدة فقط، وهي الإزار الذي يمتد من منتصف البدن إلى أسفل القدمين، كما كانوا يغطون الجزء العلوي في الاحتفالات بقطعة قماش إضافية. 

أما الدلمونية فتلبس قطعة قماش تستر كامل بدنها وتثبت بملاقط نحاسية. كما اهتمت بجمالها عبر استخدام الأمشاط لتسريح الشعر والمالاكيت الأخضر لتجميل ما حول العينيين. وارتدت قلادات خرز العقيق والفخار والأحجار وتزينت بالأساور والخواتم النحاسية.

وأضاف «لم تكن حياتهم كدحا فقط، بل وجدت ألعاب أطفال فخارية. وأكدت النقوش والبقايا الأثرية أنهم عاشوا حياة الرفاهية بتنظيم احتفالات اللهو والرقص التي تُستخدم فيها المزامير».

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news