العدد : ١٥٤٥٣ - الثلاثاء ١٤ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٣ ذو القعدة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٥٣ - الثلاثاء ١٤ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٣ ذو القعدة ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

تأثير أزمة كورونا على مفهوم الأمن القومي

بقلم: د. أشرف محمد كشك {

الاثنين ١٣ أبريل ٢٠٢٠ - 02:00

كانت -ولا تزال- أزمةُ كورونا تثيرُ العديدَ من التساؤلات ليس حول الأزمة ذاتها إذ ربما اتضحت ملامحُها بكونها تحديًا عالميًّا يتعيَّن على الدولِ مواجهته سواء على مدى زمني قريب أو بعيد وإنما فيما أثارته من تساؤلات جوهرية حول عالمٍ جديد سوف يختلف فيه مفهومُ الأمن القومي نسبيًا عما هو سائد الآن، صحيحٌ أن التهديدات التقليدية وغير التقليدية سيظلُّ لها حضورًا بارزًا على أجندة الدول والأجهزة المعنية بالأمن القومي مثل التهديدات النووية والإرهاب التقليدي والسيبراني، إلا أن أزمة كورونا قد قرعت ناقوسَ الخطر بأن التصدي لتلك التهديدات يعد أمرًا ضروريًّا ولكنه ليس بكاف في ظل وجود تهديدات من نوع جديد، فمن ناحية أولى لُوحظ ظهورُ بعض التقارير والتحليلات التي تلقي باللومِ على أجهزةِ الاستخبارات الأمريكية لعدم قدرتها على توقع ظهور هذا الفيروس مستشهدين بذلك بالدور الذي قام به جهاز الاستخبارات الخارجية الألماني في نهاية عام 2002 والذي قدَّم تقريرًا للحكومة الألمانية عن طبيعة فيروس سارس قبل إعلان الصين عنه رسميًّا والذي أدى إلى وفاة 800 شخص في الصين آنذاك، ويعني ذلك أن أزمة كورونا سوف تتطلب من أجهزة الاستخبارات إضافة مجال جديد لعملها وهو ظهور فيروسات مماثلة سريعة الانتشار في العالم، صحيح أن تلك الأجهزة لديها بالفعل اهتمامٌ بمجال الحروب البيولوجية ولكن مع اتساع نطاق كورونا أتصور أن تلك الأجهزة سيكون عليها جمع العديد من المعلومات من خلال خبراء في المجال الصحي جنبًا إلى جنب مع الخبراء الأمنيين، ومن ناحية ثانية أكدت أزمة كورونا وبما لا يدع مجالا لأدنى شك أن عناصر قوة الدولة التقليدية وخاصة العسكرية برغم أهميتها فإن بعض الأزمات تتطلب مشاركة كل مؤسسات الدولة الحيوية الأخرى ومنها القطاع الطبي والتي أوضحت الأزمة أنه أحد أسس الأمن القومي ليس فقط من خلال توافر المستلزمات الطبية بل القدرة على إنتاجها خلال الأزمات وبالكميات المطلوبة، بالإضافة إلى مدى توافر الكوادر الطبية اللازمة للعمل خلال أزمات من هذا النوع وأتصور أنه في أعقاب تلك الأزمة سوف تغير العديد من الدول من أولوياتها وخاصة فيما يتعلق بذلك القطاع سواء من حيث تخصيص الموازنات اللازمة له أو وجود كوادر بشرية محلية لديها القدرة على العمل إبان الأزمات والطوارئ، ومن ناحية ثالثة وفي ظل طبيعة ذلك الوباء إذ إن العالم يحارب عدوًا مجهولاً فإن التساؤلات أُثيرت حول المخزون الاستراتيجي من الغذاء وهو ما آثار قضية الأمن الغذائي، فلقد استرعى انتباه العالم مشهد في إحدى الدول الأوروبية لرجلٍ عجوز يقف متأملا للأرفف الخاوية في أحد المتاجر نظرًا إلى حالة عدم اليقين خلال الأزمة وتهافت الأفراد على شراء السلع وتخزينها ومن ثم نفاذها، تلك المخاوف لم تكن سوى جزءً من تحد أكبر وهو قدرة الدول على توفير السلع والاحتياجات الأساسية خلال الأزمات، وربما يكون هذا تحديًا تقليديا إلا أن ما أضافته أزمة كورونا هو التساؤل عن تأمين احتياجات الدول في ظل إيقاف نقل البضائع بين الدول بشكل نسبي، تلك القضية التي حدت بدولة الكويت إلى اقتراح إنشاء «شبكة أمن غذائي موحدة» على مستوى دول الخليج وذلك على غرار شبكة الربط الكهربائي بهدف تحقيق الأمن الغذائي لدول الخليج وذلك خلال الاجتماع الاستثنائي لوزراء التجارة في دول الخليج، فضلا عن اقتراح إنشاء خطوط سريعة في مراكز الجمارك لضمان انسيابية وعبور المنتجات الأساسية للمعيشة، مثل الغذائية والطبية، وواقع الأمر أن أزمة كورونا لم تكن منشأة لقضية الأمن الغذائي بل كاشفة لها إذ إنها يمكن أن تكون تحديًا هائلا في المستقبل، ومن ناحية رابعة فإن البعد الاقتصادي عمومًا سيكون مكونًا أساسيًّا ضمن مكونات الأمن القومي ليس من خلال تنفيذ المشروعات التنموية فقط بل قدرة اقتصادات الدول على العمل خلال أزمات مماثلة، فقد تواردت أنباء عن ظهور أعمال سرقةٍ ونهب في بعض الدول الأوروبية خلال تلك الأزمة، أما المؤشر الخامس والأخير هو إمكانية وجود قواسم مشتركة بين رؤى الدول لمفهوم الأمن القومي الجديد بما يتيح لها القدرة على الانتظام في أطر جماعية خلال الأزمات وذلك ليس بالأمر المستحيل ففي عامي 2014 و2015 قادت الولايات المتحدة الأمريكية تحالفًا مكونا من عشرات الدول لمواجهة انتشار فيروس الإيبولا في إفريقيا، بما يعني أنه في ظل تغير مفهوم الأمن القومي فإن كل دول العالم يتعين أن تكون لديها تفاهمات على حتمية التعاون خلال أزمات من هذا النوع التي تفوق في خسائرها وتحدياتها الحروب التقليدية بل والنووية في ظل كون أن العالم مصيره سيظل واحدًا. 

ولا يعني مما سبق انتهاء التهديدات التقليدية وغير التقليدية، فالعالم لن يتساهل مع دولة تسعى إلى تطوير سلاح نووي في أي مكان في العالم يكون من شـأنه تهديد المصالح الجوهرية لدوله، كما أن الإرهاب الإلكتروني يظل حاضرًا وبقوة ويؤكد ذلك فيروس الدية الذي ضرب العالم من أقصاه إلى أقصاه ولكن جل هدف هذا المقال هو أن هناك مستجدات للأمن القومي ستكون محل اهتمام الدول فيما بعد مثل كورونا بما يتعين على الدول العمل في ثلاثة مسارات أولها: تطوير منظومة تعليمية تلبي احتياجات المجتمع وخاصة إبان أزمات مماثلة ليس في الجانب الطبي فحسب بل حتى على الصعيد التكنولوجي عمومًا في ظل ما لعبته التكنولوجيا من دور مهم خلال تلك الأزمة، وثانيها: أن صياغة قضايا الأمن القومي يجب أن تضم خبراء من التخصصات العلمية مثل الأطباء عمومًا والعلماء المعنيين بدراسة الفيروسات على نحو خاص بما يعني التكامل بين العناصر المدنية والعسكرية وهو أمر بدأته بعض المؤسسات الأمنية المعنية بالقضايا الدفاعية منذ عقود، وثالثها: قدرة الأجهزة الأمنية والعسكرية على العمل مع القطاعات المدنية خلال الأزمات، ولا أعني بذلك إدارة أزمة عابرة أو تهديد وقتي وإنما أزمات من هذا النوع، بمعنى قدرة الدول على حشد الموارد وإدارة الجهود والتنسيق فيما بينها خلال الأزمات الشاملة بما يحقق الأمن القومي للدول وهو الأمر الذي يتلخص في معادلة بسيطة مفادها: من يفعل ماذا وكيف؟ هذا التساؤل الذي كان مجالا لتمرينات محاكاة لأزمات قامت بها العديد من الكليات الدفاعية العريقة في العالم وأتصور أن دول العالم كافة أحوج ما يكون إليها في ظل تداعيات أزمة كورونا على الدول كافة وفي وقت متزامن.

وخلاصة القول إن عالم ما بعد كورونا لن يشهد تغيرات في مفهوم الأمن القومي فحسب بل في آلياته وسبل الحفاظ عليه وخاصة خلال أزمات على غرار أزمة كورونا. 

‭{‬ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية بمركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة «دراسات»

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news