العدد : ١٥٤١٤ - الجمعة ٠٥ يونيو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٣ شوّال ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤١٤ - الجمعة ٠٥ يونيو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٣ شوّال ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

البنك الدولي وطريق آخر لإصلاح التعليم (3)

بقلم: د. محمد عيسى الكويتي

الأربعاء ٠٨ أبريل ٢٠٢٠ - 02:00

تحدثنا في الأسبوع الماضي (أخبار الخليج 1 ابريل 2020) عن تقرير البنك الدولي حول طريق آخر لإصلاح التعليم وكان من ثلاثة أوجه، الأول إصلاح عملية التعليم نفسها لتحقيق التعلم مدى الحياة، وهذا ما تعمل عليه كثير من الأنظمة. الوجه الثاني هو تقديم الحوافز للجهات الفاعلة وربط هذه الحوافز بالنتائج المتحققة وإجراء التعديلات وفق ما تمليه هذه النتائج. والوجه الثالث منح أولياء الأمور والطلاب والمجتمع الفرصة للمساهمة في صياغة سياسات التعليم والتأثير فيها وتفعيل المساءلة والمحاسبة على الأداء بشكل فردي من داخل المؤسسة والمساءلة السياسية لمنظومة التعليم. وانتهى المقال بأن إصلاح التعليم هو إصلاح في جانب العرض وتأهيل رأس مال بشري. أي تأهيل المواطنين ليكونوا صالحين لسوق العمل ولخدمة المجتمع. 

غير ان هذا لا يكفي لرفع العائد على الاستثمار في التعليم، وغير كافٍ لمحاربة الفقر وغير كافٍ لتحقيق عدالة توزيع الدخل، ما لم يرتقي الجانب الآخر من المعادلة، وهو جانب الطلب في سوق العمل، إلى مستوى التحديات وخلق فرص عمل مناسبة للخريجين. أي ان هناك حاجة لزيادة حجم الطلب على الخريجين بمختلف تخصصاتهم. 

هناك مساران لرفع فعالية جانب الطلب، المسار الأول مبني على فرضية ان «ارتفاع العائد الاقتصادي من الاستثمار في التعليم يتحدد من خلال نتائج سوق العمل، لأن النمو الذي لا يخلق فرص عمل، مع تزايد العمالة، فإنه بالضرورة يترك بعض المتعلمين عاطلين». أي ان خصائص سوق العمل تحدد مردود الاستثمار في التعليم. وهذا يفرض أولا التعامل مع عدم التوازن الهيكلي في سوق العمل بتغيير خصائص أسواق العمل في المنطقة لتعظيم فوائد الاستثمار في التعليم. وثانيا التعامل مع السياسات الحكومية التي تنظم سوق العمل والتي اما ان تقلل من إمكانية خلق فرص أو تؤدي إلى خفض انتاجية العمالة. أهمها سياسات التوظيف في القطاع العام والقطاع الخاص، سياسات تطوير القطاع الخاص، وسياسات التعامل مع القطاع غير الرسمي. هذا التغيير يتطلب التعامل مع تحديات كثير منها تنافسية سوق العمل، التعامل مع حاجة الخريج إلى التدريب المستمر لرفع قدراته العملية، تعزيز وتكريس أخلاقيات العمل في الشباب، تعديل سياسات سوق العمل لتكريس مبدأ تكافؤ الفرص والمساواة في الأجور. 

المسار الثاني هو تنويع الاقتصاد وتوسيع مجالات خلق فرص عمل خصوصا في القطاع الصناعي الديناميكي الذي له قدرة كبيرة في خلق فرص عمل وتأثير على القطاعات الأخرى (spillover) وبالتالي مردود اكبر للتعليم. كما ان التصنيع يخلق فرص عمل للفئات الضعيفة في المجتمع، يكون له تأثير إيجابي مباشر على الحد من الفقر. على العكس من ذلك، فإن تشوهات سوق العمل سيكون لها آثار عكسية وبالتالي، فإن وجود سوق عمل يعمل بشكل جيد مع تنويع اقتصادي يكون التصنيع الديناميكي احد عناصره هما أمران أساسيان لتعظيم العوائد من الاستثمار في التعليم.

بالنسبة لسوق العمل فإن النتيجة التي توصل إليها التقرير هي ان سوق العمل في جميع دول المنطقة ضعيف مع وجود نسبة كبيرة من المتعلمين خارج العمل أو يعملون في وظائف متدنية الإنتاجية. هذا بسبب تزايد اعداد العمالة المتعلمة، بمستويات تفوق القدرة على خلق فرص عمل وقدرة السوق الاستيعابية. فمثلا يقول التقرير ان معدلات البطالة في المنطقة تبلغ 14 بالمائة، وهي أعلى من أي منطقة أخرى في العالم باستثناء إفريقيا جنوب الصحراء. تؤثر المشكلة فعليًا على كل دول المنطقة، بما فيها دول الخليج. في عدد قليل من البلدان يصل معدل البطالة إلى ما يقرب من 20 في المائة أو أعلى، هذا مع العلم بأن التوظيف في القطاع العام يستوعب ما يفوق 65% من القوى العاملة. 

حتى في المناطق القادرة على توظيف عمالتها المتعلمة لم تكن هذه العمالة توظف في الوظائف التي تستغل قدراتهم الإنتاجية بأفضل ما يمكن. أي ان نسبة من العمالة تجد نفسها في مصيدة الوظائف قليلة الإنتاجية وقليلة العائد على الاستثمار في التعليم وقليلة الدخل للفرد نفسه. هذا يضعنا في دائرة مغلقة من تدني الإنتاجية يقود إلى تدني العائد وبدوره يقود إلى تدني الاستثمار في التعليم، وتتكرر هذه الدائرة في انخفاض في مستوى التعليم. 

ما يزيد من تأثير البطالة على تدني الاستفادة من رأس المال البشري هو أنها تطال نسبة كبيرة من الفئة المتعلمة (الثانوية والجامعية). ومع ان المنطقة ليست الوحيدة في وجود نسبة عالية من المتعلمين عاطلين الا ان نسبتهم في المنطقة تتزايد، ومستمرة منذ السبعينات حسب بعض المصادر. ويعود ذلك التوسع في التعليم العالي إلى الحاجة لتغطية احتياجات القطاع العام، وهذا ما يفسر وجود نسبة كبيرة منهم بتخصصات اجتماعية وأدبية وإنسانية على حساب التخصصات العلمية والهندسية والرياضية. وإذا أضفنا إلى ذلك الزيادة السكانية واندماج الإناث في سوق العمل، والبطء الشديد في التصنيع تتضح الصورة الضعيفة لسوق العمل. 

أدى ذلك إلى زيادة التوظيف في الحكومة واثر على عائد الاستثمار في التعليم من أربع قنوات أولا ان التوظيف في الحكومة متدني الإنتاجية ويقلل العائد على التعليم. ثانيا ارتفاع الرواتب خلق تطلعات لأجور مرتفعة فاقمت من مشكلة البطالة في المتعلمين. ثالثا التطلع للوظيفة الحكومية رفع نسبة التخصصات الأدبية التي لا تتناسب مع اقتصاد السوق الحديث. رابعا ساهمت هذه السياسات في تقسيم سوق العمل (مواطن ووافد) وتقليل الإنتاجية.

عملت سياسات الدعم والتمويل والميزانية وسعر صرف العملة مجتمعة على تقليل قدرة النمو في خلق فرص عمل، غير ان أهم عائق لخلق وظائف هو ضعف النمو نفسه، والذي يعكس عدم وجود قطاع خاص ديناميكي تنافسي قادر على خلق وظائف. فإذا أرادت المنطقة ان تحقق مستوى أفضل من نمو التوظيف وزيادة الأجور عليها زيادة نمو الإنتاج والإنتاجية، خصوصا في القطاع الخاص. التوسع في الناتج المحلي (إذا كان حقيقيا) عادة ما يصاحبه خلق فرص عمل. لزيادة النمو الاقتصادي، لا بد من تغيير محركات النمو نفسها، وهذه قضية أخرى نناقشها في مقال لاحق.

mkuwaiti@batelco.com.bh 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news