العدد : ١٥٤١٣ - الخميس ٠٤ يونيو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٢ شوّال ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤١٣ - الخميس ٠٤ يونيو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٢ شوّال ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

الجميع مسؤول عن انتشار كورونا.. والأهم التوحد لمجابهته

بقلم: د. عمر الحسن

الأربعاء ٠٨ أبريل ٢٠٢٠ - 02:00

مما لا شك فيه أن الصين لعبت الدور الرئيسي في السماح لفيروس كورونا، أو (كوفيد-19)، بالانتشار على نطاق عالمي. ومع ذلك، ليس بالضرورة أن تكون بلد المنشأ الذي ينتمي إليه كما هو معروف علميا، إذ يمكن أن تنشأ مثل هذه الفيروسات في أي مكان. غير أنه يقع عليها اللوم في محاولاتها إخفاء طبيعة الفيروس لخدمة مصالحها الخاصة. فقد أحبطت أولا الجهود الأولية التي بذلها الأطباء في ووهان لتعزيز الشفافية بشأن الفيروس، ثم أخفت معلومات دقيقة عنه محليا وعالميا، وقد أدى الارتباك ونقص المعلومات إلى فرار نحو خمسة ملايين شخص من ووهان ونشر الفيروس.

ووفقا للعديد من المراقبين فإن بكين طوال المراحل المبكرة والحالية للجائحة لم تقدم معلومات دقيقة عن حجم الفيروس، ونسبة التعافي المفترضة منه من أجل حماية صورتها في الداخل والخارج. ويعد العنصر الأساسي في ذلك هو تقليل عدد الحالات المسجلة رسميا وعدد الوفيات. وكانت الصين أكثر نجاحا في وقف الانتشار من أي بلد آخر مماثل أصيب بالفيروس، مثل فرنسا وإيطاليا وإسبانيا والولايات المتحدة؛ فقد تمكنت من قمع كورونا بفضل نظام الإدارة الذي يسمح لها بمعالجة تحديات السياسة العامة بكفاءة أكبر من الديمقراطيات الغربية.

وبغض النظر عن نجاحها المحلي، مازالت الصين تضاعف آثار الجائحة من خلال نشر المعلومات الخاطئة. وقد لوحظ أن أكثر عمليات التزوير كانت جهودها لتقليل عدد الوفيات من أجل الحد من التصور العالمي لعدم الكفاءة في المراحل المبكرة من الأزمة. وتحرص الصين على تحصين اقتصادها ضد الفيروس. وقد ضاعف من ذلك ما قامت به من جهود الدعاية؛ فبعد تهدئة الحالات في الداخل سعت إلى توفير المساعدة الطبية للبلدان الأخرى التي تعاني من الفيروس من خلال ترسيخ نفسها كقائد في التصدي للفيروس قولا وفعلا.

ففي الأسابيع والأيام الأخيرة أرسلت الصين مساعدات طبية وأطباء لمساعدة إيطاليا وإسبانيا وفرنسا واليونان وجمهورية التشيك وبلدان أخرى على التعامل مع تفشي المرض، في محاولة إظهار أن الدولة التي ولدت الفيروس، ثم قامت بتغطيته أسابيع، ما سمح له بالانتشار في جميع أنحاء العالم من دون عوائق، تقف الآن على الخطوط الأمامية في محاولة لإنقاذ البشرية، بينما لا تستطيع دول الاتحاد الأوروبي مجتمعة القيام بذلك، كما أن القوة العظمى الأخرى في العالم -الولايات المتحدة- عاجزة أيضًا ومشغولة في توجيه أصابع الاتهام. 

ويرى البعض أن بكين تحاول بوضوح إعادة كتابة التاريخ فيما يتعلق بسوء إدارتها للفيروس التاجي الذي مكَّن انتشار وباء محلي في مدينة «ووهان» إلى أن يتحول إلى جائحة عالمية. وفي نهاية المطاف، يمكن أن تساعد مساعدة بكين في إيضاح الحقائق عن كيفية بدء الوباء لأول مرة. وعلى الصعيد الجيوسياسي، سوف تخدم هذه السياسة الصين على المدى الطويل؛ والتي تأمل من خلال مساعدتها للبلدان المنكوبة حصد تأييد سياسي من شأنه أن يساعد على إقامة روابط اقتصادية أوثق بمجرد انقشاع الأزمة.

ومع ذلك، لا يُمكن تحميل الصين وحدها المسؤولية عن انتشار الفيروس، فعلى الرغم من أنها مسؤولة عن انتشاره أكثر من أي دولة أخرى فإن أولئك الذين يعانون الآن من آثاره، وبالتحديد في أوروبا وأمريكا الشمالية وإيران، يجب أيضًا بحث دورهم في الفشل في معالجة انتشار الوباء. وقد أدت استجاباتهم البطيئة وغير الفعالة إلى تفاقم الأخطاء. وقد أبدت العديد من الحكومات سخاء في رفض التنفيذ السريع للتدابير التي من شأنها وقف انتشار الفيروس وتخفيف آثاره على الصحة العامة. على سبيل المثال، تعرضت بريطانيا لانتقادات واسعة النطاق لتباطؤها في فرض حظر اجتماعي واقتصادي في أعقاب تفشي الوباء، وذلك بعد أكثر من أسبوع من اتخاذ كل من إسبانيا وفرنسا إجراءات مماثلة في هذا الصدد، وهو ما أدى إلى تفاقم حالات الوفاة والضغط على هيئة خدمة الصحة الوطنية البريطانية.

وربما تكون الولايات المتحدة أسوأ حظا من أي دولة غربية أخرى، فلقد فشلت في تقديم استجابة شاملة ومتسقة وفعالة لمعالجة أزمة كورونا لديها. يقول «ميكا زينكو»، من المعهد الملكي للشؤون الدولية، «تشاتام هاوس»، في صحيفة «الجارديان»، إن «إدارة ترامب فشلت بشكل تراكمي في أخذ تحذيرات المخابرات المتكررة على محمل الجد بشأن تفشي فيروس كورونا، وأن الحكومة الفيدرالية هي وحدها من تمتلك الموارد والسلطات لمواجهة الأضرار المتوقعة التي يسببها الفيروس، لكن لسوء الحظ فإن مسؤولي إدارة ترامب اتخذوا سلسلة من الأحكام لتقليل مخاطر الفيروس ورفضوا العمل بالسرعة المطلوبة؛ ما جعل الأمريكيين أقل أمانًا من دون داع». 

ومما يدعو إلى الاندهاش أن تلك الإدارة تركت مطلق الحرية للولايات الأمريكية في صياغة ردودها الخاصة كل على حدة، وهو الأمر الذي يشير إلى علة بطء عدد من الولايات، مثل نيويورك وواشنطن وولاية كاليفورنيا، التي يُفترض أنها مهددة بصورة أكبر من غيرها لإصابة مواطنيها في تنفيذ عمليات الإغلاق. في حين لم يقدم البعض الآخر، مثل فرجينيا ولويزيانا، شيئًا تقريبًا فيما يتعلق بفرض تدابير وقائية إزاء انتشار الفيروس. كما فشلت الحكومة الفيدرالية ذاتها في تزويد العديد من هذه الولايات بالإمدادات والمعدات الطبية اللازمة للتخفيف من الآثار الصحية لأزمة انتشار الفيروس، وذلك جراء حالة التذبذب والتردد التي انتابت «ترامب»؛ فتارة كان يدعم تنفيذ إجراءات وقائية أكثر نشاطًا، وتارة أخرى ينتقد من ينفذها. ونتيجة لذلك أصبحت أمريكا الآن الدولة الأكثر تضررًا في العالم من هذا الفيروس، بفعل وجود أكثر من 288.355 حالة إصابة مؤكدة وأكثر من 8.454 حالة وفاة منذ ظهور الوباء حتى 5 أبريل 2020. 

وبدلا من اتخاذ تدابير لمعالجة هذا الوباء؛ سعى «ترامب» لمهاجمة بكين بكل الصور لتحقيق مكاسب سياسية. يقول «جوش روجين»، في صحيفة «واشنطن بوست»، إنه «في نهاية المطاف يتضح أن التذرع بـأعذار واهية وإلقاء اللوم على بكين ليس كافيًا لتبرير أخطاء الإدارة الأمريكية، كان يجب على الولايات المتحدة أن تقود العالم نحو تبني استراتيجية منسقة للتصدي لـكورونا. وفي الكونجرس أيضًا، يحتاج كل من الجمهوريين والديمقراطيين إلى العمل معًا للمساعدة في التوعية بسبل الوقاية وتعزيز مرونة نظامنا الصحي لاقتفاء أثر تكتيكات بكين لمواجهة الفيروس».

وعلى الرغم من أنه من الضروري استنكار النهج الذي تبنته بكين في بداية الأزمة، فإنه من الواضح أيضا أن موقف الإدارة الأمريكية الحالية فيما يتعلق بتقييم مدى استجابتها وتصديها لهذا الوباء في الوقت الراهن كان غير كاف. ومن الناحية الجيوسياسية، من المرجح أن تعاني كل من الدولتين العظميين جراء فشلهما في التعامل مع هذا الوباء. وحتى أوروبا، التي على الرغم من أنها وضعت خطة عمل مشتركة لمواجهته؛ لكن تفشيه المتسارع وتبنّي دول الاتحاد إجراءات بطيئة في مكافحته يطغى عليها طابع الحمائية أكثر من التكاملية ساعد على التشكك في فاعلية الاتحاد.

ولعل هذه الاستجابات وتباين فاعليتها هو ما يشير إلى ضرورة التضامن وتنحية الخلافات والمصالح جانبا، وضرورة التنسيق العالمي في مواجهة هذه الجائحة، إذ بات العالم الذي فرقته المطامع والمصالح والخلافات مطالبا اليوم أكثر من أي وقت مضى بأن يتكاتف في مواجهة عدو واحد لا يفرق بين دولة وأخرى، فأي مشكلات أو أزمات تتقازم أمام التحدي الكبير الذي يحتاج إلى استجابة أقوى وأكثر فعالية لا يمكن أن تتحقق، إلا إذا تم التضامن في مواجهته، فالتعاون الدولي لم يعد مجرد خيار، بل حتمية لا مفر منها. 

وهي الأمور التي أشار إليها أمين عام الأمم المتحدة «أنطونيو غوتيريش» في مقاله بصحيفة «الغارديان»، بقوله: «إن على دول العالم أن تضمن تعاملا عالميا ومنسقا بقدر كاف مع الوباء، يؤسس قدرة على المرونة والتعافي من أجل المستقبل». وأشار أيضًا إلى أنه «في هذه اللحظة، يجب اتخاذ إجراءات حاسمة ومنسقة ومبتكرة من الجميع»، مؤكدا أن جائحة «كوفيد-19» «هي أسوأ أزمة عالمية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، معربا عن قلقه من أن تتسبب تداعياتها بتأجيج النزاعات والحروب في العالم».

ومن أجل الخروج من هذا المـأزق، اقترح خطة من ثلاث نقاط؛ الأولى: تقليل انتقال الفيروس بين الناس، وتكثيف الاختبارات وتقييد حركة الناس والاتصالات فيما بينهم، والثانية: التعامل مع الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية المدمرة للأزمة عالميا. والنقطة الأخيرة تركز على التعافي لتجاوز الأزمة، مقترحا وضع خطة شاملة متعددة الأطراف لا تقل الميزانية اللازمة لتنفيذها عن 10% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي لمواجهة الفيروس.

وفي نفس السياق، كان «هنري كيسنجر» وزير الخارجية الأمريكي الأسبق قد أشار في مقال له بصحيفة «وول ستريت جورنال» إلى أن «قادة العالم تعاطوا مع الأزمة على أساس وطني بحت، مع أن التداعيات المترتبة لا تعترف بالحدود، وأنه ينبغي أن تكون هناك رؤية وبرنامج لتعاون دولي لمواجهة الأزمة»، مؤكدا أن «التحدي التاريخي الذي يواجه قادة العالم في الوقت الراهن هو إدارة الأزمة وبناء المستقبل في آن واحد، وأن الفشل في هذا التحدي قد يؤدي إلى إشعال العالم».

ووجه صاحب السمو الملكي الأمير «خليفة بن سلمان آل خليفة» رسالة إلى العالم بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للضمير -الذي جاء بمبادرة من سموه-، ذكر فيها أن العالم اليوم في ظل ما تواجهه البشرية من تفشي فيروس «كورونا»، يحتاج إلى «رؤية مشتركة» واضحة تعزز الجهود والوحدة الإنسانية لمواجهة هذا الخطر الذي لا يفرق بين جنس أو لون أو عقيدة، ووضع استراتيجيات جديدة تعزز من مفهوم «الأمن الصحي العالمي».

ونختم بالقول إن العالم يواجه أزمة غير مسبوقة، يصعب على أي دولة منفردة مواجهتها، فالفيروس تحدّى كل إمكانيات العالم، ووضع الكل أمام حقيقة واحدة هي الاتحاد غير المشروط ساسة وشعوبا، في سبيل تجاوز الأزمة في أسرع وقت ممكن، ومواجهة تداعياتها المستقبلية؛ فالتعاون والتكاتف لمحاربة أخطر عدو يواجه الإنسانية صار جزءا من الحل، باعتبار أنّ التغلب على هذا الوباء في ظل تعاون دولي شامل أسرع من مواجهته في إطار التنافر والتشتت والصراع، وهو ما يستدعي من دول العالم التضامن ووضع الخلافات جانبا لتكون النتائج أقوى وأكثر فعالية للتوصّل إلى دواء ولقاح ينهي الجائحة.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news