العدد : ١٥٥٢١ - الأحد ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٣ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢١ - الأحد ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٣ صفر ١٤٤٢هـ

شرق و غرب

دور الدولة في عالم جائحة كورونا

الثلاثاء ٠٧ أبريل ٢٠٢٠ - 10:37

‭{‬ أجرت صحيفةُ لوفيغارو الفرنسية الحوارَ التالي مع الأكاديمي والكاتب فرنسوا لانغلي، الذي تطرق إلى تداعياتِ جائحة كورونا على اقتصاديات ومجتمعاتِ العالم ومستقبل العولمة، كما شدد على أهميةِ الاستعداد لعالم ما بعد كورونا.

‭{‬ يواجه العالمُ أزمةً صحية ناجمة عن جائحة كورونا، التي أفرزت بدورها أزمة اقتصادية غير مسبوقة. فما التداعيات التي قد تنجم على هذا الوضع المتفاقم في غياب أي دواء أو لقاح ناجح يمكن أن يجعلنا نرى النور في آخر النفق؟

- كل شيء يتوقف على المدة التي ستستغرقها هذه الأزمة الصحية الخطيرة، والتي باتت تمثل العامل الأساسي الذي يتحكم في السياسات والميزانيات أيضا. إذا ما اعتمدنا النموذج الصيني فإنه يمكن القول إننا نواجه حالة من الكساد خلال شهري مارس وأبريل لتبلغ نسبة تراجع الاقتصاديات قرابة 15% وهي نسبة ليست بالهينة، وهذا قد يؤدي إلى حالة من الكساد الاقتصادي خلال سنة 2020 مع تراجع معدلات النمو بما لا يقل عن 3%، وخاصة في دول الاتحاد الأوروبي. 

اختارت الدول الأوروبية استراتيجية أخرى تقوم على تشجيع الناس على ملازمة بيوتهم مع تحول قطاعات اقتصادية إلى آلية العمل عن بعد وهي استراتيجية أقل صرامة من تلك التي انتهجتها سلطات بكين التي عمدت إلى فرض ضوابط وإجراءات مشددة وعزلت مدنا ومناطق بأكملها حتى تمكنت من احتواء جائحة كورونا. لذلك فإن احتواء جائحة كورونا والتغلب على هذه الأزمة الصحية الخطيرة قد يتطلب مدة أطول، ما قد يلحق الكثير من الأضرار بالنظم المالية والاقتصادية ويزعزع التوازنات النقدية. سيعرف العالم أيضا حالة شديدة من الكساد المالي والاقتصادي منذ فترة ما بين الحربين العالمتين الأولى والثانية، أي في زمن السلم لا الحرب. لقد اخترنا الرهان على الصحة غير أننا سندفع فاتورة اقتصادية ومالية باهظة، قد تتفاقم مع انهيار قطاعات اقتصادية وخيمة. 

‭{‬ هل الأزمة الحالية شبيهة بتلك التي هزت الولايات المتحدة والعالم في سنة 2008؟

- إن الأزمة الراهنة، والناجمة عن تفشي جائحة كورونا في مختلف أرجاء العالم، مناقضة لتلك الأزمة المالية والاقتصادية التي ضربت الولايات المتحدة الأمريكية والعالم في سنة 2008؛ ففي سنة 2008 كان المال سبب اندلاع الأزمة التي زعزعت دعائم النظام الرأسمالي، وهو ما يفسر تباطؤ عملية التكيف في سوق العمل وفي القطاعات التجارية والتي لم تبدأ في التعافي إلا في سنة 2009. أما اليوم فإن الاقتصاد يتكبد الخسائر الفادحة بسبب الأزمة الصحية وتفاقم المخاوف من انتقال العدوى ما انعكس سلبيا على الاستقرار المالي والاقتصادي. في نهاية الأمر تكون الأزمتان الاقتصادية والمالية مرتبطتين مثلما حدث سنة 2008. فجائحة كورونا تفشت في وقت كان الاقتصاد العالمي يمر أصلا بمرحلة من الهشاشة بسبب رواسب أزمة 2008. فقد ازداد حجم الديون العالمية بنسبة فاقت الثلث منذ سنة 2008. دون أن نعرف ما قد يحدث هذه السنة. فالأرقام الرسمية المتعلقة بالديون الصينية لا تتسم بقدر كبير من المصداقية. 

‭{‬ لقد ألفت مؤخرا كتابا تحدث عن التغييرات المستقبلية التي ستطرأ على العالم. فهل تعتقد أن جائحة كورونا ستتسرع من زخم التغيير في العالم؟ هل هي نهاية العولمة؟

- بطبيعة العالم جائحة كورونا لن تغير أي شيء في العالم. يجب القول إن العولمة دخلت منذ عدة أعوام في أزمة حقيقية بسبب تنامي قوة الصين والاعتبارات المناخية وسقوط دول عديدة في سياسة الحماية الاقتصادية، إضافة إلى الأزمة الصحية الراهنة والناتجة عن تفشي جائحة كورونا. 

تتطلب مثل هذه التطورات وقتا طويلا. فالعولمة تحققت على مدى ثلاثين سنة. تحدثت في كتابي الجديد عن إمكانية حدوث أزمة مالية عالمية بسبب تراكم الديون وهو سيعود بعواقب وخيمة على الدول. رغم أنني لم أتوقع حدوث هذه الجائحة إلا أن إرهاصات الأزمة المالية قد تبدأ في الظهور كما توقعتها في كتابي.

‭{‬ هل تتسبب هذه الأزمة الصحية الحالية في زيادة حدة التوتر بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين؟

- أعتقد أن العلاقات بين البلدين ستتفاقم وتزداد حدة. ستجد الصين نفسها تعمل على تقوية نسيجها الاجتماعي. شهدت الصين في السنوات الماضية أكبر عملية نزوح في تاريخ البشرية من المناطق القروية إلى المدن وقد كانت تلك العملية من أهم العوامل التي أسهمت في الطفرة العمرانية التي اكتملت. ازدادت شيخوخة السكان في الصين كما ازدادت الديون وقد راهنت الصين في المرحلة القادمة على المشاعر القومية التي لاتزال في أوجها، كما أن هذا العامل هو الذي سيلعب دورا كبيرا في تعافي اقتصاد الصين في مرحلة ما بعد نهاية هذه الأزمة الصحية الناجمة عن تفشي جائحة كورونا. فالنظام الحاكم في بيكين يدرك جيدا أنه لا بد من مواصلة النمو الاقتصادي على جميع الأصعدة لأن أي فشل من شأنه أن يهدد شرعيته التاريخية. ذلك هو التحدي الكبير الذي سيواجه الصين ما بعد هذه الأزمة وفي عالم ستتغير صورتها إلى حد كبير.

‭{‬ كيف سيكون موقع أوروبا في عالم ما بعد تفشي جائحة كورونا.؟

- يصعب أن نتكهن بالصورة التي سيكون عليها العالم ما بعد أزمة تفشي جائحة كورونا غير أنه يتعين أن نستعد فعلا للمرحلة القادمة التي ستتغير خلالها أمور كثيرة. ستظل أوروبا تمسك بورقة يمكن أن تلعبها وذلك بشرط أن تعيد تقييم تجربة شراكتها في إطار الاتحاد الأوروبي حتى تحقق قدرا أكبر من المرونة في التعامل مع الهزات والأزمات الظرفية والطارئة وحتى الهيكلية. 

تعرضت فكرة «الاتحاد الأوروبي» نفسها إلى ضربة موجعة بسبب ما لاحظناه من غياب التضامن ما بين الدول الأعضاء في مواجهة جائحة كورونا. فقد أصبحت الصين هي التي توفر الكمامات لإيطاليا التي بدت معزولة وهي تكافح هذا الوباء. أما ما يشغل بالي فهو انفصال المملكة المتحدة عن الاتحاد الأوروبي بطبيعة الحال. على عكس ما يقال، فإن الاتحاد الأوروبي هو الذي قد يتضرر ويضعف، كما أن فرنسا قد تكون أكثر المتضررين من رواج بريطانيا، ذلك أن البلدين تجمعهما قواسم مشتركة عديدة على الصعيد الداخلي أو السياسة الخارجية على وجه الخصوص. 

فرنسا وبريطانيا إمبراطوريتان سابقتان، كما أن كلا البلدين قد قطعتا رأسي ملكيهما، كما أن البلدين قد وقفا في خندق واحد طيلة القرن العشرين، الذي شهد الحربين العالميتين الأولى والثانية والحرب الباردة. لا شك أن رحيل بريطانيا يترك فرنسا وحيدة في مواجهة ألمانيا المنزعجة من الهجرة والتباطؤ المؤقت لنموذجها الصناعي، إضافة إلى قرب رحيل المستشارة أنجيلا ميركل التي حققت معها ألمانيا طفرة اقتصادية كبيرة.

‭{‬ أدت الحرب العالمية الثانية (1939-1945) إلى عودة الدولة بقوة إذ تمكنت من تعزيز دورها حتى في الدول التي تتبنى السياسات الليبرالية، وهو ما تجلى على سبيل المثال في عديد من المشاريع التي قادتها الدول في إعادة البناء العمراني والاجتماعي والاقتصادي؟ فهل ستستعيد الدولة عافيتها بعد نهاية جائحة فيروس كورونا وهل ستتوافر لها الإمكانيات اللازمة؟

- ستكون على الدول المنضوية تحت راية الاتحاد الأوروبية استعادة دورها حتى تقود الجهود الرامية إلى معالجة الأضرار الناجمة عن جائحة فيروس كورونا. ستكون البنوك المركزية على وجه الخصوص مدعومة للقيام بدور بارز منذ الآن في مراقبة السياسات المالية حتى تستعيد الميزانيات توازناتها التي أصابها الخلل وفرض «الضرائب» على الأثرياء. عندما تزداد المخاوف وتتفاقم الأزمات الاجتماعية والاقتصادية تأخذ الدولة بزمام الأمور. هذه مجرد البداية لعودة الدولة للاقتصاد.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news