العدد : ١٥٤٠٩ - الأحد ٣١ مايو ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٨ شوّال ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٠٩ - الأحد ٣١ مايو ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٨ شوّال ١٤٤١هـ

شرق و غرب

أي عالم بعد جائحة فيروس كورونا؟

الثلاثاء ٠٧ أبريل ٢٠٢٠ - 10:36

بقلم: مارك هيكر‭{‬

لقد انشغلت بلدان وحكومات وشعوب العالم بالأزمة الصحية الخطيرة الناجمة عن جائحة كورونا التي تفشت أولا في مدينة ووهان الصينية قبل أن تزحف على بقية دول العالم. وسط حالة الخوف والهلع التي يجب أن نفكر أيضا في التداعيات الاقتصادية والسياسية والجغرا- سياسية التي سنصحو عليها بعد أن تنتهي الجائحة ويرفع الستار عن عالم تغيرت صورته.

عندما تفشت جائحة كورونا في فرنسا وباتت تحصد الأرواح، خطب الرئيس إيمانويل ماكرون في شعبه يقول: «لقد أصبحنا في حالة حرب ونحن نكافح فيروس كورونا». وقال الزعيم الفرنسي جورج كليمانسو: «إن قرار الحرب من الخطورة بمكان، لذا يجب ألا نضعه بأيدي العسكريين»، كذلك يمكن القول بأن جائحة كورونا «ليست خطيرة في حد ذاتها» حتى نضعها برمتها بأيدي الأطباء.

لا أحد يشك أو يشكك في الأوضاع الصحية الحرجة في المستشفيات التي تسابق الزمن وتحارب هذه الجائحة الخطيرة من أجل إنقاذ أكبر عدد ممكن من الأرواح. فقد شبه بعض الأطباء معركتهم بأنها أشبه بالتسونامي وأنهم يجدون أنفسهم في وجه العاصفة، في إشارة منهم إلى حجم الكارثة التي باتت تهدد مختلف دول العالم. فهذا الفيروس يقتل نسبة أكبر من المعدل العادي للوفيات في المستشفيات، وهو ما يمثل القاسم المشترك مع حالة الحرب.

استندت الحكومة إلى آراء العلماء والأطباء وراحت تقيد حركة الناس وتفرض ضوابط صارمة عبر إغلاق بعض المدن وفرض منع التجول في مئات المدن الأخرى في العالم بهدف التقليل من الاختلاط الاجتماعي الذي يسهم في سرعة انتقال العدوى الأفقية.

قد يذهب في الاعتقاد إلى أن هذه الإجراءات الاستثنائية التي تطبقها الدول التي تواجه ظروفا استثنائية ستكون فقط على المدى القصير غير أن أمد هذه الأزمة قد يطول، كما أنه إذا ما بلغت هذه الجائحة الفيروسية ذروة ضراوتها، فإنها قد تتسبب في انهيار الأنظمة الصحية التي تستنفد طاقة استيعابها، وخاصة في الدول النامية التي تعاني أصلا من هشاشة اقتصادية وصحية كبيرة. 

يجب أن تتضافر جهود الدول من أجل احتواء هذه الجائحة قبل أن تخرج عن السيطرة. قد تنجح الحكومات في حشد إمكاناتها ومواردها لاحتواء هذا الفيروس على المدى القصير غير أن الإجراءات التي تتخذها الدول والحكومات في مختلف دول العالم ستكون لها تداعيات وخيمة على المديين المتوسط والبعيد. تخيم على العالم الآن حالة من الغموض بشأن ما سيكون عليه العالم غدا عندما ينجح العلم في إنقاذ البشرية. 

هذه الحالة من الغموض أكثر أهمية حتى من الوضع الاقتصادي الذي كان أصلا يعاني قبل تفشي جائحة كورونا من هشاشة كبيرة تؤذن بأزمة اقتصادية ومالية عالمية على الأبواب. لا شك أيضا أن تردي الأوضاع الصحية والاقتصادية والاجتماعية يصب في مصلحة التيارات والحركات والأحزاب الشعبوية التي تتغذى من مثل هذه الأزمات. 

لا شك أيضا أن التداعيات الاقتصادية الناجمة عن هذه الأزمة الصحية ستكون أول ما نشعر به بعد احتواء جائحة كورونا. فقد اهتزت مختلف البورصات العالمية وبدأ الجميع يتحدثون عن الكساد كنتيجة حتمية لا مفر منها مع ما سيرافقها أيضا من إفلاس المؤسسات والشركات وارتفاع معدلات البطالة. يدرك الجميع هذه المعادلة: كلما طالت هذه الفترة التي يلازم فيها الناس مؤسساتهم ازدادت الأوضاع الاقتصادية سوءا. 

أما التداعيات السياسية التي قد تنجم عن هذه الأزمة الصحية، فإنه يصعب التكهن بها. يمكن أن نؤكد ما ذهب إليه الباحث جون بي جوديس الذي اعتبر في كتابه أن فترة الكساد الاقتصادي والمالي تخدم دائما مصلحة التيارات والحركات والأحزاب اليمينية التي تحمل خطابا ديماغوجيا وشعبويا. لا شك أيضا أن قلة التضامن بين دول الاتحاد الأوروبي وتفاوت مظاهر التفاوت الاجتماعي سيؤديان إلى تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، والتي ستكون لها تداعيات سياسية. 

ستكون سنة 2020 بلا شك لحظة الحقيقة بالنسبة الى الاتحاد الأوروبي أكثر مما كان عليه الوضع إبان أزمة 2008 التي هزت النظام الرأسمالي العالمي. لا شك أن الحكومات ستتحرك بعد نهاية هذه الجائحة من أجل استباق أو معالجة أي تداعيات اجتماعية أو سياسية تنجم عن الأزمة الاقتصادية القادمة لا محالة.

من الطبيعي أن تطرح مسألة تأميم المؤسسات التي تعاني من مصاعب كثيرة وانعدام الملاءة المالية بعد كل أزمة اقتصادية حادة. يحذر الخبراء من تفاقم الدين العام في بعض الدول التي كانت تتخبط في أزمات اقتصادية ومالية حانقة قبل حتى تفشي جائحة كورونا. أما ارتفاع سعر الفائدة، فإن ذلك قد يؤدي إلى ارتفاع حجم الدين إلى حد قد لا تتحمله اقتصادات بعض الدول التي تعاني أصلا من هشاشة مالية كبيرة.

يصعب توقع التداعيات الجغرا- سياسية والاستراتيجية التي قد يواجهها العالم بعد نهاية جائحة كورونا. في تلك الأثناء بدأنا نلحظ ظاهرة جديدة تتمثل في انطواء الدول وإغلاق حدودها وتبادل الاتهامات بالمسؤولين عن تفشي فيروس كورونا الذي تسبب في تصدير التوترات السياسية.

تسبب تباطؤ الاقتصاد الصيني العملاق في تراجع أسعار البترول، الأمر الذي سيلحق الضرر بعدة بلدان تمثل فيه الصادرات النفطية العمود الفقري في إيراداتها من العملات الأجنبية ونظمها الاقتصادية، مثل نيجيريا وليبيا والجزائر. من شأن انخفاض أسعار النفط في الأسواق العالمية أن يلحق الضرر أيضا بمنتجي النفط الصخري في الولايات المتحدة الأمريكية لأن إنتاجهم سيفقد الجدوى الاقتصادية والربحية المالية. 

يعتبر المحللون أن التداعيات الاقتصادية الناجمة عن تفشي جائحة فيروس كورونا قد تتسبب في زعزعة استقرار بعض الدول التي تعاني أصلا من هشاشة اقتصادية ومالية كبيرة، وهو ما قد يشعل فتيل الاضطرابات الاجتماعية بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية، وخاصة إذا ما طال أمد هذه الأزمة، بل إن بعض المحللين قد حذروا من أن طول أمد أزمة هذه الأزمة الصحية العالمية من شأنه أن يشعل فتيل الحرب، وخاصة في المناطق التي تعاني أيضا من التوترات والصراعات. 

يتعين على القادة السياسيين والحكومات أن تقوم بتعبئة مواردها المالية والبشرية والصحية وحتى اللوجستية وتوفير كل الدعم للأطر الطبية وشبه الطبية التي تقف اليوم في الخطوط الأمامية في مكافحة جائحة فيروس كورونا. يجب أيضا على الحكومات أن تدرك أنه إذا ما استمرت سياسة الإغلاق والحجر الصحي ومنع التجوال، فإن ذلك قد تكون له تداعيات وخيمة على المدى البعيد.

لذلك يجب أن تركز السياسات للمرحلة القادمة على احتواء تفشي هذا الفيروس والتقليل من آثاره وتداعياته الاجتماعية والاقتصادية والمالية الوخيمة من أجل تجنب الكارثة الكبرى التي تتربص بالإنسانية جمعاء. يتعين على الدول والحكومات أن تبدأ في التفكير في عالم ما بعد جائحة كورونا.

 

‭{‬ الكاتب مدير النشر في المعهد الفرنسي للبحوث والدراسات

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news