العدد : ١٥٤١٤ - الجمعة ٠٥ يونيو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٣ شوّال ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤١٤ - الجمعة ٠٥ يونيو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٣ شوّال ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

تداعيات جائحة كورونا على الحياة السياسية الأمريكية

بقلم: د. جيمس زغبي {

الثلاثاء ٠٧ أبريل ٢٠٢٠ - 02:00

أدت الأزمة الصحية الراهنة والناجمة عن تفشي وباء فيروس كورونا (كوفيد-19) إلى خسائر فادحة في الأرواح البشرية، إضافة إلى الأضرار الاقتصادية الوخيمة في مختلف أرجاء الولايات المتحدة الأمريكية. لقد طالت تداعيات هذه الجائحة حتى الأحزاب السياسية والمسارات الانتخابية في الولايات المتحدة الأمريكية. فقد أصبحت الأحزاب والمسارات الانتخابية تكابد الأمرين وقد لا تصمد طويلا في وجه هذه الأزمة الصحية المتفاقمة. 

في هذا الإطار قرر الحزب الديمقراطي تأجيل مؤتمره العام من منتصف شهر يوليو إلى منتصف شهر أغسطس وذلك بسبب التخوف من تداعيات جائحة كورونا على الأرواح. يستبعد أن يزول خطر العدوى في الصيف القادم، لذلك فإنه سيكون من الصعب حشد عشرات الآلاف من الناس أو حتى تسيير الشؤون العادية للحزب.

يعتبر تأجيل المؤتمر مدة شهر واحد مجرد محاولة لكسب الوقت عسى أن يتمكن القائمون على الحزب من إيجاد خيار آخر عملي لانتخاب مرشحهم للانتخابات الرئاسية القادمة والاتفاق على البرنامج الانتخابي التي سيسير الحزب على أساسه على مدى السنوات الأربع القادمة واتخاذ الإجراءات العملية اللازمة من أجل رص صفوف الحزب وتعزيز وحدته.

نظرًا للأوضاع السائدة الآن على الساحة السياسية فإن ما يخطط له الحزب الديمقراطي لن يكون بالمهمة السهلة. يبدو أن هذه المسائل لا تدخل في الوقت الحالي على الأقل ضمن اعتبارات أولئك الذين اتخذوا قرارا بتأجيل المؤتمر القومي لمدة شهر. فإذا تمعنا في المقالات الاخبارية التي تتطرق إلى هذه المسألة فإننا سندرك أن القائمين على الحزب يدرسون على وجه الخصوص كيفية ضمان أكبر تغطية إعلامية ممكنة للمؤتمر. هذا ما أصبحت عليه حياتنا السياسية في ظل تداعيات جائحة كورونا. 

لم يكن الأمر دائما كذلك. فقد ظلت الأحزاب تعمل دائما كمنظمات قائمة على العضوية وتلعب دورا مهمًّا في حياتنا السياسية كما كانت المؤتمرات الحزبية القومية تكتسي أهمية كبيرة وتطرح فيها أكثر المسائل الخلافية المعقدة وتتخذ فيها قرارات حاسمة. 

مازلت أذكر كيف كنت أتابع مع أبي وأمي تلك المؤتمرات الحزبية التي كانت تمتد على مدى يوم كامل وكنت أحرص على متابعة كل التطورات والتفاصيل. كانت تلك المؤتمرات غير متوقعة النتائج، مثيرة، مهمة وتظل ايضا راسخة في الذاكرة. 

عندما كنت شابا يافعا في تلك الفترة كانت أمي منتخبة على مستوى إحدى الدوائر الانتخابية التابعة للحزب الديمقراطي. كنت يومها أطرق كل الأبواب برفقة والدتي من أجل لقاء الجيران ومناقشة المسائل التي تشغل بالهم ونقنعهم بأن يمنحونا أصواتهم. كنا في تلك الفترة نعرف جيدا قادة الأحزاب -هم يعملون لمصلحتنا ونحن نعمل لحسابهم بالمقابل، لذلك كانت العضوية في الحزب تكتسي أهمية كبيرة. 

هناك اليوم بعض الأحزاب المحلية وأحزاب أخرى على مستوى الولايات حيث تتم استشارة الأعضاء حول مختلف القضايا وينتخب القادة كما كان الحزب وبنيته الهيكلية ذات أهمية كبيرة. على العكس من ذلك لم يكن يدار بهذه الطريقة على مستوى الولايات المتحدة الأمريكية. 

في الأثناء تحولت الأحزاب على مدى الأعوام الماضية إلى أدوات لجمع التبرعات بمئات الملايين من الدولارات والتي تنفق بعد ذلك على المستشارين الذين يتم الاستعانة بهم من أجل صياغة الشعارات والمضامين الانتخابية وتنظيم الحملات الدعائية الانتخابية الضخمة. 

يقدم هؤلاء المستشارون أيضا المساعدة اللازمة من أجل تطوير الأدوات اللازمة التي توظف في تنظيم وتأطير الجهود الافتراضية بهدف جمع التبرعات وتعبئة الناخبين للمشاركة بكثافة في التصويت في اليوم الموعود – يوم الانتخابات في شهر نوفمبر. 

في هذا العالم الجديد أن تكون عضوا إما في الحزب الديمقراطي وإما في الحزب الجمهوري يعني أن يكون لك اسم ورقم وعنوان في قائمة. أما ما تجنيه من عضويتك في الحزب فهو يشمل الايميلات والمكالمات الهاتفية أو الرسائل والخطابات المباشرة التي تطلب منك التبرع لدعم الحزب الذي يخوض غمار الانتخابات. 

في هذا العالم اللا شخصي، يعامل أعضاء الحزب مثل البضاعة التابعة للحزب وهو ما يفسر إلى حد كبير حالة الاغتراب وعزوف عدد متزايد من الناخبين عن الأحزاب السياسية، لذلك يعتبر أكثر من 40% من الناخبين أنهم لم يعودوا يجدون أنفسهم في كلا الحزبين الديمقراطي والجمهوري. 

لعل ما زاد في تعقيد هذه الوضعية ظهور مجموعات عديدة تنافس كلا الحزبين فيما يتعلق بالولاء كما تركز اهتمامها على المسائل المتعلقة بالمصالح والهوية بالدرجة الأولى. هناك الكثير من الأمثلة التي تشمل المجموعة المدافعة عن الحق في امتلاك السلاح وتلك المناهضة لذلك والمنظمات الممثلة للمرأة والجماعات العرقية والإثنية والنقابات ومنظمات أصحاب المال والأعمال. قد تبدي هذه التنظيمات والجماعات دعمها لهذا المرشح أو ذلك غير أنها تحرص على الحفاظ على استقلاليتها وتجمع الأموال والتبرعات وتنظم نفسها بنفسها.

أصبح الحزبان الديمقراطي والجمهورية يجدان أيضا المنافسة من عدد متزايد من لجان العمل السياسية والتي تجمع (أحيانا من مصادر غير معلومة) الكثير من الأموال وتنفق من الأموال أكثر حتى من الأحزاب وهي تسعى أيضا لتحقيق نفس الأهداف. تتولى لجان العمل السياسية أيضا جمع مئات الملايين من الدولارات من أجل دعم مرشحين بعينهم أو التركيز على إبراز بعض المسائل والنقاط الموجودة في برنامج هذا الحزب أو ذلك. 

لقد أسهمت هذه العوامل في مزيد إضعاف الحزبين السياسيين اللذين لم يعدا يقودان الأجندة القومية بمفردهما. فقد أصبح الحزبان يسعيان إلى كسب الدعم من هذه اللجان السياسية وجماعات المصالح من أجل حشد الدعم لمرشحيهما وإبراز برامجهما الانتخابية. 

كانت المؤتمرات في الماضي بمثابة المنابر التي تمارس فيها السياسة الحقيقية، غير أنها تغيرت كثيرا اليوم وتحولت إلى مجرد أحداث خالية من أي دراما ويتم التحكم في كل تفاصيلها. كلما ازدادت هذه المؤتمرات تنظيما كما تقلصت التغطية الإعلامية التي تحظى بها. لم تعتبر هذه المؤتمرات «الحدث المنتظر الذي لا يفوت، والتي تمتاز بما فيها من مناظرات ساخنة مثيرة تدور حول الحقوق المدنية وحقوق الانتخاب وحقوق العمال والأسلحة النووية وغيرها. 

قبل أن يجتمع المندوبون في المؤتمر يكون المرشح معروفا سلفا مما يقضي على أي دراما أو إثارة كما يكون البرنامج الانتخابي محسوما سلفا فيما يكون المستشارون قد كتبوا خطب المرشحين بعيدا عن الارتجال. في نهاية المطاف لا نتابع المؤتمر لأن الإعلانات التجارية هي التي تغمرنا. 

هكذا أديرت أغلب مؤتمراتنا الانتخابية خلال العقود القليلة السابقة. في الماضي كان المندوبون وقادة الحزبين هم القلب النابض في المؤتمرات. فهم الذين كانوا يحضرون وهم الذين كانوا يصنعون القرارات الحاسمة للحزب. أما اليوم فقد تحول المندوبون وقادة الحزب إلى مجرد ديكور وسط الحضور الذي يشكلون بدورهم جزءا من الديكور وهم يهتفون ويصفقون ويرفعون اللافتات والشعارات. 

سيجد الحزب الجمهوري هذه السنة مشكلة كبيرة في التكيف مع هذا الواقع الجديد. فقد وضع دونالد ترامب نقطة نهائية للحزب الجمهوري في المؤتمر الذي عقد في سنة 2016، فقد تمكن آنذاك من إلحاق الهزيمة بمؤسسة وقادة الحزب الجمهوري والذين رضخوا لقيادته وتحولوا إلى حزب الرجل الواحد. لم يعد يوجد في الحزب الجمهوري جناح منافس أو معارض لم يعد يترك للمؤتمر أي فرصة لحسم القرارات المهمة. سيجد دونالد ترامب الفرصة كاملة كي يتصدر المشهد من دون منازع. 

أما الديمقراطيون فإنهم سيواجهون بالمقابل إشكالية حقيقية، ذلك أنه لا يزال يوجد في صلب حزبهم جناح قوي ينتقد المؤسسة الحزبية ويطالبها بأن تصغى إليه وتحترم آراءه. لا تزال الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لم تجر حتى الآن في عشرين ولاية أمريكية. في الأثناء تتعالى الأصوات التي تطالب بيرني ساندرز -الذي يتزعم الجناح التقدمي- بالانسحاب من السباق والسماح لمرشح المؤسسة الحزبية جو بايدن بالتخطيط للمؤتمر القادم غير أن هذه المطالبات سابقة لأوانها كما أنها خطيرة. 

يتعين على الديمقراطيين أن يوحدوا صفوفهم وخاصة أن كل الدلائل تشير إلى أن أنصار بيرني ساندرز لن يقبلوا تهميشهم أو إسكات أصواتهم. إذا لم تجر الانتخابات التمهيدية في الولايات المتبقية في كنف الشفافية والعدالة -في ظل أزمة كوفيد-19 وإذا لم يشارك أنصار بيرني ساندرز في صياغة البرنامج الانتخابي للحزب الديمقراطي الذي يمثلون جناحه التقدمي وإذا ما تحول المؤتمر إلى مجرد حدث شكلي للتتويج فإن الديمقراطيين سيواجهون متاعب كبيرة في شهر نوفمبر القادم. 

يجب ألا نتوقع أن ينجح الحزبان في تنفيذ الإصلاحات اللازمة من الآن حتى شهر أغسطس القادم ويكرسان بالتالي المشاركة الحقيقية. يصعب أيضا تنظيم مؤتمر يشارك فيه الجميع ويشمل ذلك كل الأصوات المتنافسة بما يسهم في توحيد صفوف الحزب وفق مسار عادل ومفتوح. 

إذا كان الديمقراطيون يريدون حقا الانتصار فيجب عليهم التخطيط لما سيفعلونه ما بعد انتهاء جائحة كورونا والتعامل مع التحديات التي ستعترضهم لكي يضمنوا مشاركة حتى وإن اضطروا إلى تنظيم مؤتمر افتراضي يحترم كل أجنحة الحزب ويكرس الوحدة بينها. 

 

‭{‬ رئيس المعهد العربي الأمريكي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news