العدد : ١٥٤٤٦ - الثلاثاء ٠٧ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٦ ذو القعدة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٤٦ - الثلاثاء ٠٧ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٦ ذو القعدة ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

الجهود التطوعية في أزمة كورونا: مشاهد عربية ودولية.. البحرين نموذجا

بقلم: د. أشرف محمد كشك {

الاثنين ٠٦ أبريل ٢٠٢٠ - 02:00

خلال متابعتي الحثيثة لتطورات أزمة كورونا ووسط هذا الكم الهائل من الأخبار المتلاحقة والتحليلات استرعى انتباهي خبر مفاده مبادرة شباب إحدى القرى بالوادي الجديد، وهي إحدى المحافظات المصرية، بتعقيم قريتهم تلته مبادرات مماثلة في قرى أخرى فضلاً عن إعلان الأطباء والمعلمين والفنانين في مصر عن مبادرات للمساهمة في مساعدة وتخفيف آثار ذلك الوباء على شرائح المجتمع المختلفة، تزامن مع ذلك إطلاق رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون نداءً إلى الشعب البريطاني بضرورة التطوع وقد لبى النداء أكثر من 400 ألف فرد من أطباء وغيرهم. تلك الأخبار وغيرها تضمنت أيضًا مشاهد إنسانية بالغة التأثير ومنها أن أحد القساوسة الإيطاليين ويبلغ من العمر 72 عامًا تم إدخاله مستشفى شمال شرقي ميلانو لإصابته بالفيروس إلا أنه رفض جهاز التنفس الاصطناعي وتبرع به لأحد الشباب المصابين، مؤكدًا أنه أحق به لأنه لايزال في مقتبل العمر ومات القس متأثرًا بالفيروس ليكون حديث الشارع الإيطالي على مدى أيام.

 هذه المشاهد وغيرها لم تكن منشئة للعمل التطوعي خلال الأزمات ولكنها كانت كاشفة له، فخلال اهتمامي الأكاديمي بمجال إدارة الأزمات والكوارث وجدت أن هناك خبرات متميزة للجهود التطوعية في بعض الدول وكان لها أثر بالغ في مواجهتها وأشير هنا إلى ثلاث حالات على سبيل المثال لا الحصر، الأولى: الخطر الثلاثي الذي واجهته اليابان عام 2011 متمثلاً في الزلزال والتسونامي والتسرب الإشعاعي من بعض المفاعلات النووية حيث لعب المجتمع المدني دورًا بالغ الأهمية في دعم الجهود الحكومية وهو الأمر الذي لم يكن محل إشادة داخل اليابان فحسب بل على مستوى العالم، والثانية: الهجمات التي شهدتها مدينة بومباي الهندية في عام 2008 حيث قامت مجموعات من المسلحين بالهجوم على عدد من الفنادق والمطاعم والمستشفيات ومحطات القطارات، الأمر الذي أسفر عن مقتل 195 شخصًا وجرح المئات وقد لوحظ أن جهود الإنقاذ من جانب أعمال التطوع كانت أسبق حتى قبل وصول القوات الحكومية، والثالثة: الدور المهم للعمل التطوعي تجاه أزمة السيول التي واجهتها مصر خلال سنوات مختلفة.

 وبالعودة إلى العمل التطوعي خلال أزمة وباء كورونا فإن المشاهد عديدة ولا يتسع المجال لتناولها في هذه الأسطر المحدودة إلا أنها أثارت لدي ثلاثة تساؤلات مهمة، الأول: ما هي آليات بناء ثقافة التطوع؟ والثاني: ما هي أهمية العمل التطوعي ومؤسسات المجتمع المدني عمومًا خلال الأزمات والكوارث؟ والثالث: ما هي دلالات العمل التطوعي وكيف يمكن استثماره لتعزيز الأهداف الوطنية للدولة مستقبلاً؟

وبادئ ذي بدء فإن العمل التطوعي يعد وليدًا لبيئة ثقافية واجتماعية تؤمن بأن الترابط والتلاحم بين أبناء الوطن الواحد هو ضرورة استراتيجية بل هو أساس قوة المجتمعات، وللعمل التطوعي ركائز ثلاث، ركيزة تعليمية: ففي البحرين على سبيل المثال لوحظ اهتمام المؤسسات التعليمية بترسيخ هذا المفهوم كجزء أساسي من المناهج الدراسية سواء من خلال تنظيف الشواطئ أو تخصيص يوم لرعاية ذوي الاحتياجات الخاصة وغيرها من المظاهر الأخرى، وركيزة مؤسسية: من خلال تخصيص مملكة البحرين جائزة سمو الشيخ عيسى بن علي بن خليفة آل خليفة للعمل التطوعي والتي أعلنت جوائزها للسنة التاسعة العام الماضي 2019، يتوازى ذلك مع نمو ملحوظ لمؤسسات المجتمع المدني البحريني والتي تنهض بدور بارز في العمل التطوعي، وركيزة توعوية: من خلال دور الإعلام في التوعية بأهمية ذلك العمل.

 ويعني ما سبق أن الجهود التطوعية الملموسة خلال أزمة كورونا سواء في مملكة البحرين أو دول الخليج الأخرى هي نتاج عمل ممتد عبر سنوات ليست بالقليلة وتمثل أساسًا راسخًا تم البناء عليه خلال مواجهة وباء كورونا ومنها إعلان الحملة الوطنية لمكافحة كورونا في البحرين عن فتح باب التطوع للعمل في المجالين الصحي والإنساني، وإعلان وزارة الصحة السعودية مبادرة بعنوان «متطوع صحي مستعد»، وفي دولة الإمارات إطلاق مبادرة بعنوان «مدينتك تناديك للتطوع»، وجميعها لاقت تجاوبًا غير مسبوق من أبناء دول الخليج الأمر الذي يجيب عن التساؤل الثاني حول أهمية العمل التطوعي والذي يمكن تحديده في ثلاثة أمور، الأول: أنه كلما ازداد حجم الكوارث والأزمات كانت هناك الحاجة للعمل التطوعي، وقد قدمت كورونا دليلاً دامغًا على ذلك بحيث فاقت إمكانات كافة دول العالم حتى المتقدم منها، فالمتطوعون يكون لديهم القدرة على الوصول للفئات المحتاجة ربما بشكل أسرع، والثاني: دراية المتطوعين بمناطقهم وتحديد الفئات الأكثر حاجة للمساعدة دون غيرها، والثالث: تنوع المساعدات المقدمة من المتطوعين بحسب احتياجات المناطق بما يسهم في تكامل الجهود وتحقيق الفائدة منها.

ومع أهمية العمل التطوعي خلال الأزمات والكوارث فإن له عدة دلالات، منها أنه يعيد التأكيد على النسيج الاجتماعي الواحد، ففي الأزمات يجب أن تختفي الاستقطابات والهويات الضيقة ليكون الكل في مسار واحد وخاصة في الأزمات التي ترتبط بوجود الإنسان ذاته كأزمة كورونا، ولا شك أن الاستجابة الكبيرة لنداءات التطوع تعزز من ناحية ثانية الثقة في دور الحكومات ومن ثم تعزيز أسس الدولة الوطنية في ظل عدم وجود أطر دولية فاعلة لمواجهة هذا النوع من الأزمات.

وبرأيي أنه يمكن استثمار مظاهر العمل التطوعي الذي بدا خلال أزمة كورونا مستقبلاً على أكثر من صعيد، الأول: الاستفادة من تلك الطاقات التطوعية ضمن برامج مستقبلية في خطط التنمية المستدامة التي تقوم دول الخليج بتنفيذها، والثاني: التفكير في تأسيس فرق عمل نوعية متخصصة ومنحها التدريبات اللازمة لتكون جاهزة للعمل خلال الأزمات، كل فيما يخصه، بما يعنيه ذلك من تعظيم الفائدة من العمل التطوعي مستقبلاً بشكل أكثر تنظيمًا، والثالث: تطوير العمل التطوعي سواء من خلال إقرار التشريعات اللازمة له أو ترسيخ التطوع كقيمة مجتمعية من خلال المناهج الدراسية ووسائل الإعلام المختلفة.

ومجمل القول أنه على الرغم من التحديات الهائلة التي أوجدتها أزمة كورونا الكارثية وغير المسبوقة فإنها قد كشفت عن جانب آخر مهم وهو أن الثروة الحقيقية للأمم هي في أبنائها الذين يدركون أهمية ومعنى أن مصلحة الأوطان تسمو فوق الجميع وأن هناك مسؤولية تقع على عاتق كل فرد إزاء الوطن والتي تعد الأزمات والكوارث اختبارًا حقيقيًا لها وهو الأمر الذي أثبتت دول الخليج تميزها فيه بشكل واضح إبان تلك الأزمة بما يعني وجود أساس راسخ يمكن البناء عليه مستقبلاً لتتكامل الجهود الحكومية مع نظيرتها المجتمعية ويكون لديهما الجاهزية للتعامل مع أي مستجدات طارئة مهما كانت خطورتها ومن ثم يكون هناك يقين بالقدرة على تجاوزها.

‭{‬ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية بمركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة «دراسات»

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news