العدد : ١٥٤٠٨ - السبت ٣٠ مايو ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٧ شوّال ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٠٨ - السبت ٣٠ مايو ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٧ شوّال ١٤٤١هـ

شرق و غرب

أي دور للاتحــاد الأوروبي فـي الشـرق الأوسط؟

الأحد ٠٥ أبريل ٢٠٢٠ - 11:05

بقلم: سيريل لويس

أقدمت الولايات المتحدة الأمريكية على نقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس كما أنها أوقفت المساعدات المالية التي كانت تقدمها إلى وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين -الأونروا- واعترفت بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان السورية المحتلة. خطت إدارة الرئيس دونالد ترامب بعد ذلك خطوة أخرى حيث إنها أعلنت يوم 18 نوفمبر 2019 أن «المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية لا تنتهك القانون الدولي»، وهو ما أثار عاصفة من الانتقادات. 

ردت الممثل الأعلى لسياسة الأمن والشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغريني على الموقف الذي أعلنته إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب: إن كل الأنشطة الاستيطانية تظل غير قانونية في نظر القانون الدولي كما أنها تهدد بتقويض فرص حل الدولتين لإنهاء الصراع التاريخي بين إسرائيل والفلسطينيين وتحقيق السلام الدائم. 

هل يملك الأوروبيون اليوم القدرة اللازمة لتحدي الولايات المتحدة الأمريكية والدفاع عن موقفهم في هذه المرحلة التاريخية الحساسة التي تسببت فيها الأزمات المتفاقمة في العالم العربي ومنطقة الشرق الأوسط في التغطية على ملف الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين؟ 

كيف ينظر الأوروبيون في حقيقة الأمر إلى مسألة المستوطنات اليهودية التي شيدتها إسرائيل على مدى العقود الماضية في الأراضي الفلسطينية المحتلة؟ 

تعتبر الحكومات الأوروبية أن وجود قرابة 450 ألف مستوطن يهودي في الضفة الغربية من شأنه أن يعرقل الجهود الرامية إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة، ذات سيادة وقابلة للحياة على وجه الخصوص. وبناء عليه، فقد قررت الحكومات الأوروبية سنة 2012 اعتماد سياسة مشتركة للتمييز ما بين إسرائيل من ناحية والمستوطنات اليهودية التي شيدتها إسرائيل شرقي الخط الأخضر من ناحية ثانية. 

في إطار هذا التمشي أصدرت دول الاتحاد الأوروبي الإجراءات التوجيهية الرامية إلى إخراج الأراضي المحتلة من أي اتفاق يتم التوقيع عليه مستقبلا ما بين الاتحاد الأوروبي أو أي دولة من الدول الأعضاء، والدولة العبرية إسرائيل. أثارت تلك الخطوة احتجاج الدولة العبرية، التي راحت تتهم أوروبا بالوقوف في صف المعادين للصهيونية. 

رغم تلك الاحتجاجات الإسرائيلية فقد أدرجت دول الاتحاد الأوروبي بندا جديدا بعنوان «الأراضي» في إشارة إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة «في برنامج التعاون الفني والعلمي» آفاق 2020 كما أضيف نفس البند إلى مختلف النصوص الأخرى التي تنظم الزراعة البيولوجية وأساليب العلاج البيطرية. 

في سنة 2015، ذهبت المفوضية الأوروبية إلى أبعد من ذلك حيث إنها اشترطت وضع ملصق على المنتجات الزراعية وغيرها من البضائع الأخرى القادمة من المستوطنات اليهودية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. يقول الباحث في المجلس الأوروبي حول العلاقات الخارجية هيول وفات: 

«إذا ما تمعنا جيدا في الاتفاقيات الثنائية فإننا سندرك أن أغلبها لا يزال يصب في مصلحة المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة رغم ما يقال من كلام ظاهري حول هذا الموضوع».

في سنة 2016 اتخذت المملكة المتحدة قرارا بخفض سقف معاشات التقاعد التي كانت تقدمها لليهود من مواطنيها الذي قرروا الانتقال للإقامة في المستوطنات التي شيدتها إسرائيل على مدى العقود الماضية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، أي منذ حرب يونيو 1967 وقد كان ذلك الإجراء بمثابة الاستثناء مقارنة ببقية الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. 

أما الدنمارك فقد تعهدت بدورها في السنة الماضية باستثناء المستوطنات من أي اتفاق قد يبرم مستقبلا مع إسرائيل. أما في فرنسا فإن عشرات الاتفاقيات الثنائية قد تفتح من جديد من أجل إدراج البند المتعلق بالأراضي الفلسطينية المحتلة والتي حددتها وزارات الخارجية في الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي غير أن القرار المتعلق بالدخول في مفاوضات حول هذه المسألة مع إسرائيل لم يتخذ حتى اليوم. 

أما في أيرلندا، فقد تم وضع مشروع قانون يرمي إلى حظر دخول المنتجات القادمة من المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، علما أن هذا التشريع لايزال قيد الدراسة والنقاش في البرلمان بعد أن حظي بموافقة مجلس الشيوخ. أما حكومة رئيس الوزراء الأيرلندي ليو فارادكار فقد اعتبر أن الموافقة على مشروع القانون المطروح من شأنه أن يتناقض مع اتفاقية التبادل الحر المبرمة ما بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل غير أنه لا يملك القدرة على معارضة إصدار هذا التشريع الجديد. 

يقول مكتب فرانسيس بلاك، عضوة مجلس الشيوخ الأيرلندي، التي كانت وراء طرح مشروع القانون: «تمثل المنتجات المتأتية من المستوطنات لا تمثل سوى 1% من حجم المبادلات الإسرائيلية لكن الأمر يتعلق بالمبدأ. عندما نقول إن المستوطنات غير قانونية فيجب التعامل مع الأمر على هذا الأساس».

ما الذي قرره القضاء الأوروبي بشأن إجبارية وضع ملصقات على البضائع المنتجة في المستوطنات اليهودية التي أقامتها إسرائيل على مدى العقود الماضية في الأراضي الفلسطينية المحتلة؟

في سنة 2019 أصدرت محكمة العدل الدولية حكمها في الشكوى التي رفعها أحد المستوطنين من منتجي الكروم في مستوطنة قريبة من مدينة رام الله بالضفة الغربية وقضت بضرورة وضع ملصق واضح على كل المنتجات الزراعية المتأتية من المستوطنات اليهودية مع تحديد مصدرها بكل وضوح. 

سارع وزير الخارجية الإسرائيلي إسرائيل كاتس إلى التنديد بالقرار القضائي واعتبره «غير مقبول من الناحيتين الأخلاقية والمبدئية». أما زميله المكلف بحقيبة الاقتصاد بوفال ستينتس، فإنه ذكر الأوروبيين بتلك «السنين المظلمة التي كانت خلالها الملصقات توضع على البضائع اليهودية في أوروبا». أما السفير الإسرائيلي لدى منظمة الأمم المتحدة داني دانون فقد اعتبر أن «التمييز الأوروبي ضد المؤسسة الصهيونية يمثل تغطية لمعاداة السامية». 

في سنة 2005 نشرت المفوضية الأوروبية مذكرة توجيهية تنص على ضرورة تكريس حق المستهلكين الأوروبيين في الحصول على كامل المعلومات المتعلقة بالبضائع المنتجة في المستوطنات اليهودية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. 

أظهرت دراسة أجرتها مؤسسة «مشروع أوروبا والشرق الأوسط» غير الحكومية وشملت 189 مؤسسة تجارية أوروبية أن 10% من الخمور المنتجة في المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية ومرتفعات الجولان تحمل ملصقات توضح مصدرها. 

ندد القادة السياسيون الإسرائيليون بطبيعة الحال بهذا الإجراء الذي اعتمدته دول الاتحاد الأوروبي واعتبروا أن الاتحاد الأوروبي لم يفرض أي إجراء من هذا القبيل على القوى والدول المتورطة في عشرات الصراعات حول الأراضي في العالم. لقد نسي المسؤولون الإسرائيليون أن يقولوا إن قوانين الاتحاد الأوروبي تحظر استيراد أي منتجات من شبه جزيرة القرم التي سيطرت عليها روسيا والشمال القبرصي الذي تحتله تركيا. 

هل يتعين الاعتراف الجماعي بدولة فلسطين؟ 

هناك اليوم أكثر من 130 دولة في العالم تعترف بدولة فلسطين منذ سنة 1988، ومن بينها عشر دول من شرق وجنوب أوروبا. اتخذت السويد خطوة مماثلة وأعلنت يوم 30 أكتوبر 2014 اعترافها بدولة فلسطين رسميا. 

كانت المبادرة ترمي إلى دعم مفاوضات السلام التي أفضت آنذاك إلى إبرام اتفاقيات أوسلو (1993-1994)، والتي كان يفترض أن يتخذها الإسرائيليون والفلسطينيون كأساس للسلام العادل الشامل والدائم. سعت العديد من البرلمانات الأوروبية إلى خلق هذه الحركية الدينامية وطالبت حكومات بلدانها أن تنسج على نفس المنوال. لم تفض هذه الجهود حتى الآن إلى تحقيق أي نتيجة تذكر.

فشهر ديسمبر من سنة 2017 اعتبر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في أحد خطبه أن الاعتراف من جانب واحد سيكون غير ذي جدوى. كان الرئيس ماكرون ينتظر أن يكشف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطته للسلام والتي كلف بها صهره جاريد كوشنير قبل أن يستعيد زمام المبادرة. 

في تلك الفترة بالذات أعربت بلجيكا وأيرلندا والبرتغال ولوكسمبورج عن استعداها للاعتراف الجماعي قبل أن تقرر حكومات هذه الدول انتظار ما قد تعلنه الإدارة الأمريكية من مبادرات. لا شك أن إعلان إدارة الرئيس دونالد ترامب موقفها الذي اعتبرت فيه أن المستوطنات غير قانونية قد يخلط كثيرا من الأوراق. 

يوم 20 نوفمبر 2019 رد وزير خارجية لوكسمبورج جون آسيلبورن على الموقف الأمريكي بالقول إنه «بات يتعين على دول الاتحاد الأوربي الاعتراف بوجود دولة فلسطين». ردت الخارجية الفرنسية بالقول إن مثل هذا الاعتراف لن يكون مجديا إلا إذا كان يعكس موقفا أوروبيا جماعيا ولا يعد بالتالي ردا على موقف صادر عن الإدارة الأمريكية في انتهاك للقرارات الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة. 

لا تزال دول الاتحاد الأوروبي تقدم سنويا مبلغ 600 مليون يورو من أجل دعم السلطة الفلسطينية حتى لا تنهار، إضافة إلى تمويل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين بما يمكنها من مواصلة تنفيذ برامجها، فيما قررت إدارة الرئيس دونالد ترامب وقف مساهمة الولايات المتحدة الأمريكية في ميزانية الأونروا.

أصبحت الدول الأعضاء في الاتحاد تجد صعوبة كبيرة في التوافق حول طبيعة الحل الذي ينهي الصراع التاريخي بين إسرائيل والفلسطينيين. لاتزال كبرى الدول في الغرب تبدي نفس المواقف التقليدية من الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين – أي التمسك بصيغة حل الدولتين لإنهاء الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين وإقامة دولة فلسطينية تكون القدس الشرقية عاصمتها إضافة إلى رفض العنف والاستيطان في الأراضي المحتلة. 

وبالمقابل فإن دولا أوروبية أخرى مثل المجر وبولندا وجمهورية التشيك ورومانيا واليونان قد بدأت تنأى بنفسها في سياستها الخارجية عن هذا الموقف الأوروبي التقليدي. فقد ظلت العديد من هذه الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تعرقل إصدار بيانات مشتركة تدين السياسات الإسرائيلية في القدس الشرقية والضفة الغربية. 

في ربيع سنة 2018، أبدت كل من رومانيا جمهورية التشيك استعدادهما للنسج على منوال إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وبالتالي نقل سفارتيهما من تل أبيب إلى القدس قبل أن تتراجعا عن اتخاذ مثل هذا الموقف ولو إلى حين في انتظار أن تتضح الصورة أكثر. لكن بالمقابل فقد فتحت جمهورية التشيك وسلوفاكيا والمجر مكاتب للتمثيل التجاري في القدس وهي مكلفة بتوثيق العلاقات مع إسرائيل. 

ظل الأوروبيون العاملون على أرض الميدان يبعثون بتقارير يتحدثون فيها عن تآكل الشروط اللازمة لتكريس حل الدولتين على أرض الواقع بسبب تنامي النشاط الاستيطاني في الضفة الغربية. في شهر يوليو 2018 أصدرت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تقريرا شاملا تحدثت فيه عن واقع «الاحتلال الاستيطاني شبه الدائم»، كما ذكر التقرير أن «الفلسطينيين يتعرضون للتمييز القانوني كأفراد وهم يواجهون أيضا قيودا مشددة على حركتهم اليومية، أما الممثل الأعلى لسياسة الأمن والشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغريني فقد تحدثت بدورها عن «واقع دولة تكرس حقوقا غير متساوية في ظل الاحتلال والصراعات المتواصلة». 

في ظل هذه المواقف المعلنة من طرف واحد من إدارة الرئيس دونالد ترامب تشدد الخارجية الفرنسية على التمسك بعلوية القانون الدولي والقرارات الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة وهي تعمل على رفع التمثيل الدبلوماسي الفلسطيني. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news