العدد : ١٥٤١٤ - الجمعة ٠٥ يونيو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٣ شوّال ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤١٤ - الجمعة ٠٥ يونيو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٣ شوّال ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

معركتنا المريرة ضد جائحة كورونا

بقلم: د. جيمس زغبي {

الثلاثاء ٣١ مارس ٢٠٢٠ - 02:00

لقد أصبحنا نعيش جميعا في خضم المراحل الأولى لتفشي جائحة فيروس كورونا، رغم أننا لا نعرف أي شيء عن تأثير هذه الجائحة الفيروسية على المدى، غير أن ما يحدث الآن من تطورات يزرع الرعب في قلوبنا. لقد بدأنا نلمس منذ الآن أن حياتنا بدأت تتغير، غير أنها لا تتغير إلى الأفضل. 

تظهر التقديرات أن الاقتصاد العالمي سيتكبد خسائر فادحة متصاعدة قد تصل إلى سبعة تريليونات دولار، فضلا عن ازدياد انتشار المرض على نطاق واسع وازدياد أعداد الموتى ومئات الملايين من الناس الذين فقدوا مصادر دخلهم والمليارات من أبناء البشر الذين يعيشون اليوم تحت الحصار التام أو في الحجر الذاتي، رغم أننا لا نزال في هذه المرحلة الأولى من تفشي الفيروس. 

هنا في الولايات المتحدة الأمريكية تحولت تلك المدن التي كانت تنبض بالحياة وتعج بالحركة والنشاط إلى أشباح، كما أغلقت المدارس أبوابها وعجز الموظفون عن الذهاب إلى مقرات عملهم وأصبحت المحلات والمؤسسات التجارية ومراكز الأعمال مهددة بالإغلاق. كذلك، أوقفت الكنائس والمساجد والمعابد كل شعائرها وخدماتها الدينية وعلقت الخدمات الحكومية غير الضرورية وانهارت الأسواق المالية، فيما ازداد إقبال الناس المرعوبين من الفيروس يعتمدون بشكل متزايد على تقنية الاتصالات للعمل والتسوق والتحدث مع أحبائهم. 

في خضم كل هذه التطورات هناك أيضا قصص المصاعب الشخصية التي يتجشمها أبناء البشر في حياتهم اليومية. فقد أدى إغلاق المدارس على سبيل المثال إلى وضع أعباء جديدة على المدرسين والطلاب وأولياء أمورهم أيضا. أما الأطفال فهم الآن في المنازل ويضطر الآباء الذين يعملون عن بُعد في منازلهم فهم يبذلون قصارى جهدهم من أجل التوفيق ما بين القيام بعملهم وما يحتمه عليهم من مسؤوليات ورعاية أبنائهم معهم. 

ثانيا، فرضت بعض المدارس متابعة دروس إلزامية افتراضية وهو وضع أعباء إضافية على كاهل أولياء الأمور الذين بات يتعين عليهم أن يتأكدوا أن أبناءهم يتابعون هذه الدروس في منازلهم من خلال حواسيبهم المنزلية على مدى «اليوم المدرسي» بكل انتباه حتى يتسنى لهم بعد ذلك القيام بواجباتهم. 

أما المدرسون فقد أصبحوا يواجهون بدورهم تحدي تغيير أساليبهم التدريسية من الفضاء الصفي المألوف إلى فضاء التعليم الافتراضي. يكبر هذا التحدي بالنسبة إلى أولئك المعلمين الذين يدرسون الأطفال الصغار، لأنه بات يتعين عليهم أن يستنبطوا طرقا جديدة من أجل تقديم المساعدة الفردية لكل أولئك الذين يجدون أنفسهم في حاجة إلى المساعدة. 

يجب ألا ننسى أيضا تلك المشاكل الإضافية المتراكمة التي يواجهها الأطفال الذين ينحدرون من عائلات محتاجة لا تملك أجهز حاسوب في المنزل ولا تحصل حتى على خدمة الإنترنت، فضلا عن الأطفال الذين لا يستطيع آباؤهم البقاء معهم في المنزل أو لا يستطيعون مراقبة أطفالهم أو يساعدونهم في التعلم. 

علقت شركات الطيران رحلاتها وخفضت من جداول أعمالهم، فيما تكبدت الصناعة السياحية خسائر فادحة، وهو ما تتسبب في إلحاق أضرار كبيرة بالكثير من مناطق البلاد. لا توحي الأوضاع الراهنة بأن الأزمة ستنتهي عما قريب وأننا سنتنفس الصعداء. فالأزمة ستطول كما أنها ستقوض الخطط الصيفية التي وضعها الكثيرون. 

في أغلب المدن تضرر أصحاب المؤسسات الصغيرة على وجه الخصوص. أما المطاعم المملوكة للعائلات ومحلات بيع الأغذية والمكتبات والمتاجر الصغيرة التي تعتمد على خدمة التوصيل على القدمين تلك المتخصصة في تقديم الخدمات الخاصة للزبائن، فقد تضررت كثيرا بسبب الإغلاق والحجر الصحي. 

لقد مرر الكونجرس برنامجا ضخما لتقديم المساعدات وتحفيز هذه المؤسسات، غير أن الكثير من هذه المؤسسات الصغيرة لن تكون بكل بساطة قادرة على التعافي والوقوف على قدميها من جديد جراء الأضرار الفادحة التي لحقت بها. 

لقد أثرت كل هذه التداعيات الناجمة عن جائحة كورونا تأثيرا مباشرا على كل أفراد عائلتي وأصدقائي. فقد أصبح أبنائي يلازمون المنزل بعد إغلاق مكاتبهم. أما أطفالهم بمختلف أعمارهم فقد أصبحوا يلازمون منازلهم وهم يبذلون قصارى جهدهم من التكيف مع عالم التعليم عن بعد مع ما يتطلبه ذلك من انضباط. 

أما زوجة ابني، فقد أصبح مشروعها على المحك جراء هذه الأزمة بعد أن كانت له في بدايته انطلاقة واعدة. بسبب هذا الإغلاق لم أستطع أن ألتقي أحفادي على مدى أسابيع عديدة، وأنا أكتفي بالتواصل معهم على تطبيق المحادثة «فايس تايم».

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد. فقد تراكمت المشاكل وهو ما زاد من حجم المعاناة. فقد نشرت صحيفتا نيويورك تايمز وواشنطن بوست قصصا تدمي القلب عن تلك العائلات التي توفي بعض أحبائها من دون أن تستطيع أن تنظم لهم جنائز أو حتى دفنهم في المقابر. 

لقد تألمت أنا كثيرا لأن زوجتي إيلين، قد توفيت قبل أسبوعين فقط عن سن الحادية والخمسين. لقد أصيبت بجلطة في شهر نوفمبر الماضي وقد ظلت على مدى الأشهر الأربعة الماضية تتعافى وتخضع للتأهيل. كان يفترض أن تعود إلى المنزل يوم 13 مارس؛ لكنها أصيبت يوم 10 مارس بجلطة ثانية تسببت في وفاتها. لقد كانت وفاتها فادحة لي ولعائلتي. 

لعل ما زاد من ألمنا أن كل الكنائس مغلقة في واشنطن العاصمة ولم نستطع أن نقيم لزوجتي قداسا جنائزيا قبل مواراتها الثرى. بسبب الخوف من العدوى لم تستطع العائلة الموسعة القدوم معا إلى منزلنا وتبادل الصور والقصص والتعبير عن حزننا معا ومواساة بعضنا بعضا. 

في البداية اعتبرنا أنه من الأفضل تأجيل القداس حتى نهاية شهر ابريل قبل أن نقرر تأخير الأمر إلى نهاية شهر مايو. أما اليوم، وبالنظر إلى سرعة تفشي الفيروس فقد قررنا أن نؤجل كل شيء، تماما مثل حياتنا التي أصبح كل شيء فيها مؤجلا. 

هذا يعيدنا من جديد إلى حديثي في البداية عن حالة الغموض التي أصبحت تسود حياتنا بسبب هذا الفيروس اللعين الذي لا يتوافر له اليوم أي دواء أو لقاح من شأنه أن يحمي حياتنا. لقد أصبحنا اليوم نشعر وكأننا نقف عند الهاوية ونحدق في المنحدر السحيق الذي يهدد بابتلاعنا.

لقد اعتبر بعض المحللين أن الوضع الذي نعيشه اليوم أشبه بحالة حرب، مع تعبئة كل الموارد من أجل مجابهة العدو ودعوة المواطنين للاستعداد لتقديم كل التضحيات. في ظل هذه الأوضاع الصعبة سيكون هناك ثمن يدفع وأرواح بشرية نفقدها. سنضطر إلى تغيير حياتنا غير أن الفئات الاجتماعية الأكثر هشاشة هي التي ستتحمل العبء الأكبر. على عكس الحرب التقليدية، فإننا نواجه اليوم عدوا عالميا وغير مرئي، ذلك أن الفيروس قد يحمله جارك أو طفلك. 

لقد عاش جيل والدي أزمات ناجمة عن وباء الجدري، إضافة إلى الحربين العالميتين الأولى والثانية وأزمة 1929 الاقتصادية. أما جيلي أنا فقد عاش في خضم الحرب الباردة والخوف من الدمار النووي والتهديد الإرهابي. أما أطفالي وأحفادي فهم يواجهون اليوم الوباء وعنف السلاح وحوادث القتل الجماعي وخطر التغيير المناخي الداهم. 

يبدو أن هذه الجائحة مختلفة كل الاختلاف عن كل الأخطار الماضية والحاضرة التي تتهدد أمننا وسلامتنا. فقد ظهرت هذه الجائحة وداهمتنا على حين غرة من دون أن تكون قيادتنا مستعدة لمواجهتها. 

نحن لا نعرف حتى هذه المرحلة الكيفية التي ستنتهي بها هذه الحرب – إذا اتفقنا على استخدام هذه العبارة في وصف المعركة المريرة لمكافحة كورونا. إذا ما استمرت هذه المعركة سنة ونيف إلى أن يتم اكتشاف لقاح وإنتاجه على نطاق واسع وتقديمه للمرضى، فإننا لا نعرف حجم التداعيات على حياتنا واقتصادنا ومؤسساتنا وجماعاتنا وعائلاتنا. 

رغم تلك التغريدات اللامسؤولة والفاقدة للمعلومة التي ظل يبثها رئيسنا في البداية، فإن الغموض التام يلف المدة التي قد تستغرقها هذه المعركة المريرة لاحتواء جائحة كورونا. لعل ما يزيد الأمر سوءا قلة الوضوح فيما يتعلق بالتحديات التي قد تنجم عن فيروس كورونا المستجد والصورة التي سيكون عليها مجتمعنا عندما تنتهي هذه الأزمة.

‭{‬ رئيس المعهد العربي الأمريكي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news