العدد : ١٥٤١٥ - السبت ٠٦ يونيو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٤ شوّال ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤١٥ - السبت ٠٦ يونيو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٤ شوّال ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

الاتـحـاد الأوروبي وإدارة أزمــة كـورونـا ..هـل يخــرج مـمــزقـا أم مـوحـدا؟

مركز الخليج للدراسات الإستراتيجية

الثلاثاء ٣١ مارس ٢٠٢٠ - 02:00

لم يكن يعلم المدافعون عن أفكار الاتحاد الأوروبي في التكامل الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، أن أزمة «كورونا» قد تمثل أزمة حقيقية في الحفاظ على التكتل من التفكك، في الوقت الذي كان انتشاره في القارة العجوز من الممكن أن يكون فرصة لتدعيم مشروع التكامل وليس العكس. وعلى الرغم من أن أوروبا وضعت خطة عمل مشتركة لمواجهته؛ لكن تفشيه المتسارع وتبنّي دول الاتحاد إجراءات بطيئة في مكافحته ويطغى عليها طابع الحمائية أكثر من التكاملية، وعدم وجود سياسة مالية مشتركة، واتخاذ الكثير من الدول إجراءات تتنافى مع الأسس والدعائم المكونة للاتحاد، كالغلق الكلي للحدود ابتداء من إسبانيا، ثم ألمانيا والدنمارك والنمسا والتشيك وسلوفينيا، في تعارض مع اتفاقية «شنغن»؛ ساعد على التشكك في فاعلية الاتحاد. 

وبعد أن كانت «ووهان» الصينية هي بؤرة ظهور وانتشار الفيروس، أصبحت دول أوروبية مثل إيطاليا وإسبانيا هي مركز تفشيه عالميًا، إضافة إلى عدم قدرة دول مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا على الحد من انتشاره رغم الإجراءات الوقائية الصارمة التي اتخذتها، والدليل على ذلك تصاعد عدد الإصابات رغم كل تدابيرها الاحترازية. ويعد الاختلاف بين أوروبا والدول الأخرى التي نجحت في محاصرته، وخاصة شرق آسيا مثل الصين واليابان وتايوان وكوريا الجنوبية، يمكن قياسه بمدى سرعة الاستجابة، ففي آسيا كانت الدول سريعة في تنفيذ إجراءات احتواء انتشار الفيروس، عن طريق فرض حظر التجوال على الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية بمجرد ظهور الحالات. أما الدول الأوروبية فقد تعاملت ببطء. وأخذت إيطاليا أسابيع للإخبار عن أول حالات مصابة بالفيروس لكي تفرض حظر التجوال في مركز الأزمة في لومبارديا، وأيضا إسبانيا وفرنسا وبريطانيا أخذت وقتا أطول كي تأخذ إجراءاتها، مما سمح له بانتشار أسرع، ويعد ذلك دليلا أيضا على أن الدول الآسيوية استثمرت أكثر وأسرع في الطب والمعدات الصحية التي تحتاجها لمكافحة الفيروس.

بالرغم من تزايد حالات الوفيات في أوروبا، تعامل الاتحاد -الذي يصنف نفسه كمنظمة قومية عظمى قادرة على تقديم حماية شاملة لدوله- مع الأزمة ببطء. ففي يوم 17 مارس، قرر تعليق جميع رحلات السفر للمناطق الموبوءة للقوميات غير الأوروبية. وفي يوم 22 مارس، أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية، «أورسولا فون دير لاين»، عن خطة لمنع تصدير ومغادرة المعدات الطبية الحيوية من السوق الموحدة للمنظمة، وعملية وقائية لمساعدة الدول الأعضاء لتوفير أجهزة التنفس الصناعي وأنابيب الاختبار. في حين تم تخصيص مبلغ قليل حوالي 400 مليار يورو للمكافحة ضد الانهيار الاقتصادي الذي تسببه كورونا. لكن بالرغم من هذه الإجراءات؛ إلا أن ذلك يعد قليلا لوقف الانتشار السريع للفيروس أو لكي تساعد الدول التي تعاني أكثر من الوباء. 

ووفقا للعديد من المحللين فإن استجابة الاتحاد للأزمة أعيقت بشكل كبير بسبب الخلافات الداخلية بين دوله. وعلى سبيل المثال، وجهت ألمانيا انتقادا شديدا إلى النمسا وهولندا لإيقافهما تصدير الكمامات لجيرانها، وأيضا تم فرض القيود على السفر والتجارة بين الدول الأعضاء، مما تسبب في انخفاض تدفق السلع الأساسية خلال القارة، وقامت بولندا وجمهورية التشيك والدنمارك وتبعتها ألمانيا بفرض قيود ستؤدي إلى حدوث خلافات بين الدول لتأمين الإمدادات الطبية، والسلع الأخرى التي تعد سلعا أساسية لإيقاف الأزمة. أما إيطاليا التي أصبحت بؤرة للفيروس فلم تستلم إلا مساعدات قليلة من دول التكتل، بينما أرسلت دول مثل الصين وكوبا مساعدات مادية أكثر.

وفي هذا الصدد، قال ممثل إيطاليا الدائم في الاتحاد الأوروبي، «موريزو مساري» في تصريح لمجلة «فورين بوليسي»: إن «أزمة كورونا مشابهة لأزمة اللاجئين، حيث إن الدول التي لم تتأثر في الحال هي غالبا غير الراغبة في المساعدة، فكل دولة لديها معتقدات تهديد مختلفة، أما نحن فنشعر أن كورونا هو تهديد عالمي وأوروبي ويحتاج لاستجابة أسرع، ولكن الدول الأخرى لا ترى ذلك». وأوضحت «إليزابيث براو»، من «المعهد الملكي للخدمات المتحدة للدراسات الدفاعية والأمنية»، أن «الاتحاد الذي يحتفل بنفسه كونه اتحادا وليس فقط تجمعا للمصالح السياسة والاقتصادية، أظهر كوفيد 19 أن هذه المبادئ لم تشمل تقديم المساعدة لزميلتهم العضو في أزمتها، وربما حطم مكانة المنظمة بشكل دائم». 

وعلى الرغم من الأوبئة الأخيرة، مثل سارس وإنفلونزا الخنازير منذ عام 2000, تجنب الاتحاد الأوروبي والدول الغربية الأخرى إنشاء هياكل مناسبة للاستجابة للوباء بسبب إعطاء أولوياتهم لمجالات أخرى، أو حتى مجرد توفير المال باسم المسؤولية المالية. وقالت «جودي ديمبسي»، من «مركز كارنيجي»: إن «بعض الحكومات الغربية ومن ضمنها الاتحاد الأوروبي تتعامل بنظرة قصيرة المدى، وتحاول الحفاظ على الميزانية تحت تحكم ثابت، وتهتم بخفض استثمارات البنية التحتية العامة، وتسعى لتوفير المال». ومع ذلك، كما يتضح في الوقت الحاضر، «إذا أهملت البحوث والهياكل الصحية؛ فلن تكون الحكومات مستعدة لمواجهة الأزمة».

وعلى الرغم من أن تخفيض الإنفاق هو في الواقع سبب رئيسي لاستجابة الاتحاد الأوروبي البطيئة لأزمة كورونا، فقد لا يكون الأكثر أهمية؛ حيث يعد النهج الفردي الذي تتبناه الدول الأعضاء هو ما قوض قدرة الاتحاد على العمل بانسجام. وبالنسبة إلى كثير من المراقبين، فإن حقيقة أن دولا مثل إيطاليا وفرنسا قد تبنت إجراءات مختلفة تماما عن دول مثل بريطانيا، والدنمارك وسلوفينيا واليونان، وهي نتيجة طبيعية لتركيبة الاتحاد فيما يتعلق باتخاذ إجراءات لمواجهة هذه الجائحة. ويؤكد «دوناتيان روي» من «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية» أن «التكتل نفسه لا يتمتع بالكفاءة الكافية، وفقا لمعاهداته عندما يتعلق الأمر بالسياسة الصحية، وهذه المسألة تظل إلى حد كبير في أيدي الدول الأعضاء، وحاليا، هناك توقع في أوروبا وخارجها بأن يتولى الاتحاد المسؤولية ويوجه الاستجابة لأزمة كوفيد-19»، في استجابة فعالة على نطاق القارة، مما يبطئ انتشار الفيروس ويخفف آثاره الاقتصادية والصحية والاجتماعية». 

ومع ذلك، لم تتمكن المنظمة من القيام بذلك حتى الآن، ليس بسبب وجود أوجه القصور والخمول الخاصة بها فقط، ولكن أيضا بسبب الانقسامات الأساسية التي تكمن في صميم المشروع الأوروبي. بالإضافة إلى عدم تواصل دول الاتحاد، في أوقات الأزمات، ووضع احتياجاتها ومصالحها الفردية قبل المصلحة العامة. وفي السنوات الأخيرة، أضر هذا الواقع مرارا وتكرارا بالاتحاد، حيث ظهر أولا مع الانقسام بين الشمال والجنوب بسبب الانهيار المالي في 2007-2008 وأزمة المهاجرين لعام 2015, والتي بلغت ذروتها مؤخرا في خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وانتخاب السياسيين المعروفين بوجهات نظرهم المشككة في الاتحاد الأوروبي، مثل رئيس وزراء المجر «فيكتور أوربان»، ورئيس الوزراء الإيطالي «جوزيبي كونتي».

وتزيد جائحة فيروس كورونا، والاستجابة الضعيفة من الاتحاد الأوروبي من المتشككين في قدرة الاتحاد على الصمود. يقول «أندرياس كلوث»، من «بلومبرج»: «يعد تماسك الاتحاد أمرا مرهقا بسبب الجائحة والقومية، نتيجة القرارات الأحادية وغير المنسقة التي تتخذها الدول الأعضاء، وما لم يرتفع قادته بطريقة أو بأخرى إلى مستوى هذه الجائحة، فإن ذلك يمثل أزمة حقيقية، ويزيد من عدم الثقة والاستياء تجاه التكتل». ويشير «دوغ باندو»، من «معهد كاتو»، إلى أن «الأزمات تؤدي دائما إلى عواقب غير مقصودة؛ وتعد أكبر هذه العواقب هو ظهور ضعف سلطة أوروبا الوسطى». ويؤكد «مارك بيريني»، من «مركز كارنيجي»، أنه «إذا فشل الاتحاد الأوروبي في تطبيق الدروس المستفادة من جائحة فيروس كورونا، فقد يتعرض لهجوم متجدد من كل الفصائل السياسية، حيث ستستغل القوى الشعبوية على وجه الخصوص الخوف والشعور بالعجز الناجم عن الجائحة لشن حملة ضد الأحزاب والسياسات الرئيسية فيه، أو ستشجع بلدانها على اللجوء إلى بكين كبديل لبروكسل؛ وعليه، فإنه لضمان استقراره، يجب على الاتحاد أن يقدم للأوروبيين مستوى الحماية الذي يتوقعونه عن حق».

ولعل أوضح مظهر من مظاهر الاستياء تجاه الاتحاد الذي سينتج عن سوء إدارته لجائحة كورونا هو احتمال انسحاب الدول بشكل دائم، أو على الأقل إحباط، منطقة «شنغن». يقول «جون كيجر»، في مجلة «ذا سبكتاتور»، إن «منطقة شنغن، التي لا يوجد بها حدود بين دول الاتحاد الأوروبي، تلقت ضربة كبيرة، وتم استعادة الحدود في جميع أنحاء أوروبا من قبل الدول الأعضاء الفردية والاتحاد الأوروبي، حيث وافقوا على تعليق شنغن مدة أسبوع. وبما أن العديد من دول الاتحاد -لا سيما في وسط وشرق أوروبا- قاتلت مع المفوضية لرغبتها في السيطرة على حدودها منذ ذروة أزمة المهاجرين في عام 2015, يُتوقع أن عودة شنغن ستمثل صراعا من أجل بروكسل». 

ويُنظر إلى «شنغن» منذ فترة طويلة على أنها رمز لجهود الاتحاد الأوروبي نحو تعزيز الروابط بين الدول الأعضاء، والتي حاربت العديد من الدول ضدها، فقد يثبت تعليقها إلى أجل غير مسمى بداية الانهيار التام لجميع آليات الاتحاد الأوروبي الجماعية.

وإلى جانب انقسام الاتحاد الأوروبي الداخلي، يهدد فيروس كورونا أيضا بتقويض التكتل من خلال تعزيز نفوذ دول من خارج أوروبا. ويعتقد بعض المحللين أن جهود بكين ستنجح في جذب بعض الدول الأوروبية إلى محورها وإبعادها عن المركز الأوروبي. وبالفعل، تم جذب الدول الطرفية من خارج الاتحاد الأوروبي مثل صربيا إلى محورها، حيث قامت بكين بتزويد بلغراد بمعدات لعلاج 171 حالة حتى الآن. وبذلت الصين جهودا لتقديم المساعدة لإيطاليا في ضوء فشل بروكسل في تنظيم استجابة فعالة. يوضح «إليزابيث براو» في مجلة «فورين بوليسي»، أنه «في حين يواجه عضو رئيسي في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي مصاعب شديدة، يظهر حلفاؤه أنهم لا يمكن الاعتماد عليهم في أزمة حادة، وهذا يعني أن إيطاليا قد تتجه بشكل متزايد نحو الصين». ويضيف «براو»، «ستبقى إيطاليا عضوا قويا في الاتحاد الأوروبي، ولكن لماذا يجب عليها دعم حلفائها في المرة القادمة عندما يكونون في مأزق؟ ولماذا يجب أن تراعي دعواتهم للتراجع عن مشاركتها في مبادرة الحزام والطريق الصينية، التي انضمت إليها العام الماضي. وتلقت إيطاليا وحدها من الصين 16.5 مليون قناع واقٍ و450 ألف بدلة واقية، كما تلقت التشيك واليونان مواد طبية إغاثية أيضا كتبرع، فيما زودت بكين باريس بعدد من الأقنعة الطبية ما جعل وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان يتحدث عن «إشارات تضامن» وردت من بكين.

على العموم، قد يحفز مزيج من التشكك المتزايد في الاتحاد الأوروبي وانجذاب الدول خارج حدوده، وتحديدا الصين -والذي عززته أزمة فيروس كورونا- إلى تراجع التكتل الأوروبي في الأشهر والسنوات المقبلة، ليصبح السؤال الآن.. هل ينجح الفيروس في كتابة المشهد الختامي للسقوط المتوقع منذ فترة طويلة للاتحاد الأوروبي كمنظمة، وهل يخرج من نفق فيروس «كورونا» المُظلم ممزقا إلى دول مختلفة، أم كيانا واحدا محتفلاً بانتصاره الجماعي على الوباء؟

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news