العدد : ١٥٤٤٦ - الثلاثاء ٠٧ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٦ ذو القعدة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٤٦ - الثلاثاء ٠٧ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٦ ذو القعدة ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

مملكة البحرين وإدارةأزمة كورونا: رؤية استراتيجية

بقلم: د. أشرف محمد كشك {

الاثنين ٣٠ مارس ٢٠٢٠ - 02:00

مما لاشك فيه أن وباء كورونا الذي أضحى حديث العالم من أقصاه إلى أقصاه يعد «أزمة كارثية» كما أشرت الى ذلك في مقال سابق، حيث كان تحديًا غير مسبوق الأمر الذي حدا بدول العالم الى البدء في حالة استنفار قصوى تطلبت في بعض الدول تدخل المؤسسة العسكرية لإرغام المواطنين على الامتثال للإجراءات الوقائية التي تتطلبها مثل هذه الظروف، وضمن تلك الجهود قدمت مملكة البحرين نموذجًا متميزًا في إدارة تلك الأزمة، وقد تكون الإجراءات التي اتخذتها الحكومة البحرينية معروفة للجميع إلا أن جل هذا المقال هو تفسير ذلك التميز وتأثيره على احتواء الأزمة والدروس المستفادة منه مستقبلاً في إدارة أزمات أو كوارث مماثلة.

وبادئ ذي بدء لوحظ تعامل الحكومة البحرينية بشكل استباقي, وهذا أمر لا تعمل به الكثير من الحكومات خلال الأزمات والكوارث حيث يكون التدرج هو سمة التعامل مع الأزمات، إلا أن البحرين كانت من أولى الدول التي قامت بإجلاء طلابها من مدينة ووهان الصينية وأخضعتهم للحجر الصحي كإجراء احترازي، تلاه بدء مطار البحرين الدولي بفحص المسافرين من خلال الكاميرات الحرارية، ثم جهود اللجنة التنسيقية العليا برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد نائب القائد الأعلى النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء، ثم الحملة الوطنية لمواجهة كورونا وقد وجهت تعليماتها لكل المواطنين والمقيمين بكل اللغات.

ونتيجة لتلك الجهود تظل مملكة البحرين في أدنى مستويات الإصابة بالفيروس مقارنة بدول المنطقة أو حتى على المستوى العالمي الأمر الذي يثير تساؤلاً مفاده: ما هي العوامل التي تفسر ذلك؟ ويمكن إجمالها فيما يلي: 

أولاً: التوجيهات الملكية السامية بمعالجة الآثار الاقتصادية الناجمة عن تلك الأزمة وهو ما تمثل في إعلان الحكومة دفع رواتب المواطنين البحرينيين العاملين في القطاع الخاص لأشهر أبريل ومايو ويونيو للعام الحالي 2020 الأمر الذي سوف يسهم في الحد من التداعيات الناجمة عن تأثر عمل ذلك القطاع، بالإضافة إلى توجيهات جلالة الملك للعمل بنظام الدوام الجزئي والعمل من المنازل، فضلاً عن توجيهات جلالته بمساعدة الأسر المحتاجة المتضررة من الأزمة. 

 وثانيًا: التعامل المؤسسي، ففي بدايات الأزمة تراوح التعامل العالمي معها ما بين الإنكار أو الاستهانة بتداعياتها إلا أن مملكة البحرين ومن خلال اللجنة التنسيقية العليا برئاسة سمو ولي العهد قد أبرزت مفهوم التلاحم بين القيادة والمجتمع إبان الأزمات وهو عامل محوري ورئيسي في نجاح إدارة الأزمات, وقد اتخذت قرارات مهمة أبرزها تعطيل الدراسة بكافة المؤسسات التعليمية بالمملكة، ولم يكن ذلك بالأمر الجديد على البحرين حيث كان هناك اهتمام مبكر بمسألة إدارة الأزمات والكوارث منذ سنوات من خلال تأسيس المركز الوطني لإدارة الأزمات والكوارث عام 2003 والذي انبثقت عنه اللجنة الوطنية لمواجهة الكوارث برئاسة رئيس الأمن العام وعضوية 6 وزارات.

 وثالثًا: الوعي المجتمعي, وهنا يبرز دور وسائل التواصل الاجتماعي التي عجت برسائل وتوعية متبادلة بين المواطنين ليكون الشعار الجماعي هو «مجتمع واع» في وقت لا يزال فيه العديد من المواطنين في دول عدة ليسوا على دراية بماهية الفيروس وكيفية انتشاره، وقد لوحظ أن ذلك الوعي قد تجسد في أن أصبحت كل مؤسسة في البحرين خلية لإدارة الأزمة لتتكامل بدورها مع الجهود الحكومية لإدارة تلك الأزمة سواء من حيث توعية العاملين لديها أو اتخاذ الإجراءات الاحترازية.

 ورابعًا: الجهود التي كانت على مستوى الحدث وخاصة الصحية منها من خلال الإعلان بشكل مستمر عن استعداد كافة المستشفيات لاستقبال الحالات وفحصها بشكل مستمر وتصنيفها من خلال كوادر طبية لديها عزم وإصرار على التعامل بروح المسؤولية لمواجهة ذلك الفيروس. ولعل إشادة المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية خلال زيارته لمملكة البحرين في الأول من مارس, بالإجراءات الاحترازية التي اتخذتها المملكة بما يتوافق مع المعايير الدولية لمنظمة الصحة العالمية, تعد دليلاً دامغًا على تميز مملكة البحرين في إدارتها لتلك الأزمة.

خامسًا: دور الإعلام خلال الأزمة وخاصة من خلال نشر الوعي في الصحف الورقية والإلكترونية, ليس فقط شرح أعراض الفيروس وكيفية التعامل معه ولكن طرق الوقاية منه, ولهذا كان للبحرين السبق في هذا الأمر مقارنة بدول أخرى انتشر فيها الفيروس كالنار في الهشيم.

وبرأيي أن تلك الأزمة كشفت عن ثلاث حقائق مهمة للغاية, الأولى: أن للبحرين خبرة في إدارة الأزمات عمومًا، صحيح أن أزمة انتشار الأوبئة أمر جديد ليس فقط للمملكة ولكن بالنسبة الى العالم أجمع ولكن المملكة استطاعت توظيف خبراتها التراكمية في مجال إدارة الأزمات للتعامل مع تلك الأزمة، والثانية: كانت تلك الأزمة كاشفة لتميز مملكة البحرين في مجال الحكومة الإلكترونية وهو الأمر الذي أسهم في انتظام عمل كافة مؤسسات الدولة دون تأثير يذكر على غرار دول أخرى، والثالثة: الإمكانات التي تتمتع بها مملكة البحرين سواء البشرية أو الطبية والتي تم من خلالها احتواء تفشي ذلك الفيروس.

 وفي ظل استمرار تلك الأزمة التي لم تعد الهاجس الأول لدول العالم فحسب بل أثارت الاهتمام بمسألة إدارة الأزمات والكوارث عمومًا فإن هناك حاجة الى عدة متطلبات في هذا الشأن أولها: أهمية التكامل بين الجهود الحكومية وجهود المجتمع المدني حيث أكدت تلك الأزمة بما لا يدع مجالاً للشك دور المجتمع المدني كونها أزمة ليست عابرة أو ترتبط بقطاع محدد ولكنها تطال وجود الإنسان ذاته, الأمر الذي يتطلب تكامل الجهود، وثانيها: محاولة التعرف على تجارب دول أخرى وتحديد العناصر المشتركة فيما بينها وأكثرها نجاعة في مواجهة تلك الأزمة للاستفادة منها مستقبلاً في مواجهة كوارث وأزمات مماثلة. وهذا الأمر يتطلب وقتًا طويلاً حيث لا تزال الأزمة قائمة ومستمرة، فعلى سبيل المثال لوحظ أن بعض الدول بدأت في استخدام تطبيقات الهواتف الذكية للتعرف على العدوى والتصدي لها، وثالثها: مع أهمية الجهود والإجراءات الاحترازية التي تم اتخاذها تبقى الحاجة الى مفهوم «نماذج المحاكاة» وهي تتضمن سيناريوهات مستقبلية متوقعة وكيفية التعامل معها.

وكما كانت البحرين لها السبق في التعامل مع تداعيات ذلك الفيروس بمسؤولية ومهنية عالية فقد كانت الأولى عربيًا التي تعلن انضمامها لاختبار التضامن الذي أعلنت عنه منظمة الصحة العالمية من خلال تجربة أول لقاح لمكافحة الفيروس في العالم.

وآخر وليس أخيرًا فإن إعلان البحرين عن استعدادها للتعامل مع أي مستجدات بشأن فيروس كورونا بالنسبة للمواطنين والمقيمين على حد سواء فإنها تقدم دليلاً جديدًا على أن الإنسان الذي كرمه الله عز وجل في كتابه العزيز يأتي أولاً وقبل أي شيء بعيدًا عن الجنس أو العرق أو الطائفة. 

 

‭{‬ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية بمركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة «دراسات».

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news