العدد : ١٥٤١٥ - السبت ٠٦ يونيو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٤ شوّال ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤١٥ - السبت ٠٦ يونيو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٤ شوّال ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

الإنسان.. ذو عمار شامل!

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ٢٩ مارس ٢٠٢٠ - 02:00

إذا أردت أن تبني حضارة وتؤسس دولة عالية البنيان، ثابتة الأركان فابن الإنسان، وإذا أردت أن تهدم حضارة وتزيل دولة من الوجود، فاهدم الإنسان... هذا المخلوق الذي كرمه الله تعالى، ورفع من شأنه مرتين، مرة تكريم عام شامل لكل بني آدم، وهو تكريم الفطرة وهي عن غير استحقاق، وأما الكرامة الثانية، فهي تكريم عن استحقاق، قال الله تعالى عن الأولى: «ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا» (الإسراء/70)، وهذه كرامة هبة وعن غير استحقاق إلا إذا اعتبرنا إيمان الفطرة هو استحقاق هذه الكرامة، وأما الكرامة الثانية وهي عن استحقاق من الإيمان الخالص والعمل الصالح، فقد أشار إليها القرآن الكريم في قوله تعالى «يا أيها الناس إنَّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير» (الحجرات/13).

أي إنكم باستقامتكم وتحقيقكم معنى التقوى بفعل الأوامر، والانتهاء عن النواهي استحققتم الكرامة الثانية، وهي كرامة الاستحقاق.

إذًا، فالإنسان ليس خيرًا مطلقا، ولا هو شر مطلق، هو خليط من هذا وذاك، وعليه أن يجتهد ويبذل وسعه وغايته ليقلل من نسبة الشر، ويزيد من نسبة الخير، وهو صالح لهذا وصالح لذاك، قال تعالى: «ونفس وما سواها (7) فألهمها فجورها وتقواها (8) قد أفلح من زكاها (9) وقد خاب من دساها (10)» الشمس.

إذًا، فكرامة التقوى وراءها جهاد ومجاهدة، وبذل ما في الوسع والطاقة من أجل صرف النفس عما تشتهي من المحرمات، وأطرها على الحق أطرًا، ورحم الله تعالى أمير الشعراء أحمد شوقي الذي قال:

والنفس كالطفل إن تهمله شب على 

حب الرضاع وان تفطمه ينفطما

من هنا ندرك عظمة المنهاج النبوي حين قضى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) جل وقته في مكة يبني الرجال، ويعرضهم على الإبتلاءات ليقوي عودهم، ويصقل نفوسهم، ويطهر قلوبهم، ويملأها يقينا حتى تكون قادرة ومؤهلة لمواجهة الخطوب التي يدخرها الزمن لهم لكونهم خير أمة أخرجت للناس!.

لقد كان المسلمون يستعجلون المواجهة مع قريش دفاعًا عن أنفسهم وعن دينهم، وكان صلوات ربي وسلامه عليه يُصَبرهم ويعدهم بالنصر على أعدائهم، وكان يقول لهم: إنكم قوم تستعجلون، لقد كان فيمن سبقكم يؤتى بالرجل ويوضع في الحفرة، ويوضع المنشار على رأسه فيشقه إلى نصفين لا يرده عن دينه راد، وقصة أصحاب الأخدود التي قصها الله تعالى على رسوله (صلى الله عليه وسلم) درس بليغ، وموعظة بالغة لم تأت في القرآن لمجرد التسلية، وقتل الوقت، بل جاءت لتربي المسلمين على الصبر والمصابرة، فالقصص في القرآن جاءت تنبيهًا للغافل، وتذكيرًا للناسي، يقول سبحانه وتعالى: «نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وان كنت من قبله لمن الغافلين» (يوسف/3).

فبناء الإنسان إذا صناعة ثقيلة تتحمل المرأة العبء الأكبر منها، وهي تفوق الرجل دراية وصبرًا وتحملاً، وخاصة أن الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي هو أطول طفولة بين المخلوقات جميعها لأنه يحتاج الى زمن طويل في التربية والتعليم, وذلك لغرس القيم والمبادئ، ونقل الخبرات والتجارب إليه، ولأنه خلق لمهمة جليلة لا يقوم بها سواه، قال سبحانه وتعالى: «وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قال أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون» البقرة/30.

لقد خلق الله تعالى الإنسان لمهمة لا يقوم بها غيره، وزوده بالعلم وبكل ما يجعله صالحًا لهذه المهة، وكان من الخلق الذين خلقوا قبل الإنسان: الملائكة والجن، ولو كانوا صالحين لهذه المهمة لاختار الله تعالى من بينهم واحدًا، ولهذا فقد هيأ الله تعالى آدم للمهمة حين زوده بالعلم وجعله يتفوق على الملائكة وعلى الجن بالعلم، وقال لهم حين سألوه عن الحاجة إلى خلق جديد وهم يسبحون الله ويقدسونه، فبين لهم سبحانه أنه خلق آدم لمهمة مختلفة لا يصلح لها أحد غيره، قال تعالى: «وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين (31) قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم (32) قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون (33)» البقرة.

ومن أجل التأكيد على مكانة آدم بين الخلق جميعا عند الله سبحانه أمر الملائكة ومن كان في معيتهم بأن يسجدوا لآدم، فقال سبحانه وتعالى: «وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين» البقرة/34.

إذًا، فالإنسان هو من بني آدم الذي جمع الله تعالى له الكرامتين: كرامة الهبة، وكرامة الاستحقاق، وصار بهما صالحًا للقيام بمهمة الخلافة في الأرض، وهذه المهمة هي أن يبقي على الصالح، وان استطاع أن يزيد في صلاحه فعليه أن يفعل ذلك، وأن يصلح الفاسد، ويمنع من ظهوره وشيوعه بين الناس، قال تعالى: «ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون» الروم/41. 

إذًا، فالإنسان بهذا المعنى وبغيره من المعاني إما أن يكون سلاحًا ذا عمار شامل، وإما أن يكون سلاحًا ذا دمار شامل، وحين يكون صالحًا في ذاته، مصلحًا لغيره يتحول المعول في يديه إلى أداة للتعمير والبناء، أما عندما يكون فاسدًا في ذاته، مفسدًا لغيره، فإن المعول في يديه يتحول إلى أداة للهدم والتدمير، والقلم في يده إما مصباح ينير الطريق للسالكين، ويسدد خطى الحائرين، وإما خنجر يغرسه في صدور الصالحين الذين ينشدون الخير والصلاح للأمة.

ويا لعظمة الرسول الذي بعثه الله تعالى رحمة للعالمين حين يحذرنا من إطلاق الكلمة دون أن نلقي لها أدنى حساب، فتتحول إلى بذرة شر تنمو وتتعاظم حتى تصير غابة من الشر والعدوان، ولهذا فما أبلغ القرآن العظيم حين يمثل الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة في نموها، وفي تعاظم بركتها، فيقول سبحانه وتعالى: «ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء (24) تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون (25)» إبراهيم.

وأيضًا مثل سبحانه وتعالى للكلمة الخبيثة بالشجرة أيضًا لنفس السبب، وهو النمو وتعاظم الأثر إلا أن الأولى في الخير، والثانية في الشر.

هذا هو الإنسان في صلاحه وفساده، وفي إصلاحه لغيره وإفساده لهم وبه تقوم الحضارات وتؤسس الدول أو تهدم الحضارات وتزال الدول.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news