العدد : ١٥٤١٤ - الجمعة ٠٥ يونيو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٣ شوّال ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤١٤ - الجمعة ٠٥ يونيو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٣ شوّال ١٤٤١هـ

شرق و غرب

هل يكون القرن الحادي والعشرون ميكافيليا؟

السبت ٢٨ مارس ٢٠٢٠ - 02:00

بقلم: نيكولا بافاريز

 منذ مطلع القرن السابع عشر ظل شبح نيكولا ميكافيلي يخيم على العالم الحديث. من ناحية أولى، ساهم نيكولا ميكافيلي في فصل السياسة عن الدين والأخلاق كما وطد سلطة الدولة وكافح من أجل حرية إيطاليا واستقلالها. 

أما من الناحية الثانية فقد كرس نيكولا ميكافيلي مبدأ شرعنة العنف في سياسات الحكومة وظل يؤكد في كتابته أن سياسة الدولة تخضع لمنطق الدولة وهو ما يقول إنه يفضل «عظمة المدينة على خلاص الروح». 

وضع القرن العشرين تحت شعار الميكافيلية حيث بلغ منسوب العنف فيه ذروته. فقد شهد القرن العشرين حربين عالميتين مدمرتين وحربا باردة، إضافة إلى الحروب الأخرى التي حدثت في مناطق عديدة في العالم، من شبه الجزيرة الكورية إلى فيتنام ومن الشرق الأوسط إلى منطقة الخليج. 

تواجهت الدول والشعوب والأمم والامبراطوريات في القرن العشرين كما حصل الصدام أيضا ما بين الأنظمة الديمقراطية والأنظمة الأخرى الشمولية. يعتبر المفكر السياسي ريموند آرون أن مفهومي «الدولة الشاملة» و«الحرب الشاملة» ينبعان مباشرة من الميكافيلية التي فصلت الدولة الحديثة عن الدين والأخلاق.

تتضمن كتابات نيكولا ميكافيلي أيضا عدة أفكار أخرى مثل الجمع ما بين الأكاذيب والرعب، وتكريس العنف وتكثيف الدعاية الجماعية، وإطلاق العنان أيضا للنزعات الامبريالية. في هذا الإطار، نشأ النظام العالمي الذي تمخض عن الحرب العالمية الثانية (1939-1945) وذلك من أجل وضع حد لحلقة العنف المدمر واحتواء نزعات الاتحاد السوفيتي.

يجمع هذا النظام العالمي الجديد ما بين تعدد الأطراف من خلال مؤسسة الأمم المتحدة على سبيل المثال وتطوير القوانين الدولية والاعتراف المتزايد بسيادة الحدود الأوروبية التي نشأت عن الحرب العالمية الثانية – كل ذلك في ظل عالم ثنائي القطبين في فترة الحرب الباردة التي شهدت مواجهة ما بين المعسكر الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والمعسكر الاشتراكي بزعامة الاتحاد السوفييتي سابقا- مع وجود ترسانة نووية وأخرى صاروخية بالستية مرعبة من الجانبين وهو ما سمي بلغة الاستراتيجية توازن الرعب.

دشنت الإنسانية القرن الحادي والعشرين تحت شعار العولمة التي حولت العالم إلى قرية صغيرة وأدخلت البشرية جمعاء إلى عصر التاريخ الكوني على حساب التاريخ المحلي والهوية الوطنية. 

خلال السنوات التي تلت نهاية الحرب الباردة وسقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفييتي وتفكك المعسكر الاشتراكي نشأت عدة أفكار ومفاهيم، فيما راح دعاة العولمة ورجال السياسة يبشرون بقيام المجتمع العالمي ونشأة دولة القانون العالمي وتكريس السلام الأبدي الذي تحدث عنه الفيلسوف الألماني إيمانويل كانت.

في الحقيقة فإن مختلف المفاهيم والمبادئ التي تحدث عنها نيكولا ميكافيلي في كتاباته نجدها حاضرة في عالم السياسة في القرن الحادي والعشرين والتي تترجم في مفهوم الرجال الأقوياء والقدرة على المكر والخداع، طموح القوة والنفوذ وعلو الجدوى والنجاعة والهدف والغاية على السمو الأخلاقي وسيادة القانون. 

منذ الأزمة العالمية التي هزت الولايات المتحدة الأمريكية والعالم معها في سنة 2008 والتي أغلقت حقبة العولمة الليبرالية عادت السياسة بكل قوة لتستعيد السيطرة على التاريخ وتكريس الهيمنة وإرادة القوة واستخدام كل الوسائل من أجل إدراك الغايات، على غرار الأنظمة الشمولية. 

في القرن الحادي والعشرين، كما في القرون الماضية، أصبحت الدول تجعل من الأكاذيب والخداع استراتيجيات حقيقية على غرار تخلي الولايات المتحدة الأمريكية عن الأكراد وتقدمهم لقمة للأتراك رغم أنهم لعبوا دورا كبيرا في إلحاق الهزيمة بتنظيم «داعش», والطريقة التي يستخدم بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورقة اللاجئين في ابتزاز دول الاتحاد الأوروبي، دون أن ننسى الحروب الهجينة. 

تنسب عبارة «الغاية تُبرّر الوسيلة» لميكافيلي وهو فيلسوف وسياسيّ إيطاليّ، ولد في مدينة فلورنسا الإيطاليّة سنة 1469م وهناك مات سنة 1527م  عاش قبل عصر النهضة، ومات سنة 1527م، وقد أسس من خلال كتابه «الأمير» ما يسمى في العصر الحديث النّفعيّة والواقعيّة السياسيّة, وقد أضفى في هذا الكتاب الشرعية على  استخدام القوة, كما أنه يبرر احتلال الأراضي خدمة للمشاريع الامبريالية, على غرار الصين وبحر جنوب الصين وتايوان، روسيا وجورجيا وأوكرانيا ودول البلطيق، إضافة إلى تصرف تركيا في شمال سوريا أو إسرائيل في الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة.

لقد أصبح الصراع الميكافيلي في القرن الحادي والعشرين يدور حول السيطرة على الثروات الطبيعية في مختلف أنحاء العالم, وذلك من خلال إطلاق مشروع إحياء «طريق الحرير» من طرف الصين أو النزعة التركية للاستحواذ على ثروات الغاز الطبيعي في حوض البحر الأبيض المتوسط، إضافة إلى مشاريع البنى التحتية والمؤسسات الاستراتيجية، فضلا عما يدور من مشاريع للسيطرة من خلال العالم الافتراضي بمختلف أدواته. 

أصبحت كل الوسائل مشروعة في القرن الحادي والعشرين كما ازداد منسوب العنف الذي أصبح غاية في حد ذاته، على غرار ما ارتكبه تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام (داعش) من أفعال شنيعة، فضلا عن أعمال الإبادة التي ارتكبت في ميانمار واستهدفت الروهينجا. 

لقد اتسم القرن العشرين ببعد شيطاني حيث إن منطق القوة تغلب على قوة المنطق خلال عقوده وهو ما يفسر اندلاع الحربين العالميتين الأولى والثانية، واللتين حصدتا أرواح الملايين وخلفتا دمارا هائلا ومآس إنسانية كبيرة، فضلا عن الحروب الأخرى الإقليمية التي شهدتها مختلف أنحاء العالم والحروب الأهلية وحروب تصفية الاستعمار في الكثير من دول العالم. 

يتعين على قادة الأمم الحرة أن يتمعنوا في الاستنتاجات التي خلص إليها نيكولا ميكافيلي في كتابه «الأمير», حيث إنه شدد على أنه لا قيمة للسياسة إلا إذا ترجمت على أرض الواقع إلى أفعال تنم عن القوة والبأس من أجل تحقيق الأهداف المنشودة والتي تبررها غاياتها. يعتبر ميكافيلي أن الغاية الأولى من قيام الدولة تأمين الأمن الداخلي والخارجي. يخلص ميكافيلي في كتاب «الأمير» أيضا إلى القول إنه ما من رجل دولة يستطيع البقاء في موقعه ما لم يتحل بالقوة والشجاعة. 

سيكون القرن الحادي والعشرون ميكافيليا بامتياز! 

o ألف ميكافيلي كتاب «الأمير» في سنة 1513، وهو عبارة عن دراسة في الفقه السياسي أعدها أثناء تواجده في قرية سانتاندريا بركوسينا التي أبعد إليها لاتهامه بالمشاركة في استهدفت عائلة ميديشي الحاكمة. أهدى مكيافيلي هذا العمل إلى لورينزو الثاني دي ميديشي ابن بييرو الثاني دي ميديشي على أمل استعادة منصب أمين الجمهورية، وتم نشره سنة 1532 بعد وفاته.  

o أثار كتاب «الأمير» منذ صدوره في القرن السادس عشر جدلا كبيرا, كما تحول إلى مادة ضرورية لدراسة علم السياسة في عصر النهضة, كما استمر تأثيره حتى العصر الحديث. 

لوفيجارو

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news