العدد : ١٥٤٥٢ - الاثنين ١٣ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٢ ذو القعدة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٥٢ - الاثنين ١٣ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٢ ذو القعدة ١٤٤١هـ

مقال رئيس التحرير

أنـــور عبدالرحمــــــن

«B.B.C».. أم عصابات مافيا؟!

لكي نفهم لماذا تكرر هيئة الإذاعة البريطانية «B.B.C» إذاعة الأفلام والمواد الإعلامية المشبوهة التي تحاول الإساءة إلى البحرين ومكانتها، يتعين أن نعرف من البداية أن العلاقات البريطانية الإيرانية هي أشبه ما تكون بعلاقة «زواج كاثوليكي»، يمكن أن يختلف فيه الطرفان لكن لا يمكن أن ينفصلا نهائيا، أو أن يحدث بينهما «الطلاق»!

وتلك علاقة غريبة حقا في عالم السياسة الدولية، لكن هناك من الشواهد والبراهين التاريخية ما يؤكد ما نذهب إليه هنا في هذا المقال.

لقد شاهدت بكل إمعان وتدقيق الفيلم الأخير الذي أذاعته الـ«بي.بي.سي» بهدف الإساءة إلى البحرين وتجربتها الديمقراطية ومسيرتها الحقوقية، وكان من اللافت للنظر توقيت عرض هذا الفيلم المسيء في وقت تنشغل كل دول العالم بكل أجهزتها ومؤسساتها في كيفية محاربة وباء أو جائحة كورونا، عبر استنفار كل الطاقات الوطنية للحفاظ على حياة وأرواح الناس.

ولا شك أن الكثيرين قد تساءلوا، ونحن في الصحافة أيضا معهم، لماذا الآن؟

فهذا الفيلم ليس وليد اللحظة أو جرى الإعداد له على عجل، بل من الواضح أنه تم الإعداد له قبل عدة شهور، وفي تقديرنا أن الهدف من وراء ذلك كان هو إذاعته في توقيت تنظيم سباق «الفورمولا 1» في البحرين، بهدف الإساءة إلى التجربة البحرينية والتشويش على هذا الحدث الرياضي العالمي البارز.

إلا أن هذه الفرصة احترقت وضاعت عليهم، بعد أن تم تأجيل سباق «الفورمولا 1» حرصا على سلامة المشاركين من الرياضيين والمنظمين وأيضا المشاهدين.

وهنا ارتبكت الـ«بي.بي.سي» وأسقط في يدهم، ماذا يفعلون بهذا الفيلم المسيء؟

ولكن نظرا إلى الدوافع الاستعمارية المشبوهة التي تحرك صناع القرار السياسي والاستخباراتي في هيئة الإذاعة البريطانية، وفي إطار علاقة الزواج الكاثوليكي بين بريطانيا وإيران، قاموا بإذاعة الفيلم بهدف تشويه الدولة البحرينية في الوقت الذي كانت البحرين بكل طاقاتها مهتمة بمحاربة فيروس كورونا، وتنظم برنامجا إنسانيا حضاريا لإعادة مواطني البحرين العالقين في إيران بعد قيامهم بزيارة المقامات الدينية هناك، وانتشار الوباء في إيران بما تسبب في فضيحة إنسانية وأخلاقية وصحية لنظام حكم الملالي في كل أنحاء العالم.

كنا نتوقع أن تظهر الـ«بي.بي.سي» قدرا من الاحترام لمواقف البحرين ومبادرتها منذ اللحظات الأولى بمحاربة فيروس كورونا، وكيف أنها كانت دولة رائدة في اتخاذ التدابير الاحترازية الواجبة لمواجهة هذه الأزمة بشهادة كُتاب الصحافة البريطانية ذاتها، فضلا عن الإشادة بذلك من منظمة الصحة العالمية.

ولكن بدلا من ذلك، يبدو أن هيئة الإذاعة البريطانية هبت لمساعدة «الحليف السري» الإيراني، وإبعاد الأنظار عنه في فضيحته الكبرى بشأن «كورونا» واتجهت إلى تشويه نجاحات البحرين في التصدي لأزمة كورونا.

وتلك كانت محاولة بائسة لتبييض وجه النظام الإيراني بعد أن انكشف مدى تخلفه في أنظمة الرعاية الصحية، وفشله في حماية أبناء شعبه وزواره، فأضحت إيران اليوم واحدة من أكبر بؤر نشر فيروس كورونا في المنطقة والعالم.

والسؤال الذي نطرحه الآن على القيادات في الـ«بي.بي.سي» سواء في القسم العربي أم مجلس صياغة سياساتها الاستراتيجية والمسمى «Whitehall» والذي يعمل بتنسيق كامل مع شعبة الاستخبارات العسكرية في جهاز «MI6» بالمخابرات البريطانية.. ماذا استفدتم من عرض هذا الفيلم المسيء؟!

إن كل من شاهد الفيلم يستطيع أن يكتشف بسهولة تامة أنه مجرد تمثيلية وقحة ورخيصة ومتهافتة ونسخة طبق الأصل مما فعلته حملة الخميني إبان إقامته في ضاحية «نوفيل لوشاتو» في باريس من أفلام مفبركة مماثلة بهدف الإساءة إلى نظام الشاه وتشويه صورته أمام الشعب الإيراني.

والطريف هنا، وقد لا يعرف ذلك الكثيرون، أن هذه الأفلام المفبركة قد تمت صياغتها وكتابة السيناريو لها وإخراجها لخدمة أهداف الخميني ضد الشاه بمساعدة كاملة من الـ«بي.بي.سي»!! فلقد عملت الـ«بي.بي.سي»، التي ترفع شعارات الحيادية والمهنية زورا وبهتانا، بكامل أطقمها ومحرريها بكل حماس لبث تلك الدعايات الرخيصة ضد شاه إيران، وكأنها كانت إذاعة الخميني!

وحين عاد الخميني إلى إيران، وأمسك بمقاليد السلطة في طهران، كان من أوائل القرارات التي اتخذها، وكانت لافتة للنظر، هو قراره شراء 6 آلاف سيارة لاندروفر من بريطانيا لقوات الحرس الثوري الإيراني على سبيل رد الجميل وإبداء مشاعر الامتنان!

اللافت للنظر أيضا أن الخميني رغم حملات الضجيج الصاخبة ضد أمريكا، ورفع شعارات زاعقة مثل «الموت لأمريكا» فإنه على النقيض من ذلك التزم الصمت تماما تجاه بريطانيا ولم يذكرها بسوء، ما يؤكد أن نظرية «الزواج الكاثوليكي» ظلت دائما تحكم العلاقات بين بريطانيا وإيران حتى في عهد الخميني.

وبالعودة إلى التاريخ، فقد انتهيت الأسبوع الماضي من قراءة كتاب وثائقي ضخم في أكثر من 800 صفحة بعنوان «محمد رضا بهلوي.. الشاه الأخير (1919-1980)» من تأليف البروفيسور هوشانج نهاوندي رئيس جامعة طهران الأسبق في عهد الشاه.

وقد روى البروفيسور نهاوندي في هذا الكتاب تفاصيل دقيقة ومثيرة عن طبيعة العلاقات الحميمة التي تربط بين بريطانيا وإيران، ورغم أن تلك العلاقات كانت وثيقة ووطيدة في عهد الشاه فإن المؤامرات البريطانية ضد نظام حكم الشاه لم تتوقف، وهو ما يثير علامات استفهام كثيرة حول ذلك.

هنا، يرى البروفيسور نهاوندي أن بريطانيا كانت تعرف جيدا مشروع التحديث الكبير الذي كان يقوده الشاه لتطوير إيران وجعلها قوة كبيرة ومؤثرة في النظام العالمي، وجعلها أشبه ما تكون بدولة غربية متقدمة.

لكن الدوائر الاستراتيجية البريطانية كانت ترى أن مشروع الشاه لتحديث إيران يمثل خطرا على المصالح البريطانية في المستقبل، وأنه إذا نجح الشاه في مشروعه فسوف يكون من الصعب على بريطانيا أن تحافظ على مصالحها وفق شروطها ورؤاها، وأن إيران قد تصبح قوة إقليمية خارج السيطرة الاستعمارية البريطانية.

لذلك، فإن الدرس التاريخي الكبير الذي يجب أن يتعلمه الجميع وخاصة في المنطقة العربية، هو أنه لا يجب الوثوق بالسياسات البريطانية ثقة كاملة.. وهل نسي العرب مراسلات «الحسين-مكماهون» وقصة لورانس العرب والمؤامرة البريطانية على ما عرف بالثورة العربية الكبرى وعلى الدولة العثمانية أيضا خلال الحرب العالمية الأولى؟!.

 بل هل يمكن أن ننسى المؤامرة المتواصلة على فلسطين منذ وعد بلفور المشؤوم عام 1917م أو تفاهمات سايكس-بيكو التي أخضعت المنطقة العربية للاستعمار الغربي في القرن العشرين؟!

إن العقلية الاستعمارية ونزعة الهيمنة والرغبة في التحكم في مصائر الشعوب لم تغادر السياسات البريطانية أبدا.

وهذا ما يفسر لنا الألاعيب المتكررة من جانب الـ«بي.بي.سي» بهدف تحقيق ما يرون أنه يخدم المصالح الاستراتيجية البريطانية في كل العالم، وخاصة في المنطقة العربية.

وهناك حقيقة كبرى ومهمة يجب ألا نغفل عنها أبدا، هي أن الـ«بي.بي.سي» ليست مؤسسة إعلامية فقط، إنها تمثل «السلاح السري» لبريطانيا، وهذا هو تعبير سلوين لويد في مذكراته عن حرب السويس 1956، والذي كان وزير الخارجية البريطاني إبان العدوان الثلاثي على مصر.

فقد كتب لويد في مذكراته أنه قال لعدد من المقربين منه: «نحن لا نرسل فقط البوارج وحاملات الطائرات لضرب مصر، بل نستعمل أيضا سلاحنا السري وهو الـ(بي.بي.سي) لتشويه مصر عالميا».

وهنا علينا أن نفهم حقيقة دور الـ«بي.بي.سي» في استخدامها سلاحا لابتزاز أصدقاء بريطانيا.

إن هذا الفيلم ليس فقط إساءة إلى البحرين، بل هو رسالة إلى كل الدول الخليجية والعربية لتفهم خفايا السياسات الاستعمارية البريطانية المتواصلة.

وختاما نقول: ليت القانون الدولي كان يسمح برفع قضية ضد الـ«بي.بي.سي» بكل هيئة أركانها باعتبارهم قيادات إرهابية تعمل على تشويه سمعة الدول والحكومات وابتزازها بأساليب مبتذلة، كما تقوم بذلك تماما عصابات المافيا؟!

إقرأ أيضا لـ"أنـــور عبدالرحمــــــن"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news