العدد : ١٥٤١٥ - السبت ٠٦ يونيو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٤ شوّال ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤١٥ - السبت ٠٦ يونيو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٤ شوّال ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

في حدود الاستطاعة

بقلم: د. سعد الله المحمدي

السبت ٢٨ مارس ٢٠٢٠ - 02:00

سنسعدُ كثيرا وسنرتاحُ أكثر وسنعيشُ حياةً هادئة مطمئنة إن شاء الله تعالى في كثير من المجالات والميادين، لو طبّقنا الآية القرآنية الكريمة: «فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (التغابن: 16)، في حياتنا اليوميّة وفي تعاملنا مع النّفس ومع الآخرين بمن فيهم الأهل والأقارب والأصدقاء وزملاء العمل، حيثُ إنّ الله تعالى أمر في الآية الكريمة بتقواه، وقيّد ذلك بالاستطاعة والقدْرة، فالآية كما يقولُ العلامة السعدي رحمه الله: «تدلّ على أنّ كلّ واجبٍ عجز عنه العبد، أنّه يسقط عنه، وأنّه إذا قدر على بعض المأمور، وعجز عن بعضه، فإنّه يأتي بما يقدر عليه، ويسقط عنه ما يعجز عنه، كما قالَ النّبي صلى الله عليه وسلم: «وإذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا منه ما اسْتَطَعْتُمْ» أخرجه البخاري: 7288، ويدخلُ تحت هذه القاعدة الشرعية من الفروع، ما لا يدخل تحت الحصر»

وانطلاقا من هذه القاعدة العظيمة يجدرُ بكلّ واحدٍ منّا أنْ يعرفَ مواهبه وطاقاته، ويتحرّك في حدود دائرته وقدرته، ولا يكلّف نفسه بما لا يطيق، ولا يعطي الآخرين وعودا ورديّة، وأماني مخمليّة، أو يعدهم بقضاء حاجات وتلبية طلبات، ثم يعجز عن الوفاء بها، فالاعتذار في البداية خير من الاعتذار في النهاية.

والالتزامُ بحدود المقدرة والاستطاعة أمر مطلوبٌ في تعاملنا مع النّفس أوّلا، فلا نكلّفها بما لا تستطيعُ فعله، حيثُ إنّ النفس البشرية تسأم وتتثاقل، فتحتاج إلى راحة واستجمام ورفع المشقة والحرج عنها، قال تعالى: «يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ» (البقرة: 185)، وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بين أَمْرَيْنِ قَطُّ إلاَّ أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا» متفق عليه.

البعض من طلبة العلم يستحي، ويكثر من قول: (نعم) في معظم الحالات، ولا يجيد أن يقول: (لا) أو أعتذر، وكأن المقصود بقول الشاعر العربي الفرزدق:

ما قال: لا قطُّ، إلاّ في تَشَهُّدِهِ 

 لَوْلا التّشَهّدُ كانَتْ لاؤهُ نَعَم

وبالتالي يحملُ الكرّة الأرضيّة على رأسه، ويكلّف نفسه بأشياء والتزامات خارجة عن نطاق وسعه، أو يتعهد بدعم مالي يصعب عليه الوفاء به، قال تعالى: «وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا» (الإسراء: 29). وفي الحديث: «خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا» (أخرجه البخاري: 1970)

1- فالدراسة والقراءة، والعمل والوظيفة، والتعب وكسب الدنيا، والراحة والاستجمام، والزيارات واللقاءات، كلها في حدود الاستطاعة، «إنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، ولِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، ولِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فاعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ» أخرجه الترمذي، ويقول المثل: «لم يهلك من اقتصد ولم يفتقر من زهد».

2-إسداء المعروف والإحسان إلى الآخرين، وبذل المال في حدود الاستطاعة «إنَّك إن تترُكَ بنيِكَ أغنياءَ، خيرٌ من أن تتركَهم عالةً يتكفَّفون الناسَ» (صحيح النسائي، للألباني: 3632).

3- العبادة والطاعة، العلم والعمل، النفقة على الزوجة والبيت في حدود الاستطاعة «لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِه وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا» (الطلاق: 7).

4- التعاملات الفردية، وتكوين العلاقات، والتواصل مع الناس، وإنجاز عمل من الأعمال، والشفاعات، كلّها في حدود الاستطاعة، فكلّ ما زاد عن حده انقلب إلى ضدّه.

5- ذكر الطحاوي رحمه الله قاعدة أصولية جليلة فقال: «ولم يكلفهم الله إلا ما يطيقون». ومعناها أن الله سبحانه وتعالى لا يكلف العبد إلا ما يطيق وبحدود قدرته واستطاعته، وهذا من رحمته سبحانه ولطفه بخلقه، حيث قال تعالى: «لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ» (البقرة: 286) ، وفي الحديث:

«صَلِّ قَائِمًا، فإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ  فَعَلَى جَنْبٍ» (البخاري: 1117).

شمعة أخيرة:

يقول الشاعر دريد بن الصمة:

إِذا لَم تَستَطِع شَيئاً فَدَعهُ 

 وَجاوِزهُ إِلى ما تَستَطيعُ

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news