العدد : ١٥٤١٤ - الجمعة ٠٥ يونيو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٣ شوّال ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤١٤ - الجمعة ٠٥ يونيو ٢٠٢٠ م، الموافق ١٣ شوّال ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

عالم ما قبل كورونا.. ليس عالم ما بعده؟

مركز الخليج للدراسات الإستراتيجية

السبت ٢٨ مارس ٢٠٢٠ - 02:00

لا تزال جائحة فيروس كورونا المستجد هي الحادثة المسيطرة على الساحة الدولية، نظرًا إلى عديد من الأسباب؛ منها ارتفاع عدد الإصابات والوفيات يوميا، وعدم التوصل إلى لقاح لمعالجته حتى الآن، وتغير بؤره المختلفة في العالم، وما تبع ذلك من انهيار الاقتصاد والحياة السياسية والاجتماعية بمعدل لم نره منذ عقود، ما يجعل أقرب مقارنة له هو انتشار الأنفلونزا الإسبانية عام 1918، والتي أوقفت الاقتصاد العالمي، وأحدثت تغيرا سياسيا دائما، ونتج عنها وفاة ما بين 20 مليونا إلى 50 مليون شخص. ونظرا إلى خطورة الأزمة الحالية، أصبح السؤال المطروح الآن، هو ما الذي سيلي «تسونامي» كورونا؟.. وما نتائجه على موازين القوى السياسية الدولية والنظام العالمي، والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية العالمية.. وهل سيحافظ النظام الذي تتزعمه الولايات المتحدة على مكانته في فترة ما بعد كورونا.

ربما أكثر تغيير ملموس عالميا سيتبع نهاية أزمة فيروس كورونا، بعيدا عن الآثار الصحية الواضحة، هو أولا: التغييرات السياسية العالمية، التي سوف تحدث ومنها -مثلا- فقد الحكومات الرغبة للتغيرات السياسية للعولمة، وكما كتب «مويسيس نايم» من «مؤسسة كارنيجي»، فإن «رد الفعل على كورونا يبرهن على أن العزلة مازالت موجودة، وأن العدد المتزايد للحكومات التي تحاول غلق حدودها وعزل المدن والمناطق الأكثر إصابة، ومنع حرية التحرك للناس، أدى إلى صدمة حقيقية بين العولمة والعزلة». ولعل تعامل معظم الحكومات مع الأزمة بوضع العديد من القيود على السفر الداخلي والخارجي، هو ما يعزز العزلة الموجودة وخاصة بين الحكومات الغربية، مع تراخي التحركات العالمية والاتصالات العالمية بشكل أوسع. يقول «ريتشارد هاس»، رئيس «مجلس العلاقات الخارجية»، في مجلة «فورين بوليسي»: «منذ سنوات قليلة سعت معظم الحكومات للعودة للداخل والتركيز على ما يحدث داخل حدودهم بدلا مما يحدث خارجها، لذا من المتوقع حاليا حدوث تحركات نحو الاكتفاء الذاتي وتقليل التوريد ومعارضة الهجرة، وانخفاض الالتزام بحل المشاكل العالمية والإقليمية؛ نظرا إلى الحاجة إلى تخصيص الموارد للتعامل مع التبعات الاقتصادية للأزمة داخليا، بما يعني مقاومة التغيرات السياسية للعولمة، والتي سوف تؤدي إلى تحول سريع في القوة الجغرافية السياسية». 

ومنها أيضا تحول القوة والنفوذ من الغرب للشرق، وكما أوضح «روبرت ورينيه بلفر»، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة «هارفارد»، فإن «كوفيد 19 أوضح أن استجابة كوريا الجنوبية وسنغافورة تمت بشكل جيد، وكذلك الصين التي استفادت جيدا من أخطائها الأولية، بينما الاستجابة في أوروبا وأمريكا كانت بطيئة وعشوائية، ما شوه السمعة السياسية الغربية، التي واجهت ارتيابا متزايدا في السنوات الأخيرة». ومنذ نهاية الحرب الباردة، كان الغرب -الذي يشمل أوروبا وأمريكا- مهيمنا ويعتبر النموذج السياسي والاجتماعي الاقتصادي الذي يجب أن تتبعه الدول النامية، وكما أوضح «والت»، فإن نجاح الدول الأسيوية في مكافحة الفيروس من المحتمل أن يستدعي دولا في إفريقيا والشرق الأوسط وأمريكا الجنوبية وأماكن أخرى لمحاولة تكرار مسيرة التطوير والتنمية، في حين تكافح الدول الغربية لإعادة التجمع في السنوات القادمة.

ومن المحتمل أن يكون أعظم تأثير سياسي هو تراجع القيادة العالمية لأمريكا. وخلال أزمة تفشي فيروس كوفيد–19، تخلّت واشنطن حتى عن أقرب حلفائها، وفرضت حظرا على السفر إلى جميع دول الاتحاد الأوروبي، من دون التشاور معها. كما صدم الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» العالم حين أراد الاستئثار بالدواء عندما عرض على شركة أدوية ألمانية شراء حقوق احتكار لقاح جديد للفيروس. لذلك، حتى لو غيرت أمريكا سياساتها وتقدّمت بخطة عمل عالمية للخروج من المأزق فلن تستعيد تلك المكانة. وكما يقول «يوفال هراري»، في صحيفة «فاينانشيال تايمز»، فإن «القليل سيتبع زعيما لا يتحمل المسؤولية مطلقا، ولا يعترف بالأخطاء»، ليؤكد بذلك أفول عصر الحكم الأمريكي المطلق على العالم، وستكون أزمة كورونا واحدة من أسباب هذا التغيير.

وبالفعل، يتبنى الرئيس الأمريكي سياسة انعزالية، ولا يؤيد فكرة التعاون الدولي، ويدافع عن نهج قومي للسياسة، وهو ما أدى إلى تحطيم مكانة واشنطن كقوة عسكرية وسياسية واقتصادية عالمية. وكما أوضح «هراري» فإنه «في الأزمات العالمية السابقة مثل الأزمة المالية لعام 2008، ووباء إيبولا 2014؛ ظهرت واشنطن كقائد مسؤول، أما الإدارة الحالية فمن الواضح أنها تهتم بعظمة أمريكا أكثر من اهتمامها بمستقبل البشرية». ومع انتهاء الأزمة، التي استجابت لها أمريكا ببطء ومن طرف واحد، سوف تتناقص ثقة الدول الأخرى فيها وفي قدراتها على التعامل كقائد عالمي.

وبالنسبة إلى معظم المحللين، فإن الدولة التي ستملأ الفراغ الذي خلفته أمريكا هي الصين، وبالرغم من أنها مصدر الأزمة فإنها نجحت في محاصرة الوباء، بعدما كانت قبل أسابيع قليلة فقط دولة شبه مشلولة بسببه، ثم تحولت إلى دولة تصارع الزمن في معركة البحث عن علاج، وتقديم يد العون إلى الدول الأكثر تضررا في العالم. يقول «كورت كامبل» في مجلة «فورين أفيرز» إن «بكين تتفهم أنها إذا تم النظر إليها كقائد عالمي، وتم النظر إلى واشنطن على أنها غير قادرة على القيام بذلك، فإن هذا التصور يمكن أن يغير بشكل أساسي موازين السياسة العالمية ومسابقة القيادة في القرن الـ21، بحيث نرى بكين كزعيم لنظام عالمي جديد بمجرد أن تخف حدة الأزمة».

أما ثانيها فهي التأثيرات الاقتصادية العالمية، ويعد أبرز هذه التحولات حدوث حالة من الركود على نطاق واسع، إذ ستبطئ معدلات النمو بشكل كبير سنوات قادمة. يشير «بارت أوسترفيلد»، من «المجلس الأطلسي»، إلى أنه «على الرغم من صياغة ونشر إجراءات السياسة الاقتصادية المهمة نتيجة انتشار فيروس كورونا، فإن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي سيواجهان ركودا هذا العام، وسوف ينخفض معدل نمو الصين بشكل كبير، في حين أن المملكة المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية من المرجح أن يعانوا ركودا أيضا».

وبشكل عام، أحدث انتشار الفيروس انخفاضا كبيرا في المعدل المتوقع للنمو العالمي في عام2020. ويتوقع المحللون أنه بحلول نهاية هذا العام سيكون النمو قد هبط إلى ما بين 1% و2%، اعتمادا على طول الوقت الذي سيستغرقه العالم للتعافي من آثار الفيروس. ومع الانتشار العالمي له منذ منتصف فبراير حتى الآن، شهدت البلدان التي تأثرت بشدة به، بما في ذلك أمريكا والصين، وهما أكبر اقتصادين في العالم، بالإضافة إلى إيطاليا وبريطانيا وفرنسا وإسبانيا واليابان وغيرها؛ انخفاضا كبيرا في النمو، حيث توقف نشاط عدد من الصناعات الرئيسية.

ومع ذلك، يبقى الأهم من حالة الركود هو التغيرات الهيكلية الطويلة الأجل التي ستنشأ نتيجة للإغلاق العالمي الحالي للنشاط الاقتصادي، والتي ستؤثر على المشهد السياسي، والتي من بينها انجذاب القوة الاقتصادية العالمية نحو بكين على حساب واشنطن. يقول «كيشور محبوباني»، في مجلة «فورين بوليسي»، إن «هذه الجائحة لن تسرّع إلا التغيير الذي بدأ بالفعل، وهو الانتقال من العولمة التي تركز على الولايات المتحدة إلى العولمة التي تتمحور حول الصين». وفي هذا الإطار توقع «ستيفن والت»، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة «هارفارد»، أن «يقوّي هذا الوباء فكرة تحوّل السلطة والنفوذ من الغرب إلى الشرق».

وعلى الرغم من أن الصين تواجه احتمال أن تشهد معدل نمو اقتصادي صفرا أو سالبا للمرة الأولى منذ السبعينيات، نتيجة لفيروس كورونا وعمليات الإغلاق التي تكبدتها، فإنها من المرجح أن يكون انتعاشها أسرع وعلى مستوى أوسع من الولايات المتحدة. وهذا سيعطيها ميزة أخذ زمام المبادرة في تشجيع الانتعاش الاقتصادي العالمي من خلال تقديم القروض ووعود الاستثمار وإعادة تأسيس التجارة لإلغاء آثار الجائحة؛ الأمر الذي قد يغير مركز الاقتصاد العالمي بشكل دائم ليبتعد عن الولايات المتحدة.

فيما يعد تراجع الآليات الاقتصادية للعولمة، نظرا إلى الحاجة إلى تكريس الموارد من أجل البناء الداخلي في كل دولة والتعامل مع العواقب المترتبة على الأزمة الاقتصادية، وخاصة في الوقت الذي تجد فيه بلدان عدّة صعوبة في التعافي من الأزمة. وبالنسبة إلى عديد من القادة، مثل ترامب ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، أثبتت الأزمة الحاجة إلى مزيد من الاستدامة الذاتية بدلا من الاعتماد الاقتصادي المستمر على دول مثل الصين، والتي لا يمكن الاعتماد عليها في الأزمة الحالية للحفاظ على سلاسل التوريد للسلع الأساسية مثل السلع المصنعة والأدوية. وبالكلية، من المحتمل أن تغير الصدمة ملامح الاقتصادي العالمي، ما ينتج عنه وضع جديد يتمثل في تسريع عملية إزالة العولمة وإلغاء الائتلافات والاتحادات، وإعادة تعريف سلاسل الإنتاج والاستهلاك في جميع أنحاء العالم، علاوة على احتمالية تغير المشهد الاقتصادي العالمي برمته.

وعلى العكس من ذلك، رأى البعض، مثل «جيم أونيل» رئيس «المعهد الملكي للشؤون الدولية»، (تشاتام هاوس) وآخرون أن «الانتشار السريع لفيروس كورونا والضرر الاقتصادي سيشجع قادة العالم على البحث عن مبادرات اقتصادية أكثر تكاملا، وخاصة أن الاستجابة الاقتصادية العالمية المفككة لكوفيد-19، وما لها من تداعيات هائلة على الرخاء العالمي والاستقرار الاقتصادي، قد دفعت إلى إعلان الحاجة الملحة إلى إعادة التأكيد الفوري للتعاون السياسي والاقتصادي الدولي؛ لأنه من دون وجود حافز لحماية المكاسب المشتركة من سلبيات الاندماج الاقتصادي العالمي ستتدهور بنية الحوكمة الاقتصادية العالمية. وحينئذ سيتطلب الأمر من القادة السياسيين جهدا هائلاً للحفاظ على التعاون الدولي وعدم الانزلاق من جديد إلى المنافسات الجيوسياسية».

أما ثالثها فهي التغييرات المجتمعية. ويعتقد بعض المحللين أن ظواهر مثل الابتعاد الاجتماعي وإغلاق الحياة العامة قد يكون لها تأثير اجتماعي ضار في جميع أنحاء العالم. تقول «إليسا بيري» أستاذة علم الاجتماع بجامعة «مانشستر»: إن «التدابير التي تقيد التجمعات الاجتماعية، ووصول الناس إلى الخدمات؛ كان لها تأثيرات مختلفة للغاية على المواطنين، إذ تسببت في حدوث اختلال في المجتمع، فضلا عن تفاقم عدم المساواة الاجتماعية القائمة التي كانت قد حدثت بالفعل في أوقات تسبق الجائحة، وتشمل أوجه عدم المساواة والتفاوت في الثروات الذي يدعم التوترات الاجتماعية، وقد أثبت ذلك تمكن الأثرياء في الغرب من إجراء اختبار كوفيد-19، بينما لم يتمكن العامة من ذلك». وفي ظل أزمة «كورونا» تبدو فكرة جاذبية النظام الليبرالي، وما يرتبط بها من أفكار أخرى كالسلام الديمقراطي والتضامن الإنساني، وعدم كفاءة نظم الضبط الاجتماعي بالمطلق، بحاجة إلى المراجعة.

لكنّ «بيتر كولمان» أستاذ علم النفس في جامعة كولومبيا بدا أكثر تفاؤلا، إذ قال في مجلة «بوليتكو»: «إن هناك تغييرات إيجابية تتمثل في تقليل الاستقطاب عبر المجتمعات العالمية من خلال تقديم سيناريو «العدو المشترك»، إذ يبدأ الناس في النظر إلى ما وراء خلافاتهم عندما يواجهون تهديدا خارجيا مشتركا؛ ولأن كوفيد-19، يعد عدوا شديد الخطورة لن يميز بين أولئك الذين لهم آراء سياسية أو دينية أو ثقافية مختلفة، وقد يمد المجتمعات بطاقة تسمح بالاندماج وتوحد الهدف لمساعدتها على إعادة التجمع».

على العموم، لا مفر من أن عالم ما قبل وباء «كورونا» ليس عالم ما بعد الوباء، غير أن التعرف على هذا العالم الجديد في ظل التطورات الراهنة يبدو صعبا، فالعالم يعيش حاليا على وقع انقلاب؛ لم تتضح ملامحه بعد؛ لكن المؤشرات الأولية توحي بكتابة تاريخ جديد للعالم المعاصر، في ظل تغير موازين القوى على الصعيد العالمي وما يستتبع ذلك من آثار اقتصادية وسياسية واجتماعية محتملة، والتي ستغير المعايير التي نعرفها اليوم.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news