العدد : ١٥٤٥٥ - الخميس ١٦ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٥ ذو القعدة ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٤٥٥ - الخميس ١٦ يوليو ٢٠٢٠ م، الموافق ٢٥ ذو القعدة ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

دول الـــعـالــــــم وإدارة أزمــــة كـورونا.. تــحــديات وتساؤلات

بقلم: د. أشرف محمد كشك {

الخميس ٢٦ مارس ٢٠٢٠ - 02:00

لقد أبى عام 2019 أن يغادر قبل أن يترك للعالم بأسره «أزمة كارثية» لن تكون آثارها محدودة أو وقتية بل سوف تمتد فترة زمنية غير معروف مداها، ففي البداية استقبل العالم خبر اكتشاف فيروس جديد في مدينة ووهان الصينية كأنه خبر عادي على غرار فيروس سارس الذي اكتشف أيضاً في الصين عام 2002، إلا أن دول العالم قد تناست أمراً مهماً مؤداه هو أن العالم قد أضحى قرية صغيرة في ظل تنامي الاعتمادية المتبادلة وزيادة حركة السفر بشكل غير مسبوق بما يعني إمكانية انتقال العدوى مع انتقال البشر بشكل يومي وهو ما حدث بالفعل، ففي غضون أشهر قليلة أصبح هذا الفيروس هو التحدي الأول أمام دول العالم بأسرها -المتقدم منها والنامي- فكيف أدارت دول العالم تلك الأزمة، وهل يمكن اعتبارها أزمة أم كارثة؟

وواقع الأمر ومن خلال خبرتي في مسألة إدارة الأزمات والكوارث، فإن التوصيف الصحيح لهذا التحدي هو أنها «أزمة كارثية»، إذ تجمع بين خصائص الأزمة وسمات الكارثة في آن واحد، لأنها لم تطل كل دول العالم فحسب، بل كل المجالات لارتباطها بالإنسان، بما يعني أنها أزمة وجودية، الأمر الذي دفع جميع دول العالم الى اتخاذ تدابير وإجراءات في كل المجالات، وإن تعددت إلا أن الهدف الأساسي منها كان منع تفشي الفيروس.

وفي تقديري أن تلك الأزمة الكارثية غير المسبوقة كانت كاشفة لحقائق ومنشأة لتحديات، بالإضافة إلى أنها أثارت تساؤلات مصيرية.

فعلى صعيد الحقائق، الأمر الأول: أظهرت الأزمة بجلاء تباين اهتمام دول العالم بالقطاع الصحي، ففي حين تولي بعض الدول ذلك القطاع أهمية بالغة نجده في دول أخرى لا يجد الاهتمام الكافي بل والأهم عدم وجود خطط للتعامل مع الأزمات والكوارث وهو ما ظهر حتى في الدول الأوروبية المتقدمة، الأمر الثاني: أنه بغض النظر عن الإجراءات التي تتخذها دول العالم لحماية أراضيها على الصعيد الأمني، فإن الأمر ذاته لا ينسحب على صعيد الأوبئة ذلك الخطر العابر للحدود في ظل نمو انتقال الأفراد والسلع والبضائع بين دول العالم بشكل يومي عبر منافذ الدول المختلفة براً وبحراً وجواً بدليل أن الأزمة الكارثية تجاوزت الإطار الصحي لتضرب أسواق المال وأسعار النفط وحركة الطيران بل ومظاهر الحياة اليومية العادية في كل دول العالم، أما الأمر الثالث فهو أنه بالرغم من تنامي الحديث خلال العقود الأخيرة عن مسألة إدارة الأزمات وضرورة وجود ما يسمى الإجراءات الاحترازية بل واهتمام العديد من دول العالم بعمل سيناريوهات لأزمات وهمية متوقعة، فإن جل ذلك الاهتمام كان مرتبطاً بشكل أساسي بالمجالات الأمنية والدفاعية ولم يكن للمجالات الصحية نصيب من ذلك الاهتمام سوى في مجال أفلام الخيال العلمي.

وعلى صعيد التحديات، أولها: فرضت تلك الأزمة على دول العالم حتمية العمل الجماعي، صحيح أن المصالح هي المحرك الأساسي لمسار العلاقات الدولية إلا أن تلك الأزمات قد فرضت مساراً مغايراً لتلك العلاقات مؤداه الإنسان أولاً بعيداً عن الصراعات والتباينات في الأولويات والمصالح، ومن ثم فإن التحدي الأول لدول العالم أجمع هو إيجاد مصل عاجل لمنع اتساع رقعة الإصابات وخروج الأمر عن السيطرة، أما التحدي الثاني فكان كيفية وقف انتشار العدوى وفي الوقت ذاته عدم وقف النشاط اليومي لمؤسسات الدول، وهنا لوحظ أن الدول التي لديها بنية أساسية حديثة قد استطاعت التوفيق بين الأمرين وفي مقدمتها دول الخليج التي تبنت مفهوم الحكومة الإلكترونية منذ سنوات خلت، وثالثها: كان التحدي الأكبر وهو كيفية مواجهة عدة أزمات في آن واحد، فالأمر لا يرتبط بالصحة فحسب بل بالاقتصاد بجميع جوانبه وما تتطلبه ذلك من إجراءات مثلت ضغوطاً هائلة على موازنات العديد من الدول التي تعاني بالفعل من عجوزات مالية، وهذا كان التحدي الأكبر بل تكمن المخاوف من تحول حالة الاقتصاد العالمي من الركود إلى الكساد الكبير.

وعلى صعيد التساؤلات، فإن التساؤل الأهم هو كيف أدارت دول العالم تلك الأزمة؟ في واقع الأمر إذا ما أردنا تطبيق معايير إدارة الأزمات والكوارث على تلك الأزمة، فلن تكفي تلك الأسطر المحدودة، ولكن بوجه عام يمكن إجمال ملامح إدارة العالم لتلك الأزمة في عدة نقاط أولها: تباين دول العالم في التعامل مع الأزمة ما بين الإنكار والاهتمام بانتهاج الأساليب الحديثة في إدارة الأزمة، ومنها تكوين فريق عمل لإدارة الأزمة ومنها مملكة البحرين التي أسست الحملة الوطنية لمكافحة كورونا، وثانيها: على الرغم من أنه من مقومات نجاح إدارة وجود معلومات صحيحة، فإن بعض الدول لم تنتهج الشفافية في الإبلاغ عن حالات الإصابة بذلك الفيروس، وهو ما عبر عنه بيان لمنظمة الصحة العالمية حيث اتهمت فيه المنظمة دولاً بعدم الشفافية وتعمد إخفاء أعداد المصابين بالفيروس، فضلاً عن أن كثيراً من الدول لم تجعل محاربة الفيروس أولوية سياسية، تشترك فيها الحكومات والمجتمعات، وثالثها: عدم انتظام جهود دول العالم في عمل جماعي دولي بالرغم من كون هذا التحدي تحدياً عالمياً ولن يكون بمقدور دولة أو مجموعة من الدول القضاء عليه نهائياً مهما بلغت إمكاناتها، حيث تظل الدول بحاجة الى تبادل المعلومات بشفافية حول تطور ونمو ذلك الفيروس القاتل وكيفية مواجهته من خلال تكامل الجهود لا تنافسها، فالمسألة ليست فيمن يصل إلى مصل للفيروس أولاً بل هل يكفي المصابين وهل سيكون للدول النامية نصيب منه؟

وبرأيي أن العالم الذي يواجه إصابات وحالات وفاة تجاوزت الآلاف في كل أجزاء المعمورة أمام لحظة اختبار حقيقية بشأن مدى اهتمام كل دولة بصحة الإنسان كأولوية قصوى، فضلاً عن كون هذا الفيروس اختباراً للقيم الإنسانية المشتركة التي كانت وستظل الأساس القوي للتفاعل بين الشعوب مهما تباينت مصالح دولها.

وفي تصوري أن أكثر الدول نجاحاً في إدارة الأزمات والكوارث هي تلك التي تكاملت فيها الجهود الحكومية مع نظيرتها من المجتمع المدني الذي ينهض بدور مهم إبان الأزمات، فضلاً عن أهمية وجود ناطق رسمي لإيضاح التطورات أولاً بأول وعدم ترك المجال للشائعات التي كانت سبباً في زيادة حدة الأزمات، وخاصة في ظل تنامي وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة، فضلاً عن التعلم خلال الأزمة من خلال ما يسمى «التغذية الاسترجاعية» ومن خلالها يتم تقييم ما تم اتخاذه من إجراءات وعما إذا كانت هناك ضرورة لإعادة النظر في بعضها من عدمه. 

 ‭{‬ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية بمركز

البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة «دراسات»

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news