العدد : ١٥٥٢٤ - الأربعاء ٢٣ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٦ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢٤ - الأربعاء ٢٣ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٦ صفر ١٤٤٢هـ

قضايا و آراء

أضواء على الآثار الاقتصادية لجائحة كورونا (1)

بقلم: د. أسعد حمود السعدون {

الخميس ٢٦ مارس ٢٠٢٠ - 02:00

من دون ان نتعرض للقضايا الطبية التي لازمت انتشار جائحة كورونا عالميا بدءا من الصين وامتداده لنحو (150) دولة حول العالم، نقول إن ابرز مميزات هذا الوباء كشفه لهشاشة النظام الاقتصادي في العديد من دول العالم ولا سيما المتقدمة منها بشكل فاق التصور، فقد ظهرت كل من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وألمانيا وايطاليا وإسبانيا مترددة ان لم تكن عاجزة في المبادأة والريادة للتصدي لهذه الجائحة، ولا سيما ان متطلبات معالجة المصابين ووقاية الأصحاء هي قرارات مركبة، اقتصادية بقدر ما هي إجراءات صحية واجتماعية، وهي التي ما فتئت تصدع رؤوسنا بالتخطيط للطوارئ وإدارة الأزمات، حتى ظننا أنها تمتلك ملفات جاهزة لمعالجة مختلف الاختلالات المحسوبة أو غير المتوقعة، وكان لبطء وتراخي إجراءاتها في التعامل مع تداعيات جائحة كورونا ان ساد الذعر والإرباك في الأسواق والمجتمعات، وقاد إلى اهتزاز في اغلب المؤشرات الاقتصادية والمالية، فقد هبطت مؤشرات الناسداك وداوجونز الأمريكية هبوطا كبيرا، فيما شهدت أسهم شركة نيتفليكس (Netflix) لخدمة البث عبر النت ارتفاعا حادا بمؤشراتها، وكذلك ارتفعت أسهم شركات منتجات الوقاية الصحية، فيما انهارت أسعار النفط ووصلت إلى نحو (30) دولارا للبرميل الواحد، وكانت شركات الطيران الخاسر الأول، حيث شهدت انخفاضا حادا بأسهمها. ترافق ذلك مع حالة من عدم اليقين تواجه العالم أجمع على الصعد الصحية والاقتصادية والسياسية، حتى ان المنظمات الدولية قامت بتصحيح توقعاتها بشأن النمو الاقتصادي العالمي لسنة 2020م، من نحو (3%) قبل اندلاع الجائحة إلى ما لا يتجاوز (1.5%) فقط بعد اندلاعها، أي نحو نصف معدل النمو المتوقع، وهو ما يعني دخول اغلب اقتصادات العالم في مرحلة الركود أو حتى الانكماش. 

وقد أشار مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الاونكتاد) في دراسة تحليلية للآثار المتوقعة لجائحة كورونا إلى أنها قد تؤدي إلى عجز في الدخل العالمي بقيمة (2000) مليار دولار، مع تزايد في أزمة الديون وانخفاض الإنتاج، مما يؤدي إلى ظهور حالات الإفلاس الاقتصادي على نطاق واسع، ومما يعزز هذه النتائج اضطرار العديد من دول العالم إلى اللجوء إلى اعتماد ميزانيات طوارئ تهدف إلى حفظ التوازن الاقتصادي الكلي، وتوفير التمويل لتعزيز نظمها الصحية وتنفيذ حزمة من الإجراءات الصحية الوقائية والعلاجية المباشرة للتعامل مع تداعيات الوباء والحد من انتشاره، منها إخضاع نحو مليار شخص حول العالم لعزلة في بيوتهم، ضمنهم جميع سكان ايطاليا لأجل الحد من انتشار فيروس كورونا، الذي أسفر عن إصابة نحو (350445) فردا، ووفاة نحو (15328) فردا حتى الثالث والعشرين من شهر مارس الجاري وفقا لإحصاءات جامعة جونز هوبكنز. فيما تدخلت العديد من الدول بغض النظر عن طبيعة نظامها الاقتصادي والسياسي لدعم وتحفيز قطاعات اقتصادية واجتماعية معينة من أجل تخفيف اثر صدمة انتشار الوباء. كما ان الأزمة الحالية جاءت لتعزز أزمة مالية عالمية لم تنته تداعياتها منذ سنة 2008م ناتجة عن الهشاشة المالية للاقتصاد العالمي. ومع اتساع نطاق مخاطر انتشار الوباء فإن الاخطار الاقتصادية والمالية باتت تهدد كل القطاعات وجميع الدول من دون استثناء، مما يتطلب المزيد من التعاون الدولي والتدخل الحكومي لتسيير عجلة اقتصاداتها التي تواجه شبح الانكماش، حتى عدت أزمة كورونا من اشد وأسوأ الأزمات التي تعرض لها العالم منذ الأزمة الاقتصادية العالمية الأولى - أزمة الكساد العظيم -(1929-1933)م.

ان أولى الحقائق التي أثبتتها الأزمة عدم صمود نظم التأمين الصحي، وهيمنة القطاع الخاص والخصخصة على القطاع الصحي، وهو القطاع الإنساني الحيوي الأكثر أهمية للوجود البشري، بل ثبت فشلها في الدول المتقدمة، فكيف الحال في الدول النامية؟ لذا لا بد من العودة إلى هيمنة الحكومة على هذا القطاع. لا بل ان من الآثار المتوقع حدوثها في مرحلة ما بعد الأزمة ان تتعرض النظرية الاقتصادية النيوكلاسيكية لانتقادات شديدة وإعادة تقييم شاملة، فقد أثبتت عجزها في التعامل السليم مع الازمة الراهنة، مثلما كانت متراخية في توقعاتها ومعالجاتها للازمة المالية العالمية 2008م. ومن القضايا الجوهرية التي أفرزت حقيقة النظام الاقتصادي الرأسمالي في مرحلته الراهنة عجزه عن الإجابة الصريحة على التحدي الأكبر الذي واجه الحكومات بفعل تداعيات جائحة كورونا، أيهما أولا إنقاذ حياة الناس أم إنقاذ الاقتصاد من التراجع والسير باتجاه الانهيار؟

في سلسلة من المقالات سنتعرض بالتحليل لابرز الآثار الاقتصادية القائمة والمحتملة لهذه الجائحة على مستوى الاقتصاد العالمي واقتصادات الدول بشكل منفرد، بدءا من بيان اثرها على قطاع خدمات النقل والسياحة، والرياضة والترفيه، والقطاع الإنتاجي، والتجارة الدولية، والتجارة الإلكترونية، والتشغيل والبطالة، والقطاع المالي، والقطاع النقدي، والاقتصاد الرقمي، وقضايا العرض والطلب، والأسعار ونختمها بالإشارة إلى حزمة الإجراءات الاقتصادية والمالية الاستباقية التي اتخذتها مختلف دول العالم ومنها دول مجلس التعاون الخليجي مع التركيز على مملكة البحرين والمملكة العربية السعودية لمواجهة التداعيات الاقتصادية والاجتماعية التي يمكن ان تنجم عن جائحة كورونا.

‭{‬ أكاديمي وخبير اقتصادي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news