العدد : ١٥٣٤٦ - الأحد ٢٩ مارس ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٥ شعبان ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٤٦ - الأحد ٢٩ مارس ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٥ شعبان ١٤٤١هـ

عالم يتغير

فوزية رشيد

تهافت البشرية المعولمة!

‭{‬ البشر هم من يصنعون الحضارات، وتأتي الحضارات زاخرة بما يبثونه داخلها، ولأن لدى الإنسان وحده قدرة الاختيار بين الخير والشر، وبين القيم السامية، والسلوكيات المتدنية، وبين السير إما على الطريق الذي رسمه له الله، وإما الخطى التي دعاه الشيطان ليتبعها، فإن هذه الإرادة الحرّة، وما زودّه الله به من فطرة وعقل قادر على التمييز، جعله الله جوهر حريته في الاختيار، وسرّ اختياره وابتلائه معاً، بعد أن أوكله الله أن يكون خليفة على الأرض، ليعمرّها لا ليفسد فيها، وليختار طريق الخير فيها، لا بأساليب الشرور القادر وحده القيام بها عن إرادة وقرار!

‭{‬ ومع تلاحق أزمان الأمم والحضارات وعصورها وتبدلها، جاءت المنافع والتطورات، وجاءت الأزمات والاختبارات، وجاءت أسباب نهوض الأمم وحضاراتها وأسرار وأسباب سقوطها، وهي واقعة في النهاية بين قبضة النواميس الإلهية والطبيعية، وامتحان الاختيار بين الإعمار في الأرض أو الإفساد فيها، فمع الإعمار يزداد الخير للبشرية، وفي ظل الإفساد يزداد الشرّ المحيط بالأمم والشعوب، وبذلك يأتي الجزاء أو العقاب من صنف الاختيار الذي تمّ اختياره أفرادا وأمما! فإما أن يعّم الخير وتنجو البشرية، وإما أن يعمّ الشرّ فتغرق البشرية فيما صنعته بيدها!

‭{‬ الحضارة الراهنة، وهي حضارة (العولمة الشرسة) التي تطغى عليها الرأسمالية والإمبريالية.. اختارت طريق الصراعات بين الدول والشعوب، لا طريق التكامل بينها للعيش في هذا العالم! فمن صراع الحضارات، إلى صراع الأديان وصراع الأعراق، وصراع الأجيال، وصراع المرأة والرجل، وصراع الأقليات والأكثرية، وصراع الهويات، وصراع المصالح، إلخ، بزغت كل أشكال الشرور والتنافس المريض، والأنانيات، وبرزت الحروب بجميع أشكالها، وتم استرخاص الحياة الإنسانية على الأرض، وقادت أنانية الدول إلى تلويث الكرة الأرضية (بيئيا وأخلاقيا وإفسادا) بكل الأساليب، وتم تغليب التفاهات والشكليات والسطحية، على القيم الإنسانية والدينية والحضارية الحقيقية، وعمّت الغرائزية والحسيّة على الجوانب الأخلاقية، فتاه البشر وتهافتت البشرية في صراعات وأزمات لا آخر لها، حتى وصل الأمر إلى توظيف العلم والتكنولوجيا، رغم قيمتها الإنسانية، في مجالات الصراع والتنافس والسيطرة والشرور، ولذلك مع غياب الضمير الإنساني في الحضارة العولمية الراهنة، تاه مع توهان الإنسان كل ما هو جوهري وحقيقي وإنساني وتاه فيه النظام العالمي ليقترب تماماً من الانهيار والسقوط!

‭{‬ ماذا لو اختار الإنسان صانع الحضارة والمسيطر على سيرورتها طريق «التكامل» بدلا من الصراع بين الدول والشعوب؟!

ألم يكن ذلك كفيلاً بأن يعمّ الخير والتقاسم والعدالة والمحبة على كل سكان الأرض؟! ألم يكن ذلك مدعاة لإعطاء القيمة للحياة الإنسانية بدلا من استرخاصها في الحروب والصراعات والأزمات في ظل إعطاء المال قيمة أعلى من قيمة الإنسان؟! أليس طريق التكافل هو الجالب لكل القيم الحضارية والثقافية الحقيقية، والقيم الإنسانية العليا، والقيم الدينية كما وضعها الله للإنسان؟! أليس طريق التكافل بين الحضارات والأديان والأجيال والمرأة والرجل كان سيوضح حقيقة ما دعت إليه الأديان والتجارب التاريخية البشرية، ووأد كل أفكار التطرف والمتاجرة بالأديان والأخلاق، مثلما وأد رؤوس الإفساد في السياسة والثقافات والفنون والعلم والتكنولوجيا؟! الصراعات هي خطى الشيطان التي سار على دربها الإنسان لبناء حضارته الراهنة! التي تشيد بيت العنكبوت، فتهاوت وتهاوت، وتهافتت معها البشرية، الجزاء من صنف العمل!

إقرأ أيضا لـ"فوزية رشيد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news