العدد : ١٥٣٤٦ - الأحد ٢٩ مارس ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٥ شعبان ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٤٦ - الأحد ٢٩ مارس ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٥ شعبان ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

البنك الدولي وطريق آخر لإصلاح التعليم

بقلم: د. محمد عيسى الكويتي

الأربعاء ٢٥ مارس ٢٠٢٠ - 02:00

التعليم هو قوة دافعة للنمو الاقتصادي وتحقيق العدالة الاجتماعية وتسهيل الحراك الاجتماعي، كما انه يقلل من مشكلة الفقر وتأثيره على سلامة المجتمع وأمنه واستقراره، وكذلك يسهم في تحسين جودة الحياة للناس من خلال إطالة عمر الإنسان عند الولادة ويقلل معدلات الخصوبة ووفيات الصغار.. وأخيرا هو عامل مهم في خلق هوية وطنية متماسكة ولحمة وطنية قوية إذا نجح في خلق الفكر الحر النقدي التحليلي وتقبل الاختلاف. هذا العائد من التعليم لا يتحقق بشكل تلقائي، بل كثيرا ما تفشل الاستثمارات في التعليم في تحقيق مثل هذه النتائج. ومع ذلك فإن الاستثمار في التعليم شرط أساسي للتنمية لكنه لا يكفي. النجاح في تحقيق نتائج من الاستثمار في التعليم يعتمد على وجود عوامل أخرى ضرورية. 

فما هي هذه العوامل؟

في محاولة للإجابة عن هذا السؤال قدم البنك الدولي تقريرا في 2010 تحت عنوان «الطريق الذي لم نسلكه بعد» ناقش فيه العلاقة من خلال طرح ثلاثة أسئلة تتفرع من السؤال العام، هي: ما حجم الاستثمارات في التعليم في المنطقة العربية خلال العقود الأربعة الماضية؟ وهل ساهمت الاستثمارات في رفع النمو الاقتصادي وتحسين جودة الحياة وتحقيق العدالة الاجتماعية وتقليل معدلات الفقر؟ وهل أصبحت المنطقة أكثر قدرة على مواجهة تحديات الاقتصاد المعرفي والتقليل من مشكلة بطالة الشباب وتوفير مزيد من الاستثمار في التعليم؟ هذه الأسئلة تواجه كل دول العالم، وعلى وجه الخصوص الدول النامية التي تحاول اللحاق بالركب في الاقتصاد المعرفي والرقمي، والدول النفطية بشكل أكبر لكونها تعمل تحت ضغط نضوب النفط أو التحول عن الطاقة الاحفورية إلى مجالات الطاقة البديلة.

ويتساءل التقرير: «إذا كان الجواب عن الأسئلة الثلاثة بالنفي، وان منظومات التعليم في المنطقة لم تساهم في التنمية وليست قادرة على مواجهة التحديات الجديدة، فما هي السياسات أو الخيارات المتاحة لصانعي السياسات لتغيير هذه النتائج وتحقيق التقدم المطلوب؟»، ويتبع ذلك بسؤال جوهري يمس القدرة على التنويع الاقتصادي والتكامل في المنطقة وهو: «هل سوق العمل قادر على الاستفادة من مخرجات التعليم واستيعاب الشباب المتعلم في الأنشطة الاقتصادية المتاحة؟». هذه الأسئلة نوجهها بدورنا إلى الدولة ومجلس التنمية الاقتصادية ووزارة المالية، ووزارة الصناعة والتجارة ووزارة العمل، وبشكل خاص إلى وزارة التربية والتعليم.

في طرح هذه التساؤلات يركز التقرير على الجانب الاقتصادي ويقارن مع الدول المتقدمة فيما يتعلق ببناء رأس المال البشري واعتماده على جميع مراحل التعليم (الابتدائي والإعدادي والثانوي والجامعي والتدريبي) وحاجة كل من هذه المراحل إلى رفع الكفاءة والفعالية من خلال مدارس جيدة ومدرسين مندفعين وعلى مستوى عال من الكفاءة والقدرة ومحفزين للعطاء، ومواطنين لهم صوت مسموع قادر على المساءلة والمحاسبة للتأثير في أهداف وخيارات وتوزيع موارد التعليم.

يقول التقرير ان دول المنطقة بدأت التعليم متأخرة، لكنها أنفقت بسخاء (نسبة عالية من الناتج المحلي الإجمالي) لبناء رأس المال البشري. تمكنت من تحقيق نتائج جيدة في المساواة بين الجنسيين في التعليم وفي خفض مستويات الخصوبة وتخفيض مستوى الفقر.. غير أنها مازالت تتخلف عن شرق آسيا وحتى عن أمريكا اللاتينية في جودة التعليم ورأس المال البشري وتوزيعه. ويبين التقرير أن استثمارات المنطقة في التعليم على مدى الأربعين سنة الماضية بلغت 5% من الناتج المحلي وما يقارب 20% من الإنفاق الحكومي وكانت الفائدة كبيرة. معظم الأطفال متعلم في نظام تعليم إجباري وبعضهم يكمل دراسته الجامعية بنتائج تفوق ما قبلها. ساهم ذلك في انخفاض نسبة وفيات الأطفال ونسبة الخصوبة وارتفاع معدل متوسط العمر. وبالرغم من هذه الانجازات تواجه المنطقة:

‭{‬ مستوى اقل من المتعلمين مقارنة بمناطق أخرى قياسا الى سنوات الدراسة. نسبة كبيرة من التسرب من التعليم ومستوى متدن في الاختبارات الدولية. مستويات الأمية مازالت عالية ومعدلات خريجي تخصص الإنسانيات والاجتماعيات مرتفعة مقارنة بالمواد العلمية.

‭{‬ لم تستفد المنطقة من رأسمالها البشري، مستوى البطالة من الخريجين مرتفع ونسبة كبيرة من القوى العاملة في الحكومة. وضعف العلاقة بين تراكم رأس المال البشري والنمو الاقتصادي والتوزيع العادل للأجور وتقليل معدلات الفقر.

مازالت منظومات التعليم غير مهيأة لتخريج مهارات وخبرات قادرة على المنافسة في عالم أصبحت فيه المعرفة ضرورة للتقدم.

يعزى ذلك إلى أن الإصلاحات في المنطقة لم تهتم بالحوافز والمساءلة والتركيز على بناء القدرة الكمية للتعليم مثل بناء مدارس وتوظيف مدرسين وإعداد الكتب الدراسية ووضع المقررات. لكن مع تزايد أعداد الطلبة برزت قضية الجودة وتعاملت معها دول المنطقة بعدة آليات، منها اللامركزية والسماح للقطاع الخاص بتوفير التعليم ووضع نظم للجودة. لكن لم يبذل الجهد الكافي في إصلاح منظومي (systemic) يربط بين تحصيل الطلبة وأداء المدارس والمدرسين والإدارة العليا من خلال نظام رقابة وتقييم ونشر المعلومات حول الأداء وجعلها في متناول الطلبة وأولياء الأمور. ويرى التقرير انه مع الانفتاح المحدود في المنطقة وحيوية المجتمع المدني ومشاركة الصحافة في التقييم والنقد، لا يزال الطالب وولي الأمر والمواطن بشكل عام لا يملك آليات للتأثير في أهداف التعليم ولا في سياستها ولا في كيفية استخدام الموارد المتاحة.

من الناحية الثانية فإن سوق العمل ومعدلات النمو غير قادرة على استيعاب المتخرجين حتى لو كانت نوعيتهم عالية. فالطلب ضعيف والتنوع الاقتصادي لا يوفر فرص عمل متنوعة بما يكفي. إن الأسواق العربية لا تزال دون تكامل وتبقى صغيرة لبناء مؤسسات كبيرة تستوعب الخريجين. ولا تزال الثروة النفطية، كما كانت، تحول الاقتصاد نحو الإنشاءات والبنى التحتية التي توفر فرص عمل متدنية الرواتب للعمالة الوافدة. لم تتمكن المنطقة منذ الستينيات ولم تتمكن منظومة التعليم من توفير متطلبات السوق ولم يصل السوق إلى التطور الكافي لاستيعاب المتعلمين وبالتالي فان هناك حاجة إلى سلوك طريق آخر، فما هو هذا الطريق؟ نناقشه في مقال لاحق.

mkuwaiti@batelco.com.bh 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news