العدد : ١٥٣٥١ - الجمعة ٠٣ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٠ شعبان ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٥١ - الجمعة ٠٣ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٠ شعبان ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

دور بيرني ساندرز وأجندته الديمقراطية

بقلم: د. جيمس زغبي {

الثلاثاء ٢٤ مارس ٢٠٢٠ - 02:00

في شهرِ يوليو من سنة 2019 كنتُ في ولاية ميشيغان لحضورِ إحدى المناظراتِ في إطارِ الانتخاباتِ الرئاسية التمهيدية للحزب الديمقراطي وقد وُجهت لي الدعوة لحضور حفل عشاء مصغر مع مرشح الانتخابات الرئاسية عن الحزب الديمقراطي بيرني ساندرز. مع نهاية العشاء لم يبق عند الطاولةِ سوى الممثل والناشط دايني غلوفر والدكتور كورنيل وست، والعمدة السابق غوس نيوبرت، جين ساندرز وبعض الموظفين العاملين في حملة بيرني ساندرز. 

لقد أسهبنا ليلتها في مناقشةِ عديد من المسائل وركزنا خاصة على عوامل التغيير السياسي وقد سردنا ذكرياتنا الشخصية والدروس المستفادة التي تعلمناها من الشخصيات التاريخية، وهي في أغلبها معروفة لدى الحاضرين. 

خرجتُ من تلك المناسبة وقد اختلفتْ نظرتي إلى بيرني ساندرز. فهو لا يزال في سباق الانتخابات التمهيدية الرئاسية في الولايات المتحدة الأمريكية. يجب عليه أن يظهرَ بمظهر الشخصيةِ القادرة على التغيير في التاريخ السياسي الأمريكي الحديث. 

أثبت بيرني ساندرز، من خلال حملته الانتخابية الرئاسية سنة 2016 وإلى الآن، أنه يملك القدرةَ على حشدِ حركة سياسية تقدمية ويسهم في تنظيمها وتوجيهها كما أنه أثار الكثير من المسائل المهمة مثل الرعاية الصحية والتعليم والرواتب المجزية واعتبر أنها تمثل جزءا لا يتجزأ من حقوق الإنسان الأساسية. 

أسهم بيني ساندرز أيضا في خلق ذلك الزعيم الكبير الذي مهد لشخصيات قريبة من أسلوبه في التفكير، حيث تولى مناصب في الكونجرس وفي حكومات الولايات والحكومات المحلية إضافة إلى تولي مناصب قيادية في الحزب الديمقراطي. يعود الفضل أيضا لبيرني ساندرز في وقف انزلاق الحزب الديمقراطي إلى اليمين، علما بأن الحزب الديمقراطي قد ظل على مدى أربعة قرون كاملة يتجنب التطرق إلى الحديث عن دور الحكومة كعامل أساس من عوامل التغيير الاقتصادي. بفضل ذلك الزخم الذي ولَّده بيرني ساندرز وأصبح الكثير من الديمقراطيين الآخرين يرغبون في تبني أجندته التقدمية. 

في تلك الليلة كنتُ أنظر إلى المرشحين العشرة الذين كانوا يقفون على المنصة في تلك المناظرة. قبل عشر سنوات من الآن لو سألت الأمريكيين عن أسماء المرشحين للانتخابات الرئاسية لهذه السنة في الولايات المتحدة الأمريكية لما ذكروا لي أكثر من اسمين. أنا متأكد أن بيرني ساندرز سيكون أحد الاسمين الاثنين اللذين سيذكرانهما الأمريكيون. 

لقد انتابني نفس الشعور بشأن القس جيسي جاكسون سنة 1984 ثم في عام 1988. عندما سألت الأمريكيين بعد مرور عقد من الزمن لم يستطع أغلب الذين سألتهم تذكر اثنين من أسماء المرشحين لكنهم ذكروا جيسي جاكسون بكل سهولة. 

أردت أن أروي هذه القصة لأنني أعتبر أنه من المهم معرفة بيرني ساندرز وإدراك أهمية الدور الذي يلعبه حتى نستطع أن ندرك بعد ذلك حجم الرهانات المطروحة في الانتخابات الرئاسية الأمريكية المزمع إجراؤها في شهر نوفمبر 2020. لقد شارك أكثر من عشرين مرشحا في الانتخابات الرئاسية التمهيدية للحزب الديمقراطي وقد كان من بينهم ستة من أعضاء مجلس الشيوخ وبعض حكام الولايات الأمريكية وأعضاء في الكونجرس وبعض العمد وبعض المليارديرات.

لقد استطاع البعض أن يثيروا قدرا من الاهتمام الإعلامي كما استطاع بعضهم جمع مبالغ مالية مهمة غير أن بالوناتهم الهوائية انتفخت بسرعة قبل أن يفقدوا الهواء، أي الزخم، وسقطوا على الأرض.

في نهاية المطاف لم يبق على الساحة سوى نائب الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن وبيرني ساندرز. لقد أسهم عاملان اثنان في وصول جو بايدن إلى القمة. ففي المقام الأول جو بايدن شخصية معروفة كما أنه يمثل بضاعة محبوبة في الدوائر الانتخابية الديمقراطية، وخاصة منها الأمريكيين من أصل إفريقي والنقابات العمالية من ناحية أخرى تفضِّل مؤسسة الحزب الديمقراطي وقاعدة المانحين جو بايدن على بيرني ساندرز. 

منذ بداية هذه الانتخابات التمهيدية الديمقراطية كان احتمال انتصار بيرني ساندرز أكبر ما يثير مخاوف مؤسسة الحزب الديمقراطي. في البداية شهدنا سيلا من المقالات الافتتاحيات الصحفية والتعليقات والتحليلات السياسية التي تحذر الناخبين من مغبة التصويت لبيرني ساندرز. بعد أن حقق بيرني ساندرز عدة انتصارات وحصل خلالها على أغلبية من الأصوات في أول ثلاث ولايات «أيوا، نيو هامبشر ونيفادا» تحولت الهستيريا إلى سيل من الهجمات غير المسبقة. على مدى العقود الأربعة الماضية شاركت في الحياة السياسية الحزبية لكنني لم أشهد مثل هذه الحملة الشعواء أبدا. 

لابد أن نذكر أيضا تلك الإعلانات الدعائية التي راحت تهاجم بيرني ساندرز المدفوعة «المال الأسود» التابع لمنظمة ٍ Super PACs والمسؤولين الديمقراطيين المنتخبين ومجموعة من المحللين والمعلقين التلفزيونيين وكتاب الأعمدة وكتاب الافتتاحيات الصحفية الذين انضموا إلى ما يعتقد أنه حملة نظمتها جوقة معارضة. 

كانت بعض شعارات هذه الجوقة: 

«إذا فاز بيرني ساندرز فإن ترامب سيفوز. إذا فاز بيرني فإن الديمقراطيين سيفقدون السيطرة على مجلس النواب كما أنهم لن يستعيدوا السيطرة أبدا على مجلس الشيوخ. إذا فاز بيرني فإنه سيدمر الحزب الديمقراطي. أما بقية العبارات التي ترددت فهي كالأتي:«بيرني اشتراكي؛ بيرني هو النسخة اليسارية من دونالد ترامب؛ بيرني سوف يتسبب للحكومة بالإفلاس؛ بيرني طاعن في السن كما أنه مريض». 

شاركت إحدى الشبكات «الليبرالية» في هذه الحملة الشعواء حتى أنها بدت أكثر عداء لبيرني ساندرز أكثر من أي محطة تلفزيونية إخبارية أخرى في الولايات المتحدة الأمريكية. 

أما جو بايدن الذي كانت حملته الانتخابية بعد جولة ولاية نيفادا تعرج وتعاني من نقص الأموال وغير مرشحة للفوز في الانتخابات فقد استفاد كثيرًا من هذه الحملة السلبية الشعواء المدفوعة، التي امتدت على مدى أسبوع. بعد أن حقق فوزا حاسما في ولاية ساوث كارولاينا - وهو فوز كان متوقعا - بدأ بقية المرشحين الديمقراطيين ينسحبون تباعا من سباق الانتخابات الرئاسية واصطفوا تأييدا لجو بايدن. 

هكذا أصبح لمؤسسة الحزب الديمقراطي مرشحها الذي سيحمل لواءها من أجل مواجهة الخطر الذي يمثله بيرني ساندرز. في الجولات الانتخابية التي أجريت بعد أسبوع انتصر جو بايدن بأغلب الولايات بكل أريحية فيما أظهرت استطلاعات الرأي أن أغلب الناخبين يؤيدون في الحقيقة أجندة بيرني ساندرز غير أنهم تأثروا كثيرا بالحملة السلبية الشعواء التي استهدفت بيرني ساندرز. 

لقد قال الناخبون في عمليات سبر الآراء أنهم يريدون الفوز في شهر نوفمبر القادم كما «أننا خائفون من بيرني الاشتراكي: لأنه قد لا يفوز - رغم أن استطلاعات الرأي تظهر أن بيرني ساندزر قادر على الفوز على دونالد ترامب بهامش من الأصوات شبيه بهامش جو بايدن. 

انهار ما تبقى من الحملة الانتخابية التمهيدية للحزب الديمقراطي في خضم تفشي وباء كورونا. لن تكن هناك أي تجمعات انتخابية أو حملات دعائية للتواصل مع الناخبين في منازلهم. بعد نسبة المشاركة المتدنية في الانتخابات التي أُجربت في الأسبوع الماضي أصبحت بعض الولايات تريد الآن أن تؤجل التصويت بدلا من السماح للناخبين بالإدلاء بأصواتهم في ظروف محفوفة بالمخاطر. 

نحن ندخل الآن إلى فترة من الغموض لم نعد ندري خلالها إلى ما ستؤول إليه هذه الانتخابات التمهيدية. فقد بدأت الأصوات ترتفع من نفس الشخصيات في مؤسسة الحزب الديمقراطي تحث بيرني ساندرز على إنهاء حملته حتى يتسنى لجو بايدن الإعلان عن فوزه. سواء قرر بيرني ساندرز الانسحاب أم لا غير أن ما أدركته في العشاء الذي دعيت إليه في مدينة ديترويت أن بيرني ساندرز ليس مجرد مرشح آخر وأن حملته الانتخابية ليست مجرد حملة أخرى. 

إنهم سيواصلون تأكيد أنه يجب على الحكومة أن تلعب دورها الإيجابي من أجل معالجة التفاوت الكبير في الدخل وضمان الحق في الرعاية الصحية والتعليم وضمان العدالة العرقية والاجتماعية والسياسية والبيئية للجميع. 

قد يخرج المعتدلون منتصرين من هذه المناوشة غير أن تشكيل حركة أغلبية تضمن الانتصار في نوفمبر القادم يتطلب إشراك الجناح التقدمي في الحزب. ليس هناك من خيار آخر أمام الحزب الديمقراطي.

‭{‬ رئيس المعهد العربي الأمريكي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news