العدد : ١٥٣٥٦ - الأربعاء ٠٨ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٥ شعبان ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٥٦ - الأربعاء ٠٨ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٥ شعبان ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

كيف تعاملت الحكومة البريطانية مع أزمة كورونا؟

مركز الخليج للدراسات الإستراتيجية

الثلاثاء ٢٤ مارس ٢٠٢٠ - 02:00

واجه بوريس جونسون - رئيس الوزراء البريطاني - انتقادا بسبب سياسة حكومته في مواجهة انتشار فيروس كورونا، حيث اتبع في البداية نظرية «مناعة القطيع»، وهو ما يعني قبول تفشي المرض، بدلا من إجراءات الحد منه، أي يجب أن يتفشى المرض، وليقتل من يقتل، ولكن النتيجة سوف توفر للقطيع (الشعب البريطاني) القدرة على مقاومة المرض في مراحله اللاحقة، وهذا النهج مغاير لنهج جيرانه الأوروبيين مثل النرويج وفرنسا وإسبانيا، الذين قاموا بفرض حظر شامل على الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية بهدف إبطاء انتشار الفيروس ثم القضاء عليه؛ فلم تقم إلا بمنع التجمعات الكبيرة كالأنشطة الرياضية والحفلات. فعلى الرغم من قفز عدد حالات الإصابة من 50 حالة تقريبا في بداية مارس إلى أكثر من 2652 حالة في العشرين من شهر مارس، لم يقم جونسون إلا بتحذير البريطانيين من التجمعات والتعاملات الاجتماعية وعزل أنفسهم لمدة 14 يوما للتأكد من عدم ظهور المرض عليهم، إلا أنه لم يعلن عن حظر الحياة العامة، أو حتى اتخاذ إجراءات قد تبقي الناس في منازلهم، كإغلاق المدارس، إلا مؤخرًا حيث تقرر إغلاقها اعتبارًا من 21/3/2020, وذلك بعد توالي الانتقادات الشديدة لهذه السياسة التي تهدد حياة أناس كثيرين، والتي استندت إلى نظرية أحد العلماء وهو السير باتريك فالانس كبير المستشارين العلميين للحكومة، التي ترى أن النهج البطيء الذي تتبعه في مواجهة الفيروس صحيح، خاصة وأن منع انتشار الفيروس بشكل كلي غير ممكن في ظل عدم اكتشاف علاج للمرض، لكن هذا النهج يقلل من عدد الوفيات، خاصة وأنها قامت بتشجيع بعض الناس الأقل مناعة على عزل أنفسهم مثل: كبار السن، والحوامل، والذين لديهم ظروف صحية خاصة، بينما سمح للعديد من الأشخاص الأصحاء للتعامل مع الفيروس.

هذه السياسة أصبحت محل جدل، فبينما يرى البعض أنها سياسة واقعية، وستمنع أضرارا صحية واقتصادية واجتماعية - أكثر كارثية، خاصة وأن هذا المرض نسبة شفائه لبعض الفئات تتخطى الـ80% من دون تدخل طبي؛ ويرى البعض الآخر أنها سياسة استهتار بحجم الكارثة، وأن اتخاذ إجراءات تعزل الناس في منازلهم، سواء بشكل إجباري من خلال حظر التجول، أو طوعي، هو الحل الأفضل في الوقت الحالي.

يجادل واضعا هذه الاستراتيجية كل من «كريس ويتتي» - كبير الأطباء في إنجلترا - و«باتريك فالانس» - كبير المستشارين العلميين للحكومة- أن: «تثبيط الناس عن الاختلاط الاجتماعي والعمل في الأماكن العامة والسفر في هذه المرحلة سيقلل من عدد الوفيات المتوقع على مستوى العالم من 250.000 إلى 20.000»؛ وهو ما اتفق عليه العديد من علماء الأوبئة. ويرى العديد من الخبراء أن نهج الحكومة هو أفضل طريقة للتعامل مع الفيروس، فهو سيوفر لدى هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية المزيد من الوقت للتحضير، والعمل على تطوير العلاجات أو اللقاحات، خاصة مع اقتراب فصل الصيف الذي سيقلل عدد المصابين»؛ ويضاف إلى ذلك أن عزل جميع السكان بمنازلهم؛ سوف يؤثر على إضعاف المناعة، مما يؤدي إلى احتمالية استمرار الإصابة مرة أخرى وهو ما سينتج عنه ارتفاع عدد الوفيات على المدى البعيد. 

وبغض النظر عن المنطق الصحي للاستراتيجية البريطانية، يرى المؤيدون أنها سياسة صحيحة اقتصاديا واجتماعيا؛ فزيادة الكلفة الاجتماعية على الناس، سوف تخلق الكثير من الاضطراب الاقتصادي، خاصة لذوي الوظائف التي لا يمكن أن تتم عن بعد، وهو ما سيضطرهم لكسر أوامر الحكومة من خلال العودة إلى العمل، وبالتالي تعريض أنفسهم للإصابة بالفيروس، والبدء في موجة ثانية من الإصابات. ويؤكد ذلك «توم سولومون» - مدير وحدة بحوث حماية الصحة بالمعهد الوطني للبحوث الصحية - إذ يرى أنه: «ليس هناك شك في أن الإجراءات العميقة كما رأينا في الدول الأوروبية الأخرى ستبطئ الانتشار، ولكن يجدر النظر في التأثير الاجتماعي والاقتصادي الهائل في تلك المرحلة، فوفقا لعلماء الاجتماع، فإن الناس سوف يسأمون من فرض الأمر ويبدءون في كسر القواعد في وقت من المرجح أن يصل تفشي المرض فيه إلى ذروته».

وعلى الرغم من أن النهج الجديد الذي تبنته الحكومة يشير إلى تحسن كبير في سياستها الأولية المتمثلة في عدم التدخل في الأزمة، إلا أن عددًا من الأكاديميين والمحللين ما زالوا يعتقدون أنها لا تزال تتجاهل بعض التدابير المهمة بشكل أساسي؛ فتشير صحيفة «فاينانشال تايمز» إلى أن: «السياسة الجديدة تقرب بريطانيا من الانسجام مع دول الاتحاد الأوروبي، التي وضعت اقتصاداتها في مأزق، لكنها غير كافية». ويرى الفريق المعارض أنه مع عدم فرض إجراءات العزل والحظر على الحياة الاجتماعية، فإن الوضع سيتفاقم إلى حد كبير في بريطانيا، وبالتالي لن يتباطأ انتشار الفيروس.

فعلى سبيل المثال، في الوقت الذي تم فيه إغلاق المدارس في جميع أنحاء أوروبا، كلف جونسون بوجوب بقاء جميع المؤسسات التعليمية التي تديرها الدولة مفتوحة حتى إشعار آخر، وهو ما تسبب في قلق كبير لدى الناس، فعلى الرغم من أن الأطفال نادرا ما يتأثرون بالمرض وفقا للهيئات الصحية، إلا أنهم معرضون للمرض من خلال العدوى، ومن خلال إصابتهم سوف يتسببون في إصابة ذويهم الذين قد يكون منهم أشخاص ذوو مناعة أضعف، مما يتسبب في ارتفاع حالات الإصابة التي تسعى الحكومة إلى تجنبها. وفي ذلك يرى «لوك ماكجي» - محلل سياسي في شبكة سي إن إن- أن: «المملكة المتحدة لا تزال متأخرة عن العديد من الدول الغربية الأخرى، فهي فقط تنصح الناس بدلاً من فرض إجراءات عليهم».

وعلى الصعيد الاقتصادي، فإنه يمكن الاقتداء بسياسات بعض الدول التي قللت حجم الاضطرابات الاقتصادية من خلال الإعانات؛ فقد أعلن الرئيس الفرنسي «إيمانويل ماكرون» مؤخرًا عن صندوق طوارئ بقيمة 300 مليار يورو من أجل الإبقاء على الأعمال التجارية الصغيرة في البلاد فضلاً عن إبقاء المواطنين في منازلهم، كما توقفت تماما مجالات العمل داخل أنشطة الرهن العقاري وعمليات دفع الإيجارات، في كل من إيطاليا والدنمارك، بينما لم تتبع المملكة المتحدة أيا من مثل هذه الإجراءات الاحترازية، كما أن «جونسون» لم يقدم أية رؤية واضحة حول الخطط البديلة لكيفية مواجهة عملية الإغلاق المستمر للشركات أو التقليل من التداعيات المالية الخطيرة على الفئات الفقيرة داخل المجتمع البريطاني.

ولعل التهديد الاقتصادي الرئيسي يكمن فيما قد يطال صناعة الضيافة برمتها داخل بريطانيا، والتي يندرج تحتها الحانات والنوادي الليلية والفنادق والنوادي الرياضية والمطاعم؛ حيث يعمل بهذه الصناعة 3.2 ملايين فرد، وهي ثالث أكبر قطاع يعمل به العديد من القوة العاملة البريطانية بالإضافة إلى كونه مكونا جوهريا لتعزيز الاقتصاد بأكمله. وكتبت صحيفة فايناشيال تايمز البريطانية أن «شركات الضيافة والمسارح اتسمت ردود فعلها بالغضب والاستياء على خلفية أوامر رئيس الوزراء بضرورة إغلاقها، لإيمانها بعدم قدرتها على الوفاء بالتزاماتها».

ولا يخفى أنه على الرغم من عدم تنفيذ الإغلاق بشكل كامل، فإن تلك الشركات بصدد خسارة عملائها الدائمين دون الحصول على أي تعويضات، وهو ما قد يتسبب في إنهاء مسيرة الحياة السياسية لحكومة رئيس الوزراء، لما قد يعقبها من اتساع معدلات البطالة وشل حركة التنزه ووسائل الترفيه بالنسبة إلى كافة البريطانيين في جميع أنحاء البلاد.

وبدا واضحًا أن تأخر  «جونسون» في فرض إغلاق أو حظر كامل رسمي بالمملكة المتحدة مثل الدول الأوروبية الأخرى وعدم اهتمامه بالتداعيات الصحية والاقتصادية من وراء ذلك بث روحا من عدم الثقة داخل نفوس عامة البريطانيين، ففي استطلاع أجرته الأوبزرفر البريطانية، هناك: « 36% فقط من البريطانيين لديه الثقة في قدرة رئيس الوزراء على مواجهة الأزمة، بينما البقية تؤمن بضرورة اتخاذ المزيد من الإجراءات الجدية والملحة لوقف انتشار الفيروس». وتلك الحالة من انعدام الثقة يتشاركها العديد من الخبراء والمحللين في مجالات عدة.

وتجدر الإشارة إلى أن الحكومة اتخذت إجراء ربما يثير الغضب أكثر، وذلك من خلال إيقاف جميع العمليات الروتينية لمدة 3 أشهر بالمستشفيات البريطانية، فضلا عن إرسال آلاف المرضى إلى المنزل دون إجراء تقييمات كاملة لتوفير ثلث أسرة البلاد لعلاج مرضى كورونا؛ بل إن رئيس الإجراءات الصحية الوطنية في إنجلترا، السير «سيمون ستيفنز» أكد ضرورة اتباع الناس نصائح الحكومة بشأن تجنب الاختلاط والمناسبات العائلية لمساعدة النظام الصحي في البلاد على تجاوز الأزمة، وهو ما يعني استمرار النهج القائم لفترة غير معلومة.

على العموم، ان الكثيرين يعلمون جيدًا أن النهج الراهن المتبع من قبل الحكومة البريطانية في التعامل مع الأزمة لا يقلل نسبة الإصابة، ولذا فإنه من الضروري اتباع إجراءات أخرى أهمها التعاون والتنسيق مع منظمة الصحة العالمية ومع دول الاتحاد الأوروبي للعمل على الحد من انتشار هذا الوباء، وعلى الحكومة تقديم التعويضات المناسبة للأفراد والشركات التي ستلحق بها أضرار جراء تفشي الفيروس، وإلا فإنها مهددة بفقدان ثقة أغلبية المواطنين. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news