العدد : ١٥٣٥٦ - الأربعاء ٠٨ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٥ شعبان ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٥٦ - الأربعاء ٠٨ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٥ شعبان ١٤٤١هـ

مقالات

الجسر الأخلاقي.. من الاستثمار المسؤول اجتماعيا إلى التمويل الإسلامي

بقلم: وليم طعمه

الثلاثاء ٢٤ مارس ٢٠٢٠ - 02:00

يتشابه التمويل الإسلامي والاستثمار المسؤول اجتماعيًا في أصولهما وتطلّعاتهما؛ إذ يشتركان في وجود أساس أخلاقيّ يجعل من الرعاية الإداريّة وإيجاد القيم المجتمعيّة من الركائز الأساسيّة لمجال التمويل. ورغم هذا التشابه، إلا أنّه لطالما كان لكل من مدرستي التمويل هاتين طريقهما الخاص في عالمين متوازيين دون أن يلتقيا. 

تسعى الدراسة الجديدة الصادرة عن معهد المحلّلين الماليين المعتمدين بعنوان «الاستثمار المستدام والمسؤول والمؤثّر والتمويل الإسلامي» إلى مدّ جسر أخلاقي بين هاذين المجالين التمويليين، وذلك عبر تقصّي مفاهيمهما الأساسيّة وارتباطهما التاريخي المشترك.

وُضِعَ مفهوم الاستثمار المسؤول اجتماعيًا قبل تطوير مجال التمويل الإسلاميّ في سبعينيات القرن الماضي، فقد وضعت مدرسة الاستثمار المسؤول اجتماعيًا بعض الممارسات وأساليب التنظيم الأساسيّة التي تبنّتها مدرسة التمويل الإسلامي الحديث وجعلت منها عمادًا لها، ومن بين أمثلتها الفحص الإقصائي للأعمال والممارسات المؤثرة سلبًا في المجتمع (exclusionary screening) والتبادلية (mutuality). ولم يحدث ذلك بمحض الصدفة، فقد استفاد التمويل الإسلامي من دراسة وتوظيف الأساليب التي ابتكرتها مدرسة الاستثمار المسؤول اجتماعيًا. 

ويبدو فعليًا أنّ الفارق الزمني بين التطوّرات المبتكرة الحاصلة في مجال الاستثمار المسؤول اجتماعيًا وتبنّيها من جانب التمويل الإسلامي بدأ يتقلّص. أُطلِقَ مؤشر دوميني الاجتماعي (Domini Social Index)، المكوّن بصفة أساسية من 400 شركة أمريكيّة ذات رؤوس أموال ضخمة، في عام 1990 وفي عام 1999 أُطلِقَ مؤشر داو جونز للسوق المالية الإسلامية، فيما طرح البنك الدولي أول سندٍ ماليّ صديق للبيئة في عام 2008, وبعد أقلّ من عشر سنوات، صدر أول صكّ إسلامي صديق للبيئة، وهو ما يعرف أيضًا باسم السند المالي الإسلامي. كما صدر أول سند مالي مؤثرّ اجتماعيًا في عام 2010, وتبعه إصدار أول صك استثمار مسؤول اجتماعيًا في عام 2015. 

عناصر الاختلاف والتكامل

ثمّة اختلافات بارزة بين التمويل الإسلامي والاستثمار المسؤول اجتماعيًا على الرغم من وجود محاور متشابهة بينهما. 

ومن أبرز تلك الاختلافات هي ضآلة حجم قطاع التمويل الإسلامي مقارنة بالاستثمار المسؤول اجتماعيًا؛ إذ أن جُلّ أصول التمويل الإسلامي محصورة في العمل المصرفي التجاري وتتركّز ضمن اثني عشر نطاقًا فقط. 

ورغم توافق بعض التحريمات الإسلامية مع مقاربة الفحص الإقصائي في الاستثمار المسؤول اجتماعيًا، إلاّ أنّ اهتمامات التمويل الإسلامي تتجاوز الغرض من التمويل - كمنع الكحول والتبغ والقمار - لتشمل هيكل التمويل نفسه. ومن الأمثلة على ذلك تحريم الربا (إقراض المال مقابل الفائدة) والغرر المفرط (أو البيع الذي ينطوي على خطر مجهول). 

نستنتج مّما سبق أنه رغم وسم بعض الاستثمارات بأنها إسلاميّة ومسؤولة اجتماعيًا، إلاّ أنه من غير المرجّح أن تتمكّن معظم الاستثمارات المسؤولة اجتماعيًا والمُقدّمة في الدول المتقدّمة من استيفاء المعايير الإسلاميّة. يعود السبب في ذلك إلى أنّ الاستثمار المسؤول اجتماعيًا لا يُعنى غالبًا بالمحرّمات الإسلاميّة كالربا والغرر، بحيث لا يعتبرها من المجالات التي يجب أن يتجنّب التعامل فيها. 

بالإضافة إلى ذلك، فإن عمليات الاستثمار المتوافقة مع الشريعة الإسلامية لا تتداخل جميعها مع الاستثمار المسؤول اجتماعيًا؛ فعلى سبيل المثال، يضخّ الاستثمار الإسلاميّ استثمارات ضخمة في استخراج الموارد، بما في ذلك التعدين.

المستقبل

غير أن السوق شهد مؤخرًا طرح عددٍ من الصكوك الإسلاميّة التي تستوفي أعلى معايير الاستثمار المسؤول اجتماعيًا، ومن أمثلتها طرح أول صكّ إسلامي صديق للبيئة في ماليزيا عام 2017, حيث جمع 59 مليون دولار أمريكي لتمويل محطةٍ لتوليد الطاقة الشمسيّة. حصل هذا الطرح على تقييم «الأخضر الداكن» من قبل المركز العالمي لبحوث المناخ والبيئة (Cicero) القائم في أوسلو بالنرويج. يُعطي المركز العالمي لبحوث المناخ والبيئة نتائج التقييمات حسب ثلاث درجات من اللون الأخضر. ويُعدّ اللون الأخضر الداكن أعلى تقييم يمنحه المركز، وهو تقييم لا يُعطى إلا للمبادرات والمشاريع التي تُسهم في تقليل انبعاثات الكربون على المدى البعيد كمشاريع توليد الطاقة من الرياح.

كما طرحت إندونيسيا في مارس 2018 أول صكّ سياديّ صديق للبيئة في اكتتاب يفوق الإصدارات بلغت قيمته 1.25 مليار دولار أمريكي.

أمّا المسألة المهمة المتعلّقة بالمنتجات التي تتوافق مع متطلّبات التمويل الإسلامي والمبادئ البيئية والمجتمعية والحوكمة، فهي تتمحور حول وجود منفعة ملموسة من الاستفادة من الاستراتيجيتين على نحوٍ متوازٍ. تشير دراسة أجريت حول التمويل الإسلامي والاستثمار المسؤول اجتماعيًا، والتي تضمّنت معاينة خمس آلاف شركة غير ماليّة، إلى وجود أوجه تآزر مجدية تعود بالمنفعة على كلا المجالين. 

وقد حصلت الشركات المتوافقة أعمالها مع الشريعة الإسلامية على نتائج تفوق الشركات المقصاة عبر عملية فحص التوافق مع الشريعة بمعدّل 6 بالمائة. أما نسبة الفرق بالنسبة للشركات غير المالية فقد وصلت إلى 10 بالمائة. وإجمالا، حصلت الشركات المتوافقة مع الشريعة الإسلامية على نسب استثمار مسؤول اجتماعيًا تفوق الشركات غير المتوافقة مع الشريعة بمقدار 10.2 بالمائة.

هذا ولا يوجد ما يثبت المخاوف المتعلّقة بالتأثير السلبي على الأداء بسبب القيود التي يفرضها التمويل الإسلامي أو الاستثمار المسؤول اجتماعيًا، بسبب عملية الفحص الإقصائي على سبيل المثال. في عام 2015 نشر قسم إدارة الأصول والثروات التابع لـ«دويتشه بنك» تحليلا استخلاصيّا عن أثر اعتبارات الاستثمار المسؤول اجتماعيًا في الأداء المالي للشركات. حيث عاين التحليل 2.250 دراسة أكاديميّة منذ عام 1970 حتى عام 2014, وخلصت الدراسة إلى أن 62.6 بالمائة من الدراسات تشير إلى الأثر الإيجابي الذي يولّده الاستثمار المسؤول اجتماعيًا على مستوى الأداء، بينما أشارت 10 بالمائة منها إلى وجود أثر سلبي ناتج عنها. أما باقي الدراسات فكانت نتائجها حيادية الطابع.

تُشير التغييرات الديموغرافية إلى إمكانية دمج وتوظيف التمويل الإسلامي مع الاستثمار المسؤول اجتماعيًا في خدمة المجتمع مستقبلاً. 

وقد توقّع «مركز بيو للأبحاث» (Pew Research Centre) أن يرتفع تعداد السكان المسلمين بنسبة 73 بالمئة بين عامي 2010 و2050, بينما في عام 2019 تجاوزت أعداد جيل الألفية (1981-1996) جيل طفرة المواليد (1946-1964) ليصبحوا بذلك أكبر فئة ديموغرافية. يتميّز جيل الألفيّة بتبنّيه قضيّة الاستثمار المسؤول اجتماعيًا. فوفقًا لاستبيان أجرته شركة «ديلويت»، أفاد 63 بالمائة من جيل الألفيّة الذين أجابوا على الاستبانة أنهم يعتبرون «تحسين المجتمع» أهم من «تحقيق الأرباح».

أمّا بالنسبة للمجتمع عمومًا ومستقبل القطاع الماليّ على وجه الخصوص، فإن المصلحة العامة تكمن في سيادة نظام ماليّ - أيّا كان منشأه - يضع الرعاية الإداريّة على هرم أولويّاته. ويقع على عاتق التعليم المهني المستمر أن يُسهم في نشر هذا التوجه الاجتماعيّ الواسع، وهنا يأتي دور المحلّلين الماليين المعتمدين الذين يتمحور دورهم حول نشر اسمى المعايير في هذا المجال وتأصيلها إلى جانب تعزيز القيادة الأخلاقيّة والأنشطة الداعمة له. 

 

 محلّل مالي معتمد، الرئيس الإقليمي لمعهد المحلّلين الماليين المعتمدين في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news