العدد : ١٥٣٥٦ - الأربعاء ٠٨ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٥ شعبان ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٥٦ - الأربعاء ٠٨ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٥ شعبان ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

التدبر.. فريضة قرآنية!

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ٢٢ مارس ٢٠٢٠ - 02:00

من الفرائض المحكمة فريضة التدبر للقرآن الكريم، لا نقول هذا: تعسفًا في فهم النصوص القرآنية، بل خضوعًا لها، واستبصارًا للصراط المستقيم من خلالها ويكفي أن نقف مع سورة القمر لنجد الدعوة المستمرة والملحة إلى التدبر والغوص في ألفاظ القرآن للبحث عن كنوزه المدفونة بين ثنايا الآيات، يقول تعالى: «ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر» (القمر/ 17)، وهذه الآية لم ترد في السورة مرة أو مرتين، بل جاءت أربع مرات في الآيات: (17، 22، 32، 40)، وكأن هذا التكرار دعوة ملحة إلى التدبر واستجلاء معاني الألفاظ في النص القرآني، ليس هذا فحسب، بل لقد طوع الحق سبحانه وتعالى ألفاظ القرآن للمتدبرين حين قال سبحانه وتعالى: «ولقد يسرنا القرآن للذكر...»، فما عذر المعرضين عن التدبر بعد هذا البيان الإلهي الواضح؟!

وكما أعان الله تعالى من يقبل على قراءة القرآن بتيسيره لهم، فإنه تعالى أعانهم في موضع آخر فدلهم على بعض أدوات التواصل معه، فقال سبحانه وتعالى: «أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها» (محمد/ 24)، ولهذا وجب على من يقبل على القرآن تلاوة وتدبرًا أن يفتح قلبه قبل أن يفتح المصحف، وأن ينقي قلبه من الشوائب، ويصفيه من هوى النفس والشيطان، وأن يبعد الدنيا عنه، فيتحقق له حسن التواصل مع القرآن ويجني من ثمراته ومن قطوفه الدانية ما لا حصر له، فينتفع قارئ القرآن من قراءته وتدبره، ويستحضر عظمة منزل القرآن، وجلال هذا الكتاب المعجز الذي جمع بين المعجزة الدالة على صدق الرسول المبلغ عن الله تعالى، والسجل التاريخي الذي قص فيه الله تعالى على رسوله قصص الأولين والآخرين، وأيضًا جعله ميزان الحق الذي «لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد» (فصلت/ 41) فيه تصديق لما صح من الكتب المنزلة من الله تعالى، ومهيمن على ما حرف منها، وهو قبل هذا وبعده شرعة منظمة لحياة الناس، ومنهاج يدلهم إلى سواء السبيل، كل هذه الجوانب لا يمكن إدراكها من دون التدبر وإدراك وسائل القرآن وغاياته.

أيضًا في القرآن الكريم إشارات إلى المستقبل العلمي للبشرية تحقق منها شيء، وبقي الكثير لم يتحقق، وآفاقه العلمية مشرعة الأبواب والنوافذ، وفيها قدر من التحدي لأساطين العلم ورواد المستقبل، لقد وضع لهم إشارات على الطريق من يكتشفها ويسير في اتجاهها، فإن الله تعالى سوف يهبه شيئًا من عطائها يشجعه على المضي في سبيلها.

إن القرآن الكريم ميزان الحق، فإذا تاهت العقول عن غاياتها ردها إلى هذه الغايات، وإذا ضعفت النفوس فانحرفت عن صراط مولاها المستقيم ردها إلى هذا الصراط، وحذرها من اتباع غيره من السبل، فقال سبحانه وتعالى: «وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون» (الأنعام/ 153)، ومن هذه السبل التي نهانا الحق سبحانه وتعالى عن اتباعها: التطفيف في المكاييل والأوزان، قال سبحانه: «ويل للمطففين(1) الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون(2) وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون(3) ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون(4) ليوم عظيم(5) يوم يقوم الناس لرب العالمين(6)» (سورة المطففين).

ومن عطاء التدبر لهذا القرآن العظيم أنك تدرك من خلاله الدليل على وحدانية الله تعالى والسبيل إلى ذلك أن تبحث فيه، وتبذل المستحيل للبحث فيه عن أي اختلاف، قال سبحانه وتعالى: «أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرا» (النساء/82) وما دامت البشرية لم تستطع بكل ما وصلت إليه من علوم ومن وسائل أن تجد فيه اختلافًا كثيرًا، وهذا يعني أنه صادر عن إله واحد لا شريك له، وهذا من أدلة وحدانية الله سبحانه وتعالى.

إنه دعوة صريحة، وتحدٍ لم يستطع أحدٌ أن يواجهه طوال أربعة عشر قرنًا، بلغاء العرب، وعظماء الشعر، وأصحاب البيان لم يقدروا على أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور مفتريات من مثله، أو حتى بسورة واحدة من مثله رغم أنه نزل بلغتهم، وبما درجوا عليه من ألفاظ وحروف.. والقرآن متاح بين يدي الخصوم والتحدي المطروح هو أن يجدوا فيه اختلافًا كثيرا، والمحاولات من خصوم الإسلام والطاعنين في حقائقه ومسلماته مستمرة في كل عصر، وها هي الكنائس في الشرق والغرب توجه بعض قساوستها إلى دراسة القرآن والبحث فيه عن أخطاء، لأنهم لا يؤمنون بإلوهية هذا الكتاب، وأنه كلام الله الذي: «لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد» (فصلت/41) لأنهم لا يؤمنون بذلك، ولا يتصورون أن كتابًا مر عليه أكثر من أربعة عشر قرنًا من دون أن يطوله التحريف والتغيير، فإنهم يدهشون لعظمة هذا الكتاب، وجلال قدره، وتكون النتيجة التي لم تتوقعها الكنائس، ولم تعمل لها حسابًا أن هؤلاء القساوسة يعلنون إسلامهم ويصيرون دعاة إلى الإسلام مبشرين به، حريصين على دعوة غيرهم إلى الإيمان به.

إن دعوة القرآن المستمرة والملحة إلى تدبر آياته وسوره لأعظم دليل على أن هذا الكتاب من عند إله واحد لا شريك له سبحانه وتعالى، وأن ما تضمنه من حقائق إيمانية، وإشارات كونية وعلمية وعد الله تعالى بأن يظهره على غيره من الكتب، وأن يحتفظ بنقائه، وصفائه وجدته، «هو لا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه الإيمانية والعلمية، ولا يشبع منه العلماء العاملون، وإن أعلاه لمثمر معطاء، وإن أسفله لمغدق، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه يعلو ولا يعلى عليه»، هذا الوصف العجيب، والقرآن فوق هذا بكثير، نقول: إن هذا الوصف قاله أحد دهاة العرب، وأمير من أمراء البيان حين أرسلته قريش ليسمع القرآن من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ثم يقول فيه قولاً ينفر الناس منه، فلم يستطع أن يخدع نفسه، ويستهين بعقله، أو يلوي عنق النصوص لتفصح لهم عما يشاؤون، ولكن الحق سبحانه وتعالى أنطق هذا الكافر المعاند وجعله يتغزل في القرآن -إذا جاز لنا التعبير- حتى أن أصحابه رأوا فيه هذا التغير، وقالوا والله لقد عاد الوليد بغير الوجه الذي ذهب به من شدة تأثره بالقرآن من فم رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، والعجيب أن ما فعلته قريش حين أرسلت الوليد بن عتبة إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هو عين ما تفعله الكنائس هذه الأيام، وهذا يعني أن خصوم الإسلام وأعداء هذا الدين ينزعون عن قوس واحدة!

وبعد، فإنه على المسلمين أن يواجهوا العالم بهذا الكتاب المعجز تلاوة، وتدبرًا وعملاً، واستجابة لما يدعو إليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله تعالى لأنه على هذه المبادئ أسست دولة، وقامت حضارة، ونهضت أمة، والتاريخ الصادق لا يزال يذكر فضل الحضارة الإسلامية وما حققته للبشرية إذ لولا حضارة الإسلام وقيمه العليا ما قامت حضارة الغرب، وها هي الدكتورة زيغريد هونكه صاحبة كتاب «شمس العرب تسطع على الغرب» تعتذر إلى المسلمين في تأخر الغرب عن الاعتراف بفضل الحضارة الإسلامية على حضارة الغرب نشوئها وتطورها، وها هو المؤرخ والطبيب الفرنسي غوستاف لوبون يضع كتابًا ضخمًا عن الحضارة الإسلامية، بعنوان «حضارة العرب»، والكتب التي أشادت بفضل الحضارة الإسلامية والثناء عليها كثيرة لا يتسع المقام إلى ذكرها.

إذن، فالتدبر بهذا المعنى وبغيره من المعاني هو فريضة قرآنية لازمة لا يمكن إدراك عظمة القرآن وشرف وسائله وغاياته إلا من خلالها، أما القراءة المستعجلة والسطحية، فهي لا تؤدي الغاية منها، ولا تفصح عن مكنون القرآن العظيم.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news