العدد : ١٥٣٥٣ - الأحد ٠٥ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٢ شعبان ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٥٣ - الأحد ٠٥ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٢ شعبان ١٤٤١هـ

الثقافي

وهج الكتابة: يا الزَينِة ذِكرِيني!

بقلم: عبدالحميد القائد

السبت ٢١ مارس ٢٠٢٠ - 10:32

في أيام الشبابِ الأولى في السبعينيات كنتُ في الدوحة لزيارة أخي الكبير الذي كان مقيمًا ويعمل في قطر. وفي أحد الأيام وكان الوقتُ عصرًا وجدتُ نفسي فجأةً وحيدًا يعتصرني الملل. كنتُ «أتسكعُ» في الشوارع بلا هدى، أعدُّ اللحظات كي أعود إلى حضنِ ودفءِ وطني الحبيب، فأنا من النوع الذي لا يستطيع البعد عن الوطن أكثر من أسبوع واحد وإن زاد عن ذلك أسبوعين لا أكثر. فجأة وأنا أمر بأحد المقاهي فإذا بي أسمع أغنية «تحاكي وتحاور ما بي من سأم وتداوي ما بي من حنين». كانت تلك أغنية الفنان الكبير أحمد الجميري من كلمات الشاعر الشيخ عيسى بن راشد التي أعادت لي روحي في ذلك اليوم الثقيل على النفس وأرجعتني إلى البحرين للحظات:

سَلام يا أحلى وطر

زِتَات ودّع

سلام يا فيّ العَصُر

اذكرني لي جِيت

بِعيد بعّدني الدَهر

والحينْ حنّيت

سنين يا فيّ العصر

ياما نِطرَتك......

فجاةً ومن دون موعد ولا وداع غادرنا رائد الأغنية البحرينية والشخصية الرياضية البحرينية، وكلماته الحنونة الأصيلة المبدعة تعانقُ موجَ البحر لتتحول رذاذًا باردًا ينعش وجوهنا في مواسم القيظ. كلماته ممزوجة بتراب الأرض وعرق الوطن وأصالة لهجة الأحباب في المحرق وبحر المحرق. إنسان ممتلئ حبًا للناس والوطن. نقي وعفوي وصاحب نكتة ومتواضع إلى درجة مفرطة. إنسان يستعصي على الكُره ويستعصي على التجاهل فهو كان دائمًا عاشق البحرين وأحيائها الشعبية الأصيلة ولهذا السبب تنهمر كلماته كرحيق القلب والروح. كان خبرُ رحيله صدمةً للكثيرين فهو إنسان يحبه الجميع ويحترمه الجميع. 

مرةً كنتُ في أحد المجالس ورأيتهُ وهرعت إليه وقبّلت رأسه فسألني من أكون. فعندما سمع اسمي سحبني من يدي وأجلسني بجانبه. وقال لي: «تره أشعاركم ما تِنفهم والناس ما تقراها. ما أدري تتفق معاي أو تزعل مني». قلت له: ربما يكون كلامكَ صحيحًا وخاصةً لمن تعوّدت أذناه على الشعر التقليدي، ولكن إذا سمعت القصيدة الحديثة وهي تُلقى فربما تعجبك. وقال لي: «هذا الميدان يا حميدان» واستأذن الحاضرين الذين كان عددهم لا يزيد عن ثلاثين شخصًا تقريبًا، وبدأت ألقي قصيدة قصيرة نسبيًا كانت موجودة في تليفوني. وكعادته وبطريقته الشعبية المحببة قال وهو يضحك: «قصيدتك وايد جميلة حرام تكتبها لازم تلقيها وتوزعها علشان نستمتع. الشعر الحديث لازم ما ينكتب حرام لازم ينسمع بس».

أصدر المرحوم ديوانين هما «فيّ العصر» و«من أغنياتي» «نشر فيها أجمل الكلمات التي اشتهرت معظمها بعد أن غناها صاحب الصوت الشجي أحمد الجميري الذي قال في إحدى مقابلاته بأن كلمات عيسى بن راشد هي التي أوصلته إلى الشهرة وأشهرها «يا الزينة ذكريني» و«نصايف الليل» و«وأقف على بابكم» و«ولهان ومسير» و«نعم أغير» وغيرها. 

كان المرحوم والجميري يشكّلان ثنائيًا متفردًا مثلما كان الشاعر الصديق الحبيب علي الشرقاوي مع الفنان الكبير خالد الشيخ، وأكاد أجزم أن شهرة خالد الشيخ تعود في معظمها إلى كلمات علي الشرقاوي - شفاه الله وعافاه. إنه الشعر الجميل الذي يجعل المطربين جميلين.

خسارةٌ كبيرة فقدان البحرين لشاعر رائع وشخصية رياضية معروفة عشق الرياضة والأرض والناس وعشقوه. وستظل كلمات أغانيه خالدة، نشمُّ فيها رائحة أوال وطعم أوال وعشق أوال. لروحك السلام يا بوعبدالله. 

Alqaed2@gmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news