العدد : ١٥٣٥٦ - الأربعاء ٠٨ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٥ شعبان ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٥٦ - الأربعاء ٠٨ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٥ شعبان ١٤٤١هـ

الثقافي

نـــبــــض : عيسى بن راشد: وطنُ القصيدة

بقلم: علي الستراوي

السبت ٢١ مارس ٢٠٢٠ - 10:29

«وانا شرهان يا عمري.. اخاف اموت من حبك 

يذوب من الهوى قلبي.. من الغيرة وانا جنبك 

 وكثر الشك في حبي.. احس ان انتي كل دنياي..

 نصيبي وحظي ودربي.. واحس ان انتي دون الناس

 احلا ما خلق ربي».

عندما يرحل الشعراء والمحبون تنكسر ما بين الحدقتين دموع لا تجف، ولا تترك نبعها من دون أن تحرك رواكد الألم، رواكد الفيض التي تظل خضراء في ظل بقاء محبيها، كالفراشة فوق الورد، تتغطى بذاكرة السنين التي عرف فيها الأجداد حصيرة النوم فوق تراب وطن واحد، له القلب من الحكايات والبهجة في ليالي الربيع.

حكايات تلك السنين التي ابقت معها ظل عافية تغنّى بها القمر على سطح مياه عذاري أو قصاري، أو ما تفرق من نخلٍ وبحرٍ عرفهُ الجميع من الناس في هذا الوطن على اختلاف شرائحهم، والكل في قلادة النخل بسر واحدٌ رغم تعدد ألوانه.

 فاعذريني يا سني الألفة والليالي المقمرة بالشعر والموسيقى، عدم القدرة على معاندة نفسي واستطاعتها على مسح دموع الحزن من مقلتين تعودتا منذ سنوات قراءة قصائد الشاعر الجميل الشيخ عيسى بن راشد آل خليفة ذي البسمة والطرفة التي اسعدت الكثيرين من ابناء الوطن ومن هم في الجوار من وطننا في الخليج العربي، بل تعدته للوطن العربي الكبير، وقد تكون ابعد.

هي صدمة قد أدركها القلب برحيله، فعصر ألمه وتعامل مع الحب الكبير الذي حرص عليه الراحل الشيخ عيسى بن راشد آل خليفة أن يتركه في قلوب الكثيرين من الناس، لأنه أحبهم فأحبوه، ولم يكن في يوم ما ضجرا، لأنه مدرك أن الطرفة هي الباب المفتوح لأكثر القلوب سعادة، فلم تغادر شفتاه هذه البسمة رغم سنوات عمره الأخيرة في معانته للألم الذي ظل يعصره بداء اشتدت قسوته بالأنين الشديد، لكنه تحامل على مرضه وترك للبسمة والطرفة مكانها التي اعتاد عليها محبوه منه.

صاحب تجربة غنية في كتابة الشعر العامي المغناة والتي انحازت اكثرها في حب الوطن «البحرين» وارتباطها بالحبيبة ارتباطا وثيقا وبصيرورة قصائده التي تضمنت الديوانين اللذين صدرا له وهما: «في العصر» والآخر «من اغنياتي»، وديوان ثالث أعده الشاعر وتغنى فيه بالمحرق، ومن قصيدة المحرق نقرأ: 

«ودتني يا محرق غصب ريولي صوب البيت 

رديت ودموعي تهل يا ريت ما مريت 

وين اللي كانوا لي أهل وكانوا اعز احباب 

راحوا خلوا بيتهم الغالي للأغراب»

مثل هذه المفردات ذات اللغة العالية في الإحساس هي مفردات لا يعرفها إلا قلب يحنو على محبيه ويفرش في دروب أفراحهم طرق من الورد والياسمين.

والجميل أن الشيخ عيسى بن راشد دائم الاتصال بمحبيه، وفي أحد اللقاءات التي اجريت معه عبر بشفافية عن ذلك الحب عندما سئل عن قصة كتابته قصيدة «آه يالزينة ذكريني»، حيث ذكر في هذا اللقاء انها كانت لها مناسبة خاصة: حيث كنتُ مع جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة حفظه الله، عندما كان وليا للعهد في امريكا ليتم تخرجه في كلية الأركان. دهشتُ كون الولايات المتحدة الأمريكية في آخر الدنيا، بعيدة المسافة وكل شيء كان مختلفاً، المواعيد والأكل والنوم، فأحسستُ وقتها بالغربة والاشتياق للوطن، حيث كانت الغربة متعبة جعلتني اشعر بكتابة يالزينة ذكريني وكثيراً ما يقال لي: (سافرنا وسمعنا قصيدة يالزينة ذكريني اشتقنا للبحرين ورجعنا)».

 كان هذا الحب للوطن رهان الراحل الباقي الشيخ عيسى بن راشد، رهانا تغنى به واستوطن حروفه داخل القلب، شوق ومحبة لا توصف.

 وكان للدفء والنظرة الحانية العفيفة هي الميزان الذي اتكأ عليه الشاعر عيسى بن راشد في كتابة قصائده، فكل مدينة استوطنها كانت يتقدمها الوطن، وكل زهرة عبقت بأريجها كان للورد المحمدي عصارتها العبقة، فالحكايات التي جعلت من قصيدة الشاعر عيسى بن راشد باقية هي تلك الدقة والشفافية العالية التي جاءت في قصائده بسلاسة من دون تكلف، بوح صادق وعنفوان ازلي تقدم الحروف، مارا بربوع احياء الوطن، وكل من عرف الشاعر عيسى بن راشد ظل مسكونا بحبه لا يفارق شاعرنا الذي ترك لنا ثروة غنية في خلود اعتجن بخلود الوطن، كأنّ ملحمة (جلجامش لم يتقدمها العمر) بقت على صواري سُفن المحبين هي الرسائل التي تركها المغفور له الشيخ عيسى بن راشد آل خليفة، وتغنى بها الكبير والصغير، وطن+قصيدة= عشق يسكن التربة ويتعلق بأذيال البشر من أهل البحرين.

رحم الله شاعرنا وألهم اهله ومحبيه الكرام الصبر والسلوان.

a.astrawi@gmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news