العدد : ١٥٣٥٦ - الأربعاء ٠٨ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٥ شعبان ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٥٦ - الأربعاء ٠٨ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٥ شعبان ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

«كورونا» والاقتصاد العالمي

بقلم: رجب أبو سرية {

السبت ٢١ مارس ٢٠٢٠ - 02:00

لم يكن العالم بحاجة إلى أن تعلن منظمة الصحة العالمية اعتبار فيروس كورونا بمثابة الوباء أو «الجائحة»، حتى تنتشر حالة الهلع والخوف في كل أرجاء المعمورة، مع أن البشر يشهدون تباعا ما بين فترة وأخرى انتشاراً للأوبئة، وكذلك العديد من الكوارث الطبيعية. ورغم أن «كورونا» الذي ظهر مع نهاية العام المنصرم ظهر أولاً في مقاطعة «هوبي» الصينية، وبالأخص في عاصمتها «ووهان» وقد أصاب نحو مائة ألف إنسان خلال نحو عشرة أسابيع، ورغم أن نسبة الوفيات من المصابين لم تتجاوز 5%، فإن العالم قد أصيب بهلع غير مسبوق، الأمر الذي يدعو إلى التساؤل حول سبب انتشار الفيروس غير المعروف من قبل من جهة، ومن جهة أخرى أسباب كل هذا التهويل الذي رافق ظهور المرض.

قبل الخوض فيما يرجح سوء النوايا لدى بعض مراكز القرار والحكم العالمي يمكن القول إنه من الطبيعي أن يشعر الإنسان بالهلع والخوف إزاء ما هو غامض، أو غير معروف له من قبل، فكثير من حالة الخوف تجاه فيروس «كورونا» يعود بالأساس إلى عدم وجود المصل المعالج له، حيث اكتفت معظم الدول التي ظهر فيها، وقد تجاوز عددها نصف دول العالم، ولكن بعضها كان بعدد العشرات فقط، إذ إن إنسان العصر الحديث الذي ازدادت وسائل رفاهيته اعتاد معالجة كل الأمراض التي يتعرض لها بالعلاج الطبي، أي ليس اعتمادا على المناعة الطبيعية، ولا على العلاج الطبيعي، المتمثل بالأعشاب أو وسائل العلاج الأخرى، لذا فقد كان المظهر الرئيسي لمواجهة المرض هو فرض الحجر الصحي على المصابين.

أما سوء النوايا فيظهر استنادا إلى «الدول» التي ظهر فيها الفيروس بقوة أكثر من غيرها، وبالتحديد الصين أولا ثم إيران ومن ثم إيطاليا، إذ معروف أن الصين تمثل التحدي الاقتصادي الأكبر للولايات المتحدة، فيما تمثل إيران تحديا إقليميا لكل من أمريكا وإسرائيل، وبالنظر إلى أن «التهويل الإعلامي» أحدث آثارا اقتصادية بالغة يكفي أن نشير هنا إلى أن بريطانيا قد خصصت نحو 40 مليار دولار كحزمة إنفاق للحد من آثار «كورونا» على اقتصادها.

الأمر لم يتوقف عند حدود الصين وإيران، فوصوله إلى ايطاليا واليونان، أي إلى أبواب أوروبا، يعني أن محور الاتحاد الأوروبي -نقصد الاقتصاد الألماني- ليس بمأمن ولا هو ببعيد عنه، إلى درجة أن تعلن أنجيلا ميركل أن نحو 60%-70% من الألمان معرضون للإصابة بالمرض، يضاف إلى كل ذلك انخفاض حركة الاتصال والتواصل بين البشر في كل أنحاء المعمورة، فقد فرغت الكثير من مدرجات الملاعب من المشاهدين، فيما حركة التنقل وصلت إلى مستويات متدنية، إلى درجة أن الكثير من الاجتماعات الدولية قد ألغيت، وبعد شهرين فقط بلغت نسبة الانكماش في الاقتصاد الصيني 2%، فيما كان تأثير المرض على مجمل انسياب الاقتصاد العالمي نحو 50 مليار دولار.

الأمر يعني أن «خضة عالمية» قد أصابت البشرية، أظهرت هشاشة النظام العالمي من جهة، ومن جهة أخرى أظهرت أن العالم ليس غير آمن ولا مستقر فحسب، بل إنه غير متكافل كثيرا، وأن الكثير من أسرار الكون والسياسة مازالت رغم كل التطور الذي حدث في وسائل الاتصال والتواصل العالمي خارج دائرة التداول والمعرفة العامة، كذلك أظهرت الحالة أن الإعلام ومراكز التحكم الدولية به تلعب دورا كبيرا في السيطرة والتحكم، ليس بعقول البشر فقط، ولكن أيضا بعواطفهم وأرواحهم وإرادتهم.

كم من إجراءات سياسية يمكن ترتيبها في الخفاء، وفي ظل انشغال العالم بكارثة طبيعية أو بيئية، لمجرد أن يقوم الإعلام الكوني بالتهويل لها، تماما كما حدث عندنا في العالم العربي قبل نحو عقد من السنين، حين هيأ لنا الإعلام الأمريكي وأجهزة الإعلام الإقليمي المرتبطة به سهولة إسقاط الأنظمة، فعشنا في عالم افتراضي، كان من نتيجته نشر وبث الأوهام والأحلام بين المواطنين العرب، ومازال يشغلهم عن الانغماس الحقيقي في الواقع المعاش، والهبوط من برج العالم الافتراضي، والاهتمام بجذر الخطر الحقيقي على حياة ومستقبل نحو 400 مليون عربي.

ومن المثير للانتباه ما ظهر عليه التنين الأصفر الصيني من رباطة جأش، إذ كان الجميع يشعر بالهلع أكثر من الدولة العملاقة التي ظهر فيها المرض، وربما كان حالها يقول «يا جبل ما يهزك ريح» أو أن الفيل لم يشعر بالبعوضة، فدولة المليار ونصف المليار إنسان لن تنهار لمجرد وفاة 4 آلاف، لكن كما أشرنا، بل كانت الخشية من التأثير الاقتصادي السلبي، فكل ما تمني الولايات المتحدة النفس به هو انكماش الاقتصاد الصيني، أما إيران فإنها ليست بحاجة إلى مزيد من التأثير السلبي على اقتصادها المرهق بفعل العقوبات، لذا فإنه يمكن القول إن العالم سيتجاوز بعد فترة محنة المرض، لكن آثاره هي التي لا بد من رصدها وتتبعها.

 

‭{‬ كاتب من فلسطين.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news