العدد : ١٥٣٥٦ - الأربعاء ٠٨ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٥ شعبان ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٥٦ - الأربعاء ٠٨ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٥ شعبان ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

أزمة لبنان الاقتصادية.. إلى أين؟

مركز الخليج للدراسات الإستراتيجية

السبت ٢١ مارس ٢٠٢٠ - 02:00

وصل المشهد الاقتصادي في لبنان إلى ذروته في ظل أزمة فاقمها ارتفاع الدين العام إلى معدلات قياسية، حيث بلغ حاليا حوالي 150% من إجمالي الناتج المحلي، وهو ما يعتبر من أعلى مستويات الدين العام في العالم، كما يشهد النمو الاقتصادي تراجعا على خلفية حالة عدم الاستقرار التي تشهدها المنطقة؛ وسجلت نسبة البطالة في الشباب حوالي 38%، كما أن هناك عجزا في السيولة المالية نتيجة لقلة تدفقات رأس المال الذي يعتمد أساسا على التحويلات المالية التي يرسلها المغتربون، فيما زاد من حدة الأزمة ارتفاع سعر الدولار بعد عقود طويلة من الثبات، ما أحدث هزة كبيرة في جميع القطاعات الاقتصادية. 

وكانت الاحتجاجات الشعبية قد اندلعت هناك في السابع عشر من أكتوبر الماضي إثر إخفاق الحكومة في إيجاد حلول للأزمة الاقتصادية، وإعلانها فرض مزيد من الضرائب على الوقود، واستحداث ضريبة على استخدام تطبيقات المكالمات الهاتفية عبر الإنترنت. وتأتي هذه المظاهرات استمرارا لسلسلة من الاحتجاجات التي شهدها لبنان في السنوات الأخيرة، مثل «احتجاجات عام 2011»، التي طالبت بإصلاحات سياسية واقتصادية، و«احتجاجات النفايات» 2015، و«احتجاجات الضرائب عام 2017»، جراء خطط حكومية بإقرار زيادة ضريبية لتمويل رواتب العاملين بالقطاع العام.

ووفقا للعديد من المراقبين، فإن أزمة لبنان الاقتصادية، التي أخذت في التفاقم منذ 2011، هي وليدة للأزمة السياسية، التي تجلت في صراعات القوى السياسية الداخلية، وسعي حزب الله اللبناني للسيطرة على صناعة القرار، وأن يكون دولة داخل الدولة، ما أفقد لبنان مفهومها المتعارف عليه دوليًا. وكان هذا تعزيزًا لنظام طائفي يعاني خللاً بنيويًا، سمح بانتشار ثقافة الفساد والهدر، وإغراق الاقتصاد في الديون. ومع هشاشة النظام المصرفي، بلغت الفجوة بين عرض الدولار والطلب عليه نحو 8 مليارات دولار، وعجز الموازنة العامة أكثر من 10% من الناتج المحلي الإجمالي، ومعاناة المصارف شح السيولة.

ومع ارتباط لبنان بمحيطه الإقليمي والدولي، وانخراط هذا المحيط في الشأن السياسي الداخلي، كانت قد تأسست عام 2013، «مجموعة العمل الدولية من أجل لبنان»، والتي تضم كلا من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية وحكومات الصين وفرنسا وروسيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة.

وفي الأسبوع الأول من إبريل 2018، عُقد ما سُمي مؤتمر «سيدر» أو المؤتمر الدولي لدعم الإصلاحات والتنمية في لبنان، وجمع بين الحكومة اللبنانية والدول والجهات المانحة، التي أعلنت فيه تعهدها بدعم لبنان بنحو 11 مليار دولار على هيئة قروض وهبات مقسمة على ثلاث مراحل، تنفق على تنفيذ مشروعات بلغ عددها 250 مشروعا. ووضعت الجهات المانحة شروطًا تشمل تنفيذ الإصلاحات ووقف الهدر المالي ومكافحة الفساد في سياق مضامين سياسية واقتصادية ومالية، فيما تمسكوا بوحدة لبنان واستقراره، والتزامه بسياسة النأي بالنفس حيال القضايا الإقليمية المشتعلة، وعودة مؤسسات الدولة إلى عملها الطبيعي بعيدًا عن هيمنة حزب الله، وتشكيل حكومة وحدة وطنية. 

لكن، بعد مرور عامين تقريبًا على انعقاد هذا المؤتمر مازالت الأوضاع الاقتصادية تزداد سوءًا وتدهورا، وعليه، تم تعليق تعهدات «سيدر»، واضطر البنك المركزي اللبناني إلى ممارسة سياسة نقدية خانقة للنمو، ما زاد من أزمة الركود، وأخذ الاقتصاد يتحول إلى الدولرة مع انهيار قيمة العملة الوطنية.

وفي 11 ديسمبر2019، أصدرت «مجموعة العمل الدولية من أجل لبنان»، بيانًا ختاميًا لاجتماعها في باريس - والذي شاركت فيه أيضًا مصر والكويت والإمارات وألمانيا وإيطاليا والمصرف الأوروبي للاستثمار وصندوق النقد والبنك الدوليين، ومؤسسة التمويل الدولية وممثلون عن السلطات اللبنانية- أكد أن ترك لبنان من دون حكومة أكثر من 6 أسابيع زاد الموقف السياسي والاقتصادي تأزمًا، وأن تحقيق استقرار لبنان ووحدته وأمنه وسيادته واستقلاله السياسي وسلامة أراضيه يقتضي وضع حزمة إصلاحات سياسية واقتصادية شاملة، وإعادة توازن الميزانية والاستقرار المالي، ووضع نموذج تمويلي مستدام للتخفيف من هشاشة الاقتصاد واعتماده على التمويل الخارجي، واعتماد ميزانية ذات مصداقية لعام 2020، واعتماد استراتيجية لإدارة الديون، ومعالجة الفساد والتهرب الضريبي، وإصلاح المنشآت والمرافق العامة، وتبني خطة لإصلاح الكهرباء، وتحسين حوكمة الاقتصاد، وأكدت المجموعة عزمها دعم لبنان في إنجاز هذه الإصلاحات.

وبعد يوم واحد من تصويت مجلس النواب على منح الثقة لحكومة «حسان دياب»، دعت «مجموعة العمل الدولية من أجل لبنان» الحكومة لاتخاذ مجموعة التدابير والإصلاحات الشاملة والمؤثرة وذات المصداقية، بسرعة وبشكل حازم لوقف تفاقم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية وتلبية احتياجات المواطنين، وطالبت جميع القوى السياسية والقادة اللبنانيين بإعطاء الأولوية لدعم الإصلاحات التي تصب في المصلحة الوطنية، وأكدت استعدادها لدعم لبنان باستعادة الاستقرار الاقتصادي ومصداقية القطاع المالي ومحاربة الفساد.

إلا أنه بعد مرور أكثر من شهر ونصف على نيل حكومة «مواجهة التحديات» الثقة، بتوافق القوى السياسية ومنها حزب الله اللبناني، وجدت الصعوبات البالغة في تحقيق إنجاز ملموس على الأرض. وصرح دياب يوم 2 مارس بأن الدولة لم تعد قادرة على حماية اللبنانيين وتأمين الحياة الكريمة لهم، وهو التصريح الذي أثار العديد من الانتقادات ودعا كثيرا من الأطراف اللبنانية إلى مطالبته بالاستقالة، مع استمرار محاولات تأزيم الموقف في الشارع وفي مناطق لبنانية عديدة، شملت بيروت وطرابلس وصيدا. غير أن «دياب» أكد في تصريحه، أنه سيحمل مع الحكومة كرة النار، في تصميم على معالجة المشكلات القائمة وانتقال لبنان إلى مفهوم الدولة، فيما لا يناسب هذا المفهوم قوى تجعل نفسها دولة داخل الدولة وعلى الأخص حزب الله، ذراع إيران على الأرض اللبنانية وسوريا، فهو يريد الاستمرار في تقويض ما تبقى من ركائز الدولة حتى يستمر ويستبيح البلاد.

وفيما يعتبر الصراع العسكري الدائر في سوريا جزءا من الصراعات الدولية والإقليمية على النفوذ في المنطقة العربية بكاملها -وتعد إيران طرفًا أساسيًا فيه- إذا بحزب الله اللبناني يزيد الموقف الاقتصادي والمالي في لبنان تأزيمًا، بدخوله هذا الصراع إلى جانب إيران، وهو أمر دفع ثمنه اللبنانيون، بما له من انعكاسات على الحالة الاقتصادية والسياسية، حيث جعل لبنان في مرمى خصوم إيران وحزب الله، بما في ذلك المليشيات والعقوبات المفروضة دوليًا عليهما، فضلاً عن استقبال لبنان مئات الآلاف من النازحين السوريين. 

وفي الوقت الحالي، وفيما أصبح سعر الدولار 2700 ليرة، وارتفعت أسعار العديد من السلع بنسبة 100%، حل يوم 9 مارس 2020، موعد تسديد الدفعة الأولى من سندات «اليوروبوندز» والفوائد المترتبة عليها، (1.2 مليار دولار)، في وقت تتعرض فيه الحكومة لضغوط شديدة، لم تتمكن من الدفع، وهو إجراء يفقد لبنان ثقة الاستثمار الدولي، ويجعله عاجزا عن الحصول على مزيد من القروض أو طرح سندات جديدة في الأسواق الدولية. ومصدر الضغط الرئيسي هو أن الدفع يعني المساس بأموال المودعين في المصارف، مع حاجة الحكومة الى تلك الأموال لشراء الاحتياجات الضرورية والمواد الأولية.

وبينما تبدو حاجة الحكومة اللبنانية الى كسب مصداقية المجتمع الدولي، فإنه لا مفر أمامها من التفاوض مع حاملي السندات، لإعادة هيكلة الديون أو اللجوء إلى صندوق النقد الدولي لدعم خطة الإنقاذ التي تعهدت بها في بيانها الوزاري، فيما تحتاج أيضًا إلى إعادة النظر في موازنة العام المالي الحالي، بسبب الأرقام غير الدقيقة التي انطوت عليها، وعدم واقعيتها، وسقف الطموحات العالية فيها، من قبيل الاعتماد على بيع النفط والغاز المستخرج من البلوك رقم 4 الذي بدأت عمليات التنقيب فيه، أو الوعد القطري بمساعدة مالية، وهي أمور بعيدة المنال في الوقت الحالي ولا تقدم إسعافًا من الأزمة، من ناحية أن استخراج النفط والغاز وبيعه سيأخذ بعض الوقت، ومن ناحية أخرى لأن قطر سبق أن تعهدت بمساعدة لبنان بنصف مليار دولار في القمة العربية الاقتصادية في بيروت منذ أكثر من عام ولم يصل إلى لبنان من هذا المبلغ شيء.

وفيما يعد صندوق النقد الدولي ملاذًا تقليديًا في مثل هذه الأزمات، فإن «حزب الله» اللبناني رفض أي تعاون مع الصندوق، وحصر الاتصال به في الاستشارات فقط، وأعلن «نعيم القاسم»، نائب الأمين العام للحزب أن  «الحزب لا يقبل الخضوع لأدوات استكبارية في العلاج»، في الوقت الذي رفض فيه «التيار الوطني» هذا الموقف وأكد وجوب عدم إطلاق مواقف مسبقة، والحاجة إلى تصور مشترك وخارطة طريق واقعية للخروج من الأزمة.

 وفي هذا الصدد، طرح «حزب الله»، بدائل عن التعاون مع صندوق النقد الدولي، شملت استعادة الأموال المهربة للخارج، وإعادة هيكلة الدين العام، والبحث عن مصادر سيولة بديلة. وفيما يعد البديلان، الأول والثاني بدائل طويلة الأجل، ويصعب أن تكون مضمونة في الأجل القصير، فإن المصادر البديلة للسيولة التي يحتاج إليها لبنان على الفور ويقدرها الحزب بنحو 4.5 مليارات دولار من أين يتم تأمينها؟ إذا كانت الحكومة قد عجزت عن سداد القسط الأول من سندات «اليوروبوندز» وفوائدها، إلا إذا كان لهذا ثمن سياسي أمامه علامات استفهام. 

ومن المعلوم أن سوريا دفعت ثمنًا لبعض ديونها المستحقة لإيران، وهو أنها أتاحت لها الوجود الاستراتيجي على ساحل المتوسط.. فهل يكون هذا هو نفس الثمن، أضف إلى ذلك أن حاجة لبنان إلى السيولة في الوقت الحالي لا تقل عن 10 مليارات دولار، كما بينت العديد من الدراسات، وهو أمر يجعل اللجوء إلى صندوق النقد الدولي خيارًا لا ينبغي استبعاده.

وحتى لا تعطي فرصة لحزب الله اللبناني لمزيد من الضغوط على حكومة دياب الوليدة، أعربت باريس عن استعدادها للتعاون بين البلدين، لمساعدته في تنفيذ خطة الإنقاذ التي تعهدت بها الحكومة، وبحث المشاريع التي يجهزها لبنان بشكل متكامل، مع أولوية قطاع الكهرباء ومكافحة الفساد، والنظر في إعادة هيكلة الديون الخارجية أو توفير مساعدات مالية. في الوقت الذي أكد فيه البنك الدولي استعداده لتقديم الدعم الذي يساعد على حل الأزمة الاقتصادية والمالية.

في مقابل هذا، يسعى «حزب الله» اللبناني إلى تعقيد الأوضاع أمام الحكومة الجديدة، سواء من حيث اشتراط ضرورة الإجماع بشأن التزامات ديون لبنان، وتمكين الحكومة من ثقة المجلس النيابي في خططها للإنقاذ، التي شملت خفض أسعار الفائدة، وإعادة رسملة المصارف، وإعادة هيكلة القطاع العام، وطلب دعم دائنين أجانب، وفيما يعد حزب الله هو المسؤول الأول عن تفاقم الأزمة الاقتصادية كنتاج للأوضاع السياسية المتأزمة التي تسبب فيها، إذا به يتهم القوى السياسية الأخرى بالمسؤولية عن الاحتجاجات الشعبية الأخيرة التي حملته مسؤولية ما وصلت إليه البلاد من تدهور اقتصادي وسياسي، وأنها جزء من مؤامرة غربية لإخضاعه سياسيًا. ويخشى الحزب أن تطال الإصلاحات إيراداته، وتشمل فرض رقابة دولية صارمة على المرافق الخاضعة لسيطرته مثل مرفأ بيروت ومطار رفيق الحريري الدولي والمعابر الحدودية ما يحد أيضًا من حرية حركته العسكرية ونشاط الاقتصاد الموازي الذي يديره.

على العموم، لن يبقى من سبيل أمام الحكومة اللبنانية الجديدة لحل الأزمة الراهنة، إلا بفتح الطريق أمام سلسلة إجراءات ملموسة كمحاسبة كبار الفاسدين واستعادة الأموال المنهوبة وإعادة الثقة بالدولة، كما أنه ليس من المستبعد أن تشهد الأيّام المقبلة تعاونا مع صندوق النقد الدولي لإنقاذ البلاد من أزماتها المتراكمة.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news