العدد : ١٥٣٥٦ - الأربعاء ٠٨ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٥ شعبان ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٥٦ - الأربعاء ٠٨ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٥ شعبان ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

قراءةٌ في خطة الرئيس ترامب

بقلم: د. جاسم بوعلاي

السبت ٢١ مارس ٢٠٢٠ - 02:00

في يومِ الثلاثاء 3 جمادى الآخرة عام 1441 الموافق 28 يناير عام 2020 قدَّم رئيسُ الولاياتِ المتحدة الأمريكية خطتَه بشأنِ القضيةِ الفلسطينية، وذكرُ تاريخِ التقديمِ بشقيه الهجري والميلادي مهمٌّ نظرا إلى ما تحتضنه فلسطينُ من مقدساتٍ للديانات السماوية وهذا يكسبُها أهمية إضافية بالنسبة إلى أي تسويةٍ للنزاعِ العربي الإسرائيلي.

تحتوي الخطةُ المذكورة على تغييراتٍ جوهريةٍ ستتم على أرضِ الواقع وتصبُّ في صالحِ الإسرائيليين وبالتالي فيها إجحافٌ للفلسطينيين وفي خلاف صريح لما اُتفق عليه في العاصمةِ النرويجية أوسلو، والذي تم التوصل إليه بعد مفاوضات مُضنية بين الطرفين، ومن ضمنِ هذه التغييرات اعتبارُ مدينة القدس عاصمة موحدة لإسرائيل، وضم المستوطنات الإسرائيلية التي أُقيمت أصلًا على أراضٍ فلسطينية اُنتزعت بالقوة إلى إسرائيل، وأخيرا إطلاق يد الجيش الإسرائيلي في كل ما يتبقى للفلسطينيين من كيان لدولة غير معلوم معالمُها وشكلها إذ لم تفصل الخطة ذلك. بالنظر إلى خارطةِ الوضع الجديد يتبين أن ما تبقى لفلسطين والفلسطينيين هو عبارة عن جيب أرضي (غيتو) محاط من ثلاث جهات بمستوطنات إسرائيلية يذكرنا بالأبارتايد في جنوب أفريقيا.

لنرَ في هذه القراءة للخطة وكيفية تقديمها وذلك لأهمية الكيفية في مصير الخطة. لقد تم التقديم في العاصمة الأمريكية بواسطة الرئيس الأمريكي وبحضور رئيس الوزراء الإسرائيلي فقط والذي انعكس على وجهه بوضوح الغبطة والرضا بفحوى الخطة لدرجة أنه وصف الرئيس الأمريكي بأنه أفضل رئيس عمل لصالح إسرائيل ثم استدرك بقوله: «إن الرؤساء السابقين كانوا أيضا مهمين لإسرائيل لكنه يظل الأفضل بفارق شاسع»، ثم ختم رئيس الوزراء كلمته بملاحظة غاية في الأهمية وهي أن المفاوضات المستقبلية ستتم في نطاق وعلى أساس الحدود الإسرائيلية الجديدة التي كرستها خطة الرئيس ترامب وعليه فقد تم تقديم الخطة الأمريكية نتيجة جهود فردية للولايات المتحدة الأمريكية فحسب وبمباركة إسرائيلية، فهل ستتم عملية التطبيق بواسطة إسرائيل وبمباركة أمريكية كون الأخيرة هي صاحبة الخطة وفي هذه الحالة سيكون المجهود ثنائيا، فكرة وتطبيقا.

 الملاحظ أنه لن يكون هناك شيء جديد في الظاهرة، فلقد اتبعت إسرائيل نفس الطريقة في مصادرة الأراضي الفلسطينية لبناء المستوطنات الإسرائيلية عليها تحت نظر وحراسة الجيش الإسرائيلي، ومنطق القوة هذا سيتبع في تطبيق العناصر الرئيسية للخطة المقترحة من توحيد شقي القدس إسرائيليا وضم المستوطنات تحت حماية الجيش الإسرائيلي كما ورد في الخطة نفسها، لكن هذا المنطق في استعمال القوة العسكرية سيحرم الخطة من شرعيتها لعدم وجود التأييد المحلي والإقليمي والدولي لها.

البديل الشرعي للخطة الأمريكية بالنسبة إلى القضية الفلسطينية هي عرضها على الأمم المتحدة، وهذا ليس بجديد كون تلك القضية يتم عرضها على المنظمة الدولية منذ تقسيم فلسطين عام 1948 وآخر مطافها هو اتفاق أوسلو بمباركة ومشاركة الأمم المتحدة. إذًا فهناك مرجعية دولية بطرقها وأهدافها كما أن الولايات المتحدة عضو مهم ومؤسس للمنظمة الدولية وتمتلك حق النقض «الفيتو» في مجلس الأمن، فلتعرض الخطة الأمريكية على الأمم المتحدة ويتم تداولها ويتخذ قرار بشأنها قصد التنفيذ لكن هذه المرة بشرعية دولية تماما كما في السابق بالنسبة إلى القضية الفلسطينية ولو أن القرارات كانت شرعية في منطوقها لكن كان ينقصها عدم التطبيق من جانب إسرائيل ما نتج عنه الوضع المجحف بالنسبة إلى الفلسطينيين.

أموال الأثرياء المتقاعدين اليهود ممن يؤمنون بإسرائيل الصغرى أو الكبرى تصب في بناء المستوطنات الإسرائيلية المبنية على أراضٍ فلسطينية مصادرة بحيث لم يتبق للفلسطينيين شيء يمثل كيانَ دولة مستقلة، لا عاصمة ولا إقليما، ولقد ألِفَ العالمُ مناظرَ آليات الهدم الإسرائيلية وهي تساوى البيوت الفلسطينية بالأرض تحت حراسة الجيش الإسرائيلي كما تقتلع أشجارَ الزيتون في دقائق مع أن زراعتها تأخذ سنوات عدة حتى تأتي ثمار أشجارها، هذا عن الشجر، أما عن البشر فهناك المئات من الضحايا والأسرى من الرجال النساء والأطفال الفلسطينيين أضف إلى ذلك الانقسام الفلسطيني الحاد بين رام الله وغزة والإهمال العربي والعالمي المضطرد للقضية الفلسطينية، ومع ذلك فالسؤال الذي يطرح نفسه هو ما إذا كانت خطة الرئيس الأمريكي ستتبع في التطبيق منطق القوة أو شرعية القانون!!.

كلمة أخيرة في حق الفلسطينيين، فالغرب كما في الشرق يعطينا دروسا باستمرار في الوطنية مفادها أن مقاومة الاحتلال والاستعمار حق مشروع للشعوب، والأمم المتحدة حبلى بالتشريعات التي تنص على تصفية الاستعمار وحق الشعوب في تقرير مصيرها وحين يأتي بحث القضية الفلسطينية في المحافل الدولية يصفون مقاومة الفلسطينيين للاحتلال الإسرائيلي بالإرهاب ويغضون النظر أيضا عن عودة اليهود بالقوة إلى أرض الميعاد كما يزعم هؤلاء، وينكرون عودة الفلسطينيين إلى أرضهم التي طردوا منها أيضا بالقوة.

يطبق الغرب في بلدانه ما يشرع به القانون وتنادي به الديمقراطية وفي نفس الوقت يذكون نيران القوة العسكرية خارج بلدانهم خدمة لمصالحهم بخلق عدة حروب إقليمية وبؤرٍ للصراع في مناطقنا فطمست بذلك القضية الفلسطينية التي هي أصل الصراع العربي الإسرائيلي، ما نتج عنه حصد للأرواح وتدميره للمنشآت في عموم المنطقة فأصبح الحلال لهم حراما علينا، وهذا لعمري قمة المعايير الازدواجية.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news