العدد : ١٥٣٥٦ - الأربعاء ٠٨ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٥ شعبان ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٥٦ - الأربعاء ٠٨ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٥ شعبان ١٤٤١هـ

الاسلامي

الإمام محمد الخضر حسين التونسي الذي رفعه علمه وخلقه وجهاده إلى مشيخة الأزهر (118)

الجمعة ٢٠ مارس ٢٠٢٠ - 10:23

بقلم الدكتور / غريب جمعة

 المرحلة المصرية (97):

أفاض كثير من أصحاب الأقلام في الحديث عن سيرة الإمام ومراحل حياته، منهم: العالم والمفكر، والأديب، والباحث، والمحقق والصحفي وطالب العلم، وأصحاب الرسائل الجامعية بإشراف أساتذة تتلمذوا على يدي الإمام أو تلاقوا معه في خلقه الوضيئ وأدبه السني وفكره النير ورأيه السديد وقد مر بك شيء مما سطرته أقلام بعضهم في هذا المجال.

ولما كان مجال القول في الرجل ذا سعة فإنا نضيف جديدًا إلى ما قرأت وهي أقوال تكشف عن قدر الرجل في أعين معاصريه الذين عرفوه عن قرب وتعاملوا معه وأخذوا عنه وتعلموا منه طيلة حياته المباركة.

ولكني أود – قبل سرد هذه الأقوال – أن يعرف القارئ كيف كان الرجل يقضي يومه بالقاهرة قبل الجلوس على كرسي مشيخة الأزهر، ليرى رأي العين تلك الطاقة الإيمانية التي كان يتمتع بها صاحب هذا الجسم النحيف والوجه المعروق، وليرى أيضًا معونة الله وتوفيقه له وبركته في وقته حتى أصبح تفسيرًا علميًا وعمليًا لقوله تبارك وتعالى: «والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين» [العنكبوت: 69] وإليك بيان هذا البرنامج:

1- يستيقظ في الساعة الرابعة صباحًا!!.

2- بعد نصف ساعة يكون بدار جمعية الهداية الإسلامية حيث يستحم بالماء البارد طيلة أيام السنة وهي عادة اعتادها منذ أن كان بألمانيا في الحرب العالمية الأولى.

3- بعد الصلاة يبدأ في كتابة التفسير حتى الساعة الثامنة صباحًا.

4- يذهب إلى مجمع اللغة العربية حيث يؤدي العمل الموكول إليه حتى الساعة الحادية عشرة صباحًا.

5- العودة إلى دار الهداية الإسلامية لمباشرة أعمالها الإدارية والنظر فيما يرد إليها من رسائل وتحارير لمجلتها ويمكث حتى منتصف النهار ثم يعود لمنزله لتناول طعام الإفطار!!.

6- يذهب إلى دار مجلة «لواء الإسلام» الساعة الثالثة بعد الظهر ويباشر أعمالها كرئيس للتحرير حيث يقدم إلى المطبعة ما حرره من تفسير، ثم تُعرض عليه المقالات المعدة للنشر ليراجعها ويصادق على ما يراه صالحًا للنشر، ويعدل ما يقتضي التعديل ويعيد إلى أصحابه ما لم ير فائدة في نشره ويمكث هناك إلى الساعة السادسة مساءً.

7- ينتقل بعد ذلك إلى مقر الهداية الإسلامية لمقابلة الزائرين والواردين أو لإلقاء محاضرة أو السماع إليها. وإذا لم يكن هذا ولا ذاك ينتصب مجلس للسمر يضم عددًا من علماء الجمعية المذكورة أو من العلماء الذين أتوا من الخارج ويمكث هناك حتى الساعة التاسعة مساء، حيث يعود إلى منزله لتناول طعام العشاء والصلاة ثم الراحة والنوم.

 8- يحضر اجتماعات هيئة كبار العلماء بعد انضمامه إليها.

 9- هذا بالإضافة إلى التدريس بكليتي الشريعة وأصول الدين قبل إحالته إلى التقاعد.

 10- كانت رياضته المفضلة هي السير على الأقدام حيث ينتقل من مسكنه في حي السيدة زينب إلى دار جمعية الهداية الإسلامية بشارع مجلس النواب سيرًا على قدميه دون كلل ولا ملل.

الآن وقد عرفت برنامج الإمام اليومي الجاد والحافل بالعمل نعود إلى أقوال بعض معاصريه عنه كما أشرنا في البداية.

إن بعض هذه الأقوال تعتبر وثائق تاريخية، ورصدا لظواهر اجتماعية، وإحياء لقيم خلقية. وبعضها قطع من الأدب الرفيع تلمس الصدق في كلماتها وتستنشق عبير المحبة من خلف حروفها.

ونود أن نؤكد أن الغاية مما نكتبه هنا ليست تحقيق المزيد من الدعاية والشهرة للإمام، والإفتتان بعبارات الثناء المرصعة، والمدائح البليغة، وقد عرفت – من قبل – أن الرجل كان من أزهد أهل العلم في المديح والثناء والإطراء والأضواء طيلة حياته.

وليست الغاية – أيضًا – من هذه الكتابات هي المفاخرة والمباهاة بكلمات التعظيم والإكبار والإجلال التي سطرتها أقلام الكاتبين وكَيْل المديح والثناء للإمام لأننا نعلم علم اليقين أن المديح والإطراء لا يقدم ولا يؤخر في صحيفة العبد عند ربه – عز وجل – شيئًا وإنما هي الأعمال التي تنطق بعظمه صاحبها، وهي القول الفصل يوم الحساب وقد أدرك الإمام – رضي الله عنه – ذلك فقال في شعر له:

تسائلني هل في صِحَابِك شاعر... إذا متُّ قال الشعر وهو حزين

فقلت لها: لا هم لي بعد موتتي... سوى أن أرى أُخْراي كيف تكون

وإن شئت تأبيني فدعوة ساجد... لها بين أعضاء الضلوع حنين

ثم يزيد هذا الأمر وضوحًا فيقول:

فلا يغرنك أقلام وألْسِنة... تقول إنه ذو علم وذو جاه

وما أبرئ نفسي والهوى يقظ... بين الجوانج وهو الآمر الناهي

لذلك كانت غايتنا من نشر هذه الأقوال أن ينهج نهجه مجاهد مؤمن أو يعرف دوره عابد مخبت فيدعو للإمام في سجوده دعوة صالحة أو يعرف قدره عالم فاضل مخبت فيردد هذه الدعوة أيضًا، فتكون هذه الأقوال بمثابة دعوة ساجد لله صدرت عن حنين يملأ حنايا الضلوع، وتوجه صادق إلى الله عز وجل أن يجعل الإمام مع الصديقين والأبرار والصالحين كفاء ما قدم لدينه وأمته وللعلم واللغة والأدب.

وسنرى أن أصحاب هذه الأقوال من أقطار مختلفة لأن الإمام لم يكن جزائريًا ولا تونسيًا ولا سوريًا ولا مصريًا لقد كان الرجل مسلمًا حقًا ومؤمنًا صدقًا، والعالم الإسلامي هو عالمه الذي عاش فيه ومن أجله انطلاقًا من قوله تعالى: «إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون» [الأنبياء: 92], لذلك كان شخصية عالمية تجاوزت الحدود والأقطار. ولعلك لمست شيئًا من ذلك عندما قرأت ما كان من صدى لتعيينه شيخًا للأزهر. وسوف نحاول أن ننشر هذه الأقوال في تسلسل تاريخي حسب تواريخ كتابتها مع ذكر مراجعها على قدر ما يتوافر لنا من ذلك.

التهاني التدريسية (بمناسبة تعيينه مدرسًا من الطبقة الثانية بجامع الزيتونة) نظم السيد الشاعر صالح السويس القيرواني قصيدة جاء فيها:

أنْعِم ببُشْرى بها طير الهَنَا صدَحَا... والقلب من طَرَب قد صارَ مُنْشَرِحا

إلى أن يقول:

يا (ابن الحسين) رعَاكَ الله من رَجُل... عنْهُ الثَّنَاء كمِسْك الورى نَفَحا

والمرء إن حسُنتْ سَريرتُه... نالَ الكمالَ وحازَ الخَيْر والمِنَحا

فأهنأْ بخطة عِلْم أنت بهجتُها... واسعد بفضلك ما زند النُّهى قَدَحًا

(جريدة المعارف العدد 23 الصادر في 22 جمادى الآخرة 1325هأ الموافق: آوت – آب – أغسطس 1907م – تونس).

تهنئة الأدباء:

نظم الشاعر السيد محمد الطاهر أبو بكر بن العربي النفطي (بلدي الإمام) قصيدة جاء في مطلعها:

جميل التهاني في جليل الرَّغائب... لعَمْرُك عن مثلي من إحدى الضَّرَائِب

وإلى أن يقول:

أُهَنِّئكُم يا (ابن الحُسين) بما تَلِى... وإِنْ لم كُنْ فَذَّا فَلِي أجْر صَائِب

وَقلْتُ أهنيكم وإن كُنْتُ مُخْطيًا... حذارِك أن تَعتَدَّهل من مَثَالِبي

وإلا صوَابُ القول أهَنِّي وظيفكم... بكم وأهَالي الجامع المَتطارِب

أما سَمِعُوا اسْتِدلالَك الصبح واضحًا... وقولك صُبْحًا كاشِفًا عن غرائب

وما أنت إلاّ فوْق ما أمَّلُوا بها... وهل بخَسُوا يوما حُقوقا لطالِب

نَهَضْتَ مُكِبًا للمعالي مُزَاحمًا... وذاك بأطراف النُّهى لا بالمناكب

وعزَّزْت مَجدا الجَدِّ بالجِدِّ سَالِكًا... حُزُون الثَّنايا مُعضلات العواقب

(جريدة «المعارف» العدد 24 في 26 جمادى الآخرة 1325 الموافق 8 أغسطس 1907).

(وإلى حلقة قادمة بإذن الله)

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news