العدد : ١٥٣٥٦ - الأربعاء ٠٨ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٥ شعبان ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٥٦ - الأربعاء ٠٨ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٥ شعبان ١٤٤١هـ

الاسلامي

منهج الإسلام في مخاطبة أهل الأديان

الجمعة ٢٠ مارس ٢٠٢٠ - 10:23

بقلم: رائد أبورية

لقد أنزل الله القرآن لهداية الناس أجمعين؛ فخاطب به عقول الناس التي استبدت بها الأهواء واكتنفتها الشبهات والشهوات، وأخذ يجادلها ويعظها ويذكِّرها.. ثم هو في كل ذلك يرشدها إلى الهداية لعبادته وحده لا شريك له وإلى الاستقامة على أمره.

ولأهل الكتاب من هذا الخطاب والجدال حظٌّ وافر في القرآن والسنة. فلقد اهتم القرآن الكريم بالحديث عن عقائد أهل الكتاب، وعرضِها، ومناقشتِها، وبيانِ زيفها وضلالها في كثير من مواضعه.

وأمر كذلك بجدالهم إذا ما دعت الضرورة إلى ذلك، شريطة أن يكون الجدال بالتي هي أحسن، فقال تعالى (وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِل إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) سورة العنكبوت، آية 46.

وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم» رواه أبو داوود وصححه الألباني.

ولا ريب أن الجدال العقلي واللساني نوعان من أنواع الجهاد لا يمكن إنكار تأثيراتهما على الخَصم.

إن أهل الكتاب يمثلون فئة غير قليلة من مجموع الأمم في الأرض، ولهم أتباعهم المنتشرون في بقاع المعمورة؛ الأمر الذي يتطلب منا عدم تجاهلهم وبيان معتقدهم بالتي هي أحسن بعيدًا عن كل عنفٍ أو هوىً.

ولذلك وجَّه القرآن خطابًا مباشرًا إليهم في كثير من الآيات؛ إما أمرًا لهم بالتوحيد أو الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم أو بيانًا لتحريفهم الكلامَ عن مواضعه، أو ردًا على شبهاتهم أو غيرَ ذلك، ومن هذه الآيات قوله تعالى: ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إلى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ)  سورة آل عمران، آية: 64.

وقوله تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ)  سورة آل عمران، آية:71.... إلى غير ذلك من الآيات.

وفي السنة النبوية كان النبي يخصهم بالذكر في كلامه؛ وذلك دليلٌ على أنهم قطاعٌ من الناس لا يمكن تجاهله أو الاستهانة به من حيث العدد كقوله صلى الله عليه وسلم عن أبي هريرة: «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة؛ يهوديٌ ولا نصرانيٌ ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار» صحيح مسلم، وغيرها نصوص كثيرة.

وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في التعامل مع أهل الكتاب، وإليكم هذا الموقف الحيّ: بينما كان الرسول عليه الصلاة والسلام جالسا بين أصحابه، إذ برجل من أحبار اليهود يسمى زيد بن سعنة ـ وهو من علماء اليهود ـ دخل على الرسول عليه الصلاة والسلام، واخترق صفوف أصحابه حتى أتى النبي عليه الصلاة والسلام، وجذبه من مجامع ثوبه، وشده شدًا عنيفا. وقال له بغلظة: أوفِ ما عليك من الدين يا محمد، إنكم يا بني عبدالمطلب قوم مُطل أي، تماطلون في أداء الديون ـ. وكان الرسول عليه الصلاة والسلام قد استدان من هذا اليهودي بعض الدراهم، ولكن لم يحن موعد أداء الدين بعد، فقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهز سيفه، وقال: ائذن لي بضرب عنقه يا رسول الله، فقال الرسول عليه الصلاة والسلام لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: «مره بحسن الطلب، ومرني بحسن الأداء»، فقال اليهودي: والذي بعثك بالحق يا محمد ما جئت لأطلب منك دينا إنما جئت لأختبر أخلاقك، فأنا أعلم أن موعد الدين لم يحن بعد، ولكني قرأت جميع أوصافك في التوراة فرأيتها كلها متحققة فيك إلا صفة واحدة لم أجربها معك، وهي أنك حليم عند الغضب، وأن شدة الجهالة لا تزيدك إلا حلما، ولقد رأيتها اليوم فيك، فأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأما الدين الذي عندك فقد جعلته صدقة على فقراء المسلمين، وقد حسن إسلام هذا اليهودي.... رواه ابن حبان والطبراني في الكبير.

فما أجمل تعامله صلى الله عليه وسلم مع المخالف!

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news