العدد : ١٥٣٥٦ - الأربعاء ٠٨ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٥ شعبان ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٥٦ - الأربعاء ٠٨ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٥ شعبان ١٤٤١هـ

الاسلامي

القرآن بعيون المفكرين (11)

الجمعة ٢٠ مارس ٢٠٢٠ - 10:21

بقلم: عاطف الصبيحي

نبدأ هذا المقال من حيث انتهى المقال السابق، إذ انتهينا إلى المثل الذي ضربه الله لنا محذرا الناس من مشاركة الله صفة الثبات بإسباغها على أي ظاهرة من ظواهر الكون، وكان ذلك مدار الحوار بين الرجلين من سورة الكهف، ونظرا إلى أهمية الموضوع وخطورته نستكمل موضوع الشرك بربط كل من الشرك الخفي والشرك الظاهر بأمر آخر غير الثبات وهو «الظلم».

«ودخل جنته وهو ظالم لنفسه»، الظلم في اللسان العربي هو وضع الشيء في غير موضعه، وضع الرجل صفة الثبات لبستانه وهو قول باطل لا يصمد مع صيرورة التاريخ الحتمية، فهذا هو وضع الشيء في غير محله، وهذا يسانده قول الله تعالى في سورة البقرة الآية (59): «فبدّل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم» أي وضعوه في غير موضعه الذي يليق به وخُصص له.

وقبل الدخول في موضوع الكفر لا ينبغي أن نتجاوز عن أن الشرك من خلال التثبيت أمر خطير يجب التنبه له لتفاديه وعدم الوقوع به، وهذا ما نقع به في المجال المعرفي وخاصة في مجال الدراسات القرآنية، فمن الصعوبة بمكان أن يتقبل الناس بشكل عام والمتعلمون بشكل خاص رأيا اجتهاديا لم يقله أحد الأعلام المشهورين في التراث، وكأن هذا المُفسر أو ذاك أحاط بالقرآن علما، ولعمري إن هذا عين التقليل من إعجاز القرآن.

أما الكفر فمن التغطية والستر عن علم ومعرفة أو جهل والحرص على عدم الإظهار، ومن هنا سُمي المزارع كافرا لأنه يُغطي البذور بالتربة تمهيدا لإنباتها «كمثل غيث أعجب الكفار نباته» (الحديد: 20)، وهذا معنى ليس ضمن بحثنا في هذا المقال، وإنما أوردناه كشاهد على المعنى ليس إلا، كما أن للكفر معاني أُخرى لا تخرج عما ذكرناه... لأكفرن عنهم سيئاتهم...، ما يُعنينا في هذا المقام هو الكفر بمعناه العقائدي.

الكفر عقائديا يحمل نفس المعنى وهو الستر والتغطية عن علم أو جهل، وكما قلنا في المقال السابق يُعبّر عنه بلسان المقال بخلاف الشرك الذي يُعرف بلسان الحال لا المقال، لسان حال مشركي قريش يُنبئ عن شركهم، ويبقى هذا وضعهم ما لم يُعلن موقفهم قولا واضحا، فإنهم بذلك يكتسبون صفة الكفر بالإضافة إلى الشرك «وما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر» هنا هم مشركون كافرون معلنون موقفهم «شاهدين على أنفسهم».

تمايز الناس إزاء دعوة الرسول الكريم إلى ثلاثة أصناف، منهم من آمن، ومنهم من لم يؤمن ولم يُعبر وهؤلاء هم المشركون، ومنهم من لم يؤمن وأعلن موقفه وهؤلاء هم الكفار، ومعظم الآيات التي تتحدث عن الكفار تأتي بالفعل قال، لتأكيد علنية الكفر، وهذه طائفة من الآيات التي تؤكد هذا المعنى: «وقال الذين كفروا لن نؤمن» «سبأ: 31»، «وقال الذين كفروا هل ندلكم» «سبأ: 7»، «فقال الملأ الذين كفروا» (هود: 27)، «قال الذين كفروا للذين آمنوا» (يس: 47)، «ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون»  (الروم: 58)، نلاحظ تكرار الفعل قال للدلالة على إعلان موقف كافر بالقول حصرا، ولا يوجد في الكتاب الكريم إلا آية واحدة تقول «وقال الذين أشركوا»  (النحل: 35)، وآية تتحدث عن المستقبل «سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا»  (الأنعام: 148).

والشرك صفة ليست لصيقة بصاحبها، بل هي اعتقاد قابل للتغير، وكذلك الكفر لا تحمل صفة الديمومة لصاحبها إلا إذا فارق الحياة وهو على هذه الحالة، وهذا أمر ينبغي أن نتركه لله سبحانه وتعالى، فهو الذي يحكم بين الناس يوم القيامة «إن ربك يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون» (السجدة: 25)، وفي الآية 17 من الحج يقول الله تعالى «إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد».

 والكفر مفهوم لا يؤخذ على إطلاقه بل هو مفهوم مقيد بالموقف المُعبر فيه عن الكفر، والتنزيل الحكيم تعامل معه على هذا الأساس، فيمكن ملاحظة أن الكفر صُنف قرآنيا بحسب الموقف، ويمكن أن نُحصي عدة أنواع منه حسبما وردت في التنزيل الحكيم: 

1- كفر بمعنى الشرك بالله: «سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم يُنزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين»  (آل عمران: 151).

2- كفر بمعنى النفاق: «وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان»  (آل عمران: 167).

3- كفر الاستكبار: «وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين»  (البقرة: 34).

4- الكفر بالآيات الكونية: «يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون»  (آل عمران: 70).

5- الكفر مقابل الشكر: «ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار»  (إبراهيم: 28).

6- الكفر مقابل الإنفاق: «الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله واعتدنا للكافرين عذابا مهينا»  (النساء: 27).

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news