العدد : ١٥٣٥٦ - الأربعاء ٠٨ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٥ شعبان ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٥٦ - الأربعاء ٠٨ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٥ شعبان ١٤٤١هـ

الاسلامي

الفاروق وفتح بيت المقدس (2)

الجمعة ٢٠ مارس ٢٠٢٠ - 10:20

وذُكر أن عمر (رضي الله عنه) قدم الجابية على طريق إيلياء على جملٍ أورقَ تلوح صلعته للشمس، ليس عليه قَلَنْسُوة ولا عمامة، تصطفق رجلاه بين شعبتي الرَّحْلِ بلا ركابٍ، وطاؤه كساء أنبجاني ذو صوف، هو وطاؤه إذا رَكِب، وفراشه إذا نزل، حقيبته نمرة أو شملة محشوة ليفًا، هي حقيبته إذا رَكِب ووسادته إذا نزل، وعليه قميص من كرابيس، قد رسم؛ أي: بلي. وتخرًق جنبه؛ أي: قديم وممزق. وهذا يدل على تواضعه رضي الله عنه في ملبسه، ومركبه، فقال: ادعوا لي رأس القوم، فدعوا له الجلوس، فقال: اغسلوا قميصي وخيِّطوه، وأعيروني ثوبًا أو قميصًا فأُتي بقميص كتان، فقال: ما هذا؟ قالوا: كتان، قال: وما الكتان؟ فأخبروه فنزع قميصه، فغُسل ورُقِّع وأتي به، فنزع قميصهم، ولبس قميصه، فقيل له: أنت ملك العرب، وهذه البلاد لا تصلح بها الإبل، فلو لبستَ شيئًا غير هذا، وركبت برذونًا؛ دابة تشبه الفرس، لكان ذلك أعظم في أعين الروم، فقال: نحن قوم أعزَّنا الله بالإسلام، فلا نطلب بغير الله بديلاً، فأُتي ببرذون فطرح عليه قطيفة بلا سرج ولا رحل، فركبه بها، فقال: احبسوا، احبسوا.. ما كنت أرى الناس يركبون الشيطان قبل، ثم سار عمر حتى صالح نصارى بيت المقدس، واشترط عليهم إجلاء الروم إلى ثلاث، ثم دخلها إذ دخل المسجد من الباب الذي دخل منه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ليلة الإسراء. وهكذا تم فتح بيت المقدس بمشيئة الله تعالى وإرادته، وأن يكون فتح بيت المقدس في خلافة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، لتكون من إنجازاته العظيمة في الإسلام، حتى تم فتحها من غير قتال، إلا أن أحبار اليهود اشترطوا أن يُسلموا مفتاح بيت المقدس إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وكانت أوصاف أمير المؤمنين معلومة لديهم، فأبوا أن يتسلم مفاتيح بيت المقدس إلا من يعرفون أوصافه، فكان الفاروق عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) بأوصافه التي عندهم، وحين تم فتح بيت المقدس وتسلم عمر بن الخطاب مفاتيح المدينة كبر عمر ودخل بيت المقدس فصلى فيه تحية المسجد بمحراب داود عليه السلام، وهو المكان الذي صلى فيه الرسول (صلى الله عليه وسلم) ليلة الإسراء، وصلى بالمسلمين فيه صلاة الغداة من الغد، ثم جاء إلى الصخرة فاستدل على مكانها من كعب الأحبار، ثم اختار مكان المسجد وهو العمري، وجعله قبلي بيت المقدس، وروي أن عمر (رضي الله عنه) نقل التراب عن الصخرة في طرف ردائه، ونقل المسلمون معه، وأمر بتنظيفها، وهي الصخرة التي ربط عندها الرسول (صلى الله عليه وسلم) دابته ليلة الإسراء والمعراج، وكان الروم قد جعلوا الصخرة مزبلة يُلقون فيها القاذورات والأوساخ، لأنها قبلة اليهود، فكانوا يكرهون اليهود، ويكرهون قبلتهم، وذلك ردا لما قام به اليهود من إيذاء مريم، وطعنها في عرضها، وما قاموا به من إيذاء لعيسى عليه السلام، وهمهم بقتله، لولا أن رفعه الله إليه، ولكن الإسلام يحترم المقدسات، ويحترم أصحاب الرسالات، والإيمان بجميع الرسل (عليهم السلام) واجب، يقول تعالى: «آمن الرسول بما أُنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكُتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير» (البقرة: 285)، وروي أن عمر (رضي الله عنه) ومن معه من المسلمين نقلوا التراب عن الصخرة، وأوصى بتنظيفها وتعهدها، حيث كان النصارى يلقون القمامة عليها حتى وصلت إلى محراب داود، وفيما روي أن هرقل قال للنصارى: لم تقتتلون على هذه الكناسة، ثم أُمروا بإزالتها، فشرعوا في ذلك، فما أزالوا ثلثها حتى فتحها المسلمون، فأزالها عمر بن الخطاب. وبعد الصلح سأل عمر أحدَ اليهود عن الدجَّال، وكان كثير السؤال عنه، فقال له مسألتك عنه يا أمير المؤمنين؟ أنتم والله، تقتلونه دون باب لدٍّ ببضع عشرة ذراعًا، وجعل عمر علقمة بن حكيم على نصف فلسطين، وأسكنه الرملة، وجعل علقمة بن مجزز على نصفها الآخر، وأسكنه إيلياء، وكان فتح بيت المقدس أو إيلياء سنة ست عشرة في ربيع الأول. وهكذا أعز الله المسلمين بفتح بيت المقدس في خلافة عمر بن الخطاب، وأصبح ثالث الحرمين وأولى القبلتين ومسرى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في عُهدة المسلمين، وتحت حكم المسلمين وولايتهم، وكان تحريره وتطهيره من دنس المفسدين، فهلا تكاتفت جهود الأمة في عهدنا الحاضر، مرة ثانية، لتسترد هيبتها بين الأمم، وتسترد مقدساتها، وهذا بيت المقدس يستصرخ الأمة ليل نهار، ويستغيثها لتحريره، وقد أحكم الصهاينة القبضة عليه، ونسمع كل يوم محاولاتهم المستمرة لهدمه عن طريق الحفريات، حوله وتحته بحثا عن الهيكل المزعوم، وساعدهم في ذلك مساندة القوى العظمى لهم، وتخاذل الأمم في ردعهم، إنها قضية الأمة الإسلامية، وواجبها الديني والإنساني، وسيبقى الأقصى في ضمير الأمة، وسيبقى الأقصى ثالث الحرمين، وأولى القبلتين، ومسرى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مادام يقرأ المسلمون القرآن ويحفظونه، وسورة الإسراء تُتلى علينا ليل نهار، ويحفظها أكثر المسلمين عن ظهر قلب، وفي مطلعها يقول تعالى: «سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير» (الإسراء: 1)، وفي كل سنة تأتي ذكرى الإسراء والمعراج للرسول (صلى الله عليه وسلم) لتؤكد لجميع المسلمين من عرب وعجم مكانة المسجد الأقصى وأهميته في الإسلام، كما تذكرنا ليلة النصف من شعبان بتحويل القبلة من جهة المسجد الأقصى في فلسطين إلى البيت الحرام بمكة، إن قضية الأقصى لن تُنسى أبدا، ولن تفرط فيه الأمة أبدا، بل سيقيض الله تعالى للأمة أسباب استرداده وتحريره من الغاصبين، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news