العدد : ١٥٣٥٦ - الأربعاء ٠٨ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٥ شعبان ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٥٦ - الأربعاء ٠٨ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٥ شعبان ١٤٤١هـ

الاسلامي

الإنسان في سورة الإنسان!!!

بقلم: د. نظمي خليل أبوالعطا

الجمعة ٢٠ مارس ٢٠٢٠ - 10:16

الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي خلق له ما في الأرض جميعا وجعله الله تعالى خليفة في الأرض، وعلمه العلم النافع، وأسجد له الملائكة، وأرسل إليه الرسل، وأنزل إليه الكتب، وكرمه وكرم ذريته، وجعل له سورة باسم الإنسان في القرآن الكريم، وبين له مراحل خلقه وتكوينه وهيأ له حواس التعليم والتعلم وأعطاه الحرية في الإيمان وعدم الإيمان، وبين له في وضوح تام طريق الإيمان وما أعده للمؤمنين من النعيم المقيم، وما توعد به الكافرين من العذاب الأليم، قال تعالى في سورة الإنسان: «هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا» (الإنسان 1).

بين الله للإنسان بداية حاله، فقد مر عليه حين من الدهر لا يعلمه إلا الله وهو معدوم بل ليس مذكورا، ولما أراد الله خلقه، هيأ له الأرض البيئة التي خلقها الله تعالى ليعيش عليها وذريته وقدر فيها أقواتها وما يصلح معايش أهلها، وخلق النبات والحيوان والكائنات الحية الدقيقة وخلق الماء بخصائصه المميزة والفريدة وخلق الشمس مصدرا للضوء والطاقة للأرض، وهيأ النبات لصناعة الغذاء العضوي وأمده بالضوء والحرارة وثاني أكسيد الكربون واليخضور والأوراق المهيأة للبناء الضوئي، والجذور المهيأة لامتصاص الماء والمعادن والأملاح من التربة ورفعها إلى باقي أجزاء النبات، وخلق أجزاء وأعضاء التكاثر، وخلق الجاذبية والقوانين اللازمة للحياة على الأرض. 

وخلق الله تعالى آدم وحواء وأهبطهما إلى الأرض فوجداها مهيأة تماما لحياتهما وحياة ذريتهما من بعدهما.

وخلق لآدم حواس التعليم والتعلم، وأمده بالجهاز الوراثي المعجز (DNA) الناقل للصفات الوراثية والمحدد لخصائصه الحيوية، وخلق له الأمشاج المذكرة ولزوجه الأمشاج المؤنثة، وجاءت ذريته من اتحاد هذه الأمشاج في النطف التي علقت بالرحم وتشكلت وشق له أدوات التعليم والتعلم من السمع والبصر، وهداه وبين له السبيل قال الله تعالى: «إِنَّا خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا(2) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا» (الإنسان 2-3).

خلق الله تعالى الإنسان العاقل الواعي المميز القادر على الاختيار، ولم يتركه هملا بل أرسل إليه الرسل وأنزل إليه الكتب لبيان سبيل الإيمان وسبيل الكفر، وبين له مراحل الحياة في الدنيا والآخرة، ولم يتركه حائرا من دون هداية كما قال تعالى: «إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ». 

وبين له عاقبة اختياره وقال له: «إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالاً وَسَعِيرًا» (الإنسان -4) هذا الخيار الخاسر. أما الخيار الفائز قال الله تعالى له: «إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا(5) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا» (الإنسان 5-6).

هؤلاء نالوا ما هم فيه من نعيم مقيم جزاء لما قدموا في الحياة الدنيا من عقيدة صحيحة وأعمال صالحة، فقد كانوا «يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا(7) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا» (الإنسان7-8)، وكانوا يبغون بهذا العمل طاعة لله تعالى «إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا(9) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا» (الإنسان9-10)، فلإخلاصهم لله ولعملهم مع العباد بما يرضي الله «فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا» (الإنسان 11).

فحماهم الله من الفزع الأكبر ومن الهول والهوان وأبدلهم بذلك الأمن والسرور ولبسوا الحرير عندما لبس الكافرون سرابيل القطران وساقتهم الملائكة سوق البهائم إلى حتفهم الأخير في جهنم وبئس المصير.

لقد جلس المؤمنون على الفرش والأرائك في ظل ظليل، والثمار تتدلى عليهم، ويُطاف عليهم بالشراب الممزوج بالزنجبيل، زنجبيل الآخرة، ويحيط بهم النعيم من كل جانب وقيل لهم «إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا» (الإنسان 22).

إن هذا البيان وهذا النعيم تذكرة للناس وإقامة الحجة عليهم، وكانت الجائزة الكبرى «يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ» (الإنسان 31).

وكان الخسران المبين «وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا» (الإنسان 31).

هذا جزاء تكذيبهم بالبعث والحساب وإنكارهم وجود الخالق سبحانه وتعالى وظنهم أنه لا حياة بعد الموت، فكانت مصيبتهم كبرى في العذاب الأليم هذا العذاب الذي أنكروه وسخروا منه في كتاباتهم ومجالسهم وبرامجهم ومنتدياتهم ومؤتمراتهم وجامعاتهم، ومن رحمة الله بالإنسان أن بين له السبيل في وضوح تام وللعبد أن يختار إما الجنة والنعيم وإما جهنم والعذاب المهين، إنه العدل الإلهي بين العباد، فالمساواة بين المؤمن والكافر والطائع والعاصي والمصلح في الأرض والمفسد فيها يتنافى مع عدل الله تعالى ورحمته بعباده. هذا وبالله التوفيق والحمد لله رب العالمين. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news