العدد : ١٥٣٥٣ - الأحد ٠٥ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٢ شعبان ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٥٣ - الأحد ٠٥ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٢ شعبان ١٤٤١هـ

شرق و غرب

دنيس روس: «أمريكا فقدت مصداقيتها في العالم»

بقلم: أجرى الحوار مارك سيمو

الخميس ١٩ مارس ٢٠٢٠ - 02:00

 

أجرت صحيفة لوفيجارو الحوار التالي مع الخبير الأمريكي دنيس روس الذي عمل كمبعوث لواشنطن في منطقة الشرق الأوسط في ظل إدارتي الرئيسين الأمريكيين جورج بوش الأب وبيل كلينتون في فترة التسعينيات من القرن العشرين وهو يعمل اليوم مستشارا لدى معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى. 

يعتبر دنيس روس أن الرئيسين باراك أوباما ودونالد ترامب من بعده قد ارتكبا خطأ استراتيجيا كبيرا عندما انتهجا سياسة تكرِّس انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من الشرق الأوسط وهو ما أفقد سلطات واشنطن القدرة على التأثير في الأزمات التي تهز المنطقة منذ عدة أعوام، الأمر الذي أضر بحلفاء الولايات المتحدة الأمريكية وخدم مصلحة بعض القوى الإقليمية الأخرى، وخاصة الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي استغلت حالة الفراغ التي خلفها انكماش الدور الأمريكي والاضطرابات التي تعرفها المنطقة كي تتمدد في عديد من الدول العربية. 

‭{‬ كيف تفسر التراجع الأمريكي الحالي في منطقة الشرق الأوسط؟ 

- إن الرئيس الحالي دونالد ترامب يكرِّس العزلة والحمائية والسياسات الانفرادية، وهي من النزعات التي تتكرر دائما في التاريخ الأمريكي، وعقب الحرب العالمية الأولى «1914-1918» انطوت الولايات المتحدة الأمريكية على نفسها وهو ما تسبب بعد ذلك في أزمات وخيمة. 

عقب نهاية الحرب الفيتنامية «1955-1975» عادت الولايات المتحدة الأمريكية لتنطوي على نفسها مرة أخرى بعد أن خرجت مثخنةً من المستنقع الذي غرقت فيه في فيتنام، فأصبحت واشنطن بذلك تركز على الرهانات السياسية والاقتصادية الداخلية. لقد أثَّر ذلك الهاجس الفيتنامي طيلة الفترة التي امتدت حتى اندلاع حرب الخليج الأولى سنة 1991. 

أما اليوم فإن انحسار الدور الأمريكي يأتي على خلفية فشل التدخلات العسكرية الأمريكية في العراق وأفغانستان وهو فشل عاد بعواقب وخيمة على الذهنية السياسية الأمريكية ونلمس إرهاصاته كل يوم. يجب أن أوضح هناك أن «الانعزالية» و«الانفرادية» مفهومان متشابهان دون أن يكونا متطابقين في المعنى، فإذا ما بلغت الانعزالية أقصى مداها فإنها تتحول إلى رفض لأي تدخل خارجي، أما الانفرادية المفرطة فهي تصل إلى حد رفض التحالف حتى مع الحلفاء والأصدقاء والتنصل من الالتزامات التي تترتب عن التحالفات القديمة. هذا ما نلمسه اليوم في الرئيس الحالي دونالد ترامب الذي يرفع شعار «أمريكا أولا». 

‭{‬ الرئيس دونالد ترامب يجمع ما بين المفهومين في سياساته.. 

- هذا صحيح. إنه يزعم أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تعد في حاجة إلى منطقة الشرق الأوسط، كما أنه يزعم أن الولايات المتحدة الأمريكية قد أنفقت 7000 مليار دولار هناك، وفي الحقيقة إن المبلغ يصل إلى 2000 مليار دولار وهو يظل يمثل مبلغا ضخما بكل المقاييس. 

في الحقيقة لا يرى دونالد ترامب مانعا في أن يتولى الروس والإيرانيون والأتراك الملف السوري وقد عبر عن هذا الموقف علنا. عقب الهجمات التي استهدفت ناقلات النفط في خليج عمان كتب الرئيس دونالد ترامب يقول في حسابه على تويتر: «نحن في أمريكا لسنا في حاجة إلى نفط الشرق الأوسط. على أولئك الذين يحتاجون إلى نفط الشرق الأوسط أن يهتموا بهذه المسألة». يجب أن أؤكد هنا أن هذا الموقف يتبناه جزء مهم من الرأي العالم الأمريكي الذي سئم التدخلات العسكرية الخارجية الباهظة التكلفة بشريا وماديا دون أن تعود على الولايات المتحدة الأمريكية بتطورات إيجابية. 

‭{‬ ما التداعيات التي ستنجم عن انحسار الدور الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط؟ 

- أعتبر أن أخطر الانعكاسات تتمثل في حالة الفراغ التي يخلفها انحسار الدور الأمريكي وهو ما يشكل خطورة كبيرة على مصالح الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها أيضا. في أغلب الأحيان فإن هذا الفراغ تملؤه قوى وأطراف معادية تمثل تهديدا مباشرا للمصالح الأمريكية ولحلفاء واشنطن أيضا. هذا ما يعني أيضا أن الوضع سيصبح أكثر تعقيدا وأن أي تدخل أمريكي في المنطقة سيكون مستقبلا أكثر تكلفة فيما ستصبح الظروف أيضا أكثر صعوبة. 

كان يجب على الأوروبيين أن يستفيقوا من غفوتهم بعد انحسار الدور الأمريكي في الشرق الأوسط غير أن ذلك لم يحدث. يجب على الأوروبيين أيضا أن يكفوا عن الاعتقاد بأن الولايات المتحدة الأمريكية ستظل تهتم بمشاكلهم والأخطار التي تهددهم مثلما فعلت في الماضي.

‭{‬ تعتبر أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تملك أي استراتيجية حقيقة لمواجهة النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط. لماذا؟ 

- لاشك أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تتخبط في الغموض كما أنها تعاني من تداخل الأدوات والمقاربات. ظلت سلطات واشنطن تشدد العقوبات على إيران غير أن الأهداف التي تريدها تظل غامضة. تشدد إدارة الرئيس ترامب على ضرورة أن تعدل طهران سلكوها وسياساتها، وخاصة فيما يتعلق بالملف النووي والسياسة الإيرانية الإقليمية، وهي تعتبر أيضا أنه لا يمكن إقامة أي اتفاق نووي ما لم توقف إيران سياساتها الرامية إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي. لم تخطئ الإدارة الأمريكية في هذا الموقف. لكن إذا كان الهدف هو الحصول على اتفاق نووي فما الذي يمكن أن تحصل عليه إيران بالمقابل؟ هذا ما يعطي الانطباع بأن الهدف من هذه السياسة لا يتمثل في تغيير سياسة نظام طهران بل في تغيير نظام طهران نفسه. إذا فالرسالة غامضة والأهداف المعلنة تخفي أهدافا أخرى خفية. على عكس رأي بعض مستشاريه فإن دونالد ترامب يسعى للتوصل إلى اتفاق جديد سيكون، بحسب رأيه، أفضل من ذلك الذي أبرمه سلفه باراك أوباما مع طهران سنة 2015. وبالمقابل، أعتبر أن إدارة ترامب محقة عندما تشدد على أن أي اتفاق جديد يجب أن يشمل الصواريخ الباليستية والأمن الإقليمي حتى تتوفر فيه المصداقية اللازمة. 

أما الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على وجه الخصوص فهو يقترح إعادة العمل بالإعفاءات التي يستفيد منها الشركاء الرئيسيون من الدول التي تشتري الخام الإيراني، في مقابل عودة طهران إلى اتفاق فيينا النووي إضافة إلى مناقشة الوضع الإقليمي والاتفاق النووي على المدى البعيد. أنا أفهم المنطق الفرنسي. يدرك الرئيس ماكرون أن ترامب يريد هذا الاتفاق كما أن الإيرانيين في حاجة إليه. لابد من التعامل مع النظام الإيراني بكل صرامة لكن لا بد أيضا من توخي سياسة واضحة واستراتيجية محكمة المعالم. 

‭{‬ ألا يؤدي هذا الانسحاب إلى إضعاف الموقف الأمريكي في مواجهة طهران في عملية البحث عن اتفاق نووي جديد؟ 

- إن من شأن هذا التراجع في الدور الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط أن يشعر الإيرانيين بأنهم أقوياء. يدرك الإيرانيون أن دونالد لم يكن يوما يرغب في الحرب ضد نظام طهران وأن العقوبات القاسية التي يتحدث عنها تنحصر في الجوانب الاقتصادية. لم نلمس أي رد فعل أمريكي قوي يذكر عندما تعرضت منشأتان للنفط في المملكة العربية السعودية للهجوم في منتصف شهر سبتمبر 2019 بصواريخ إيرانية. 

أما في شمال شرق سوريا فقد تراجعت إدارة ترامب أمام المطالب التركية وسحبت جنودها من المنطقة الحدودية قبل الهجوم الذي شنته أنقرة على الفصائل الكردية.. الحليفة للولايات المتحدة الأمريكية.

‭{‬ هل يمثل هذا التراجع الأمريكي حقا تحولا عميقا في منطقة الشرق الأوسط؟ 

- في سنة 2021، قد لا يكون الرئيس دونالد ترامب في البيت الأبيض، هذا لا يعني مع ذلك أن السياسة الخارجية الأمريكية ستتغير بمغادرته للبيت الأبيض كما أن ذلك لا يعني أن ديناميكية التراجع الأمريكي ستتوقف أو سيعاد النظر فيها. لا ننسى أن باراك أوباما هو الذي بدأ هذا التراجع والانسحاب الأمريكي من منطقة الشرق الأوسط. 

يطرح المرشحون الديمقراطيون الحاليون للانتخابات الرئاسية القادمة برامج وأفكار ثرية على صعيد السياسة الداخلية إلا أن ملامح سياستهم الخارجية تظل غامضة. فحتى إذا فاز المرشح الديمقراطي الأكثر يسارية وأصبح رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية فإن سياسته ستظل قريبة من سياسة دونالد ترامب، مع اعتماد لغة مختلفة. لن نشهد أي تغيير جوهري في طبيعة السياسة الخارجية الأمريكية بغض النظر عمن سيكون في البيت الأبيض الأمريكي مدة أربعة أعوام بعد الانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها في شهر نوفمبر 2020. 

أما إذا تولى مقاليد الرئاسة في الولايات المتحدة الأمريكية رجلٌ وسطي من الحزب الديمقراطي مثل جو بايدن، نائب الرئيس الأمريكي الأسبق بارك أوباما، فإن الدبلوماسية الأمريكية قد تعود إلى أساسياتها. وستظل الولايات المتحدة الأمريكية مع ذلك تطالب بقية الدول الغربية الحليفة لها بضرورة تخفيف العبء عنها وهو عبء لا ينحصر في الأمور المادية. 

 

أعتبر أن القرار الذي اتخذته الإدارة الأمريكية بالتخلي عن الأكراد في سوريا كان غبيا وقذرا. لا يمكن إلحاق الهزيمة بتنظيم «داعش» بالضربات الجوية فقط بل لا بد من وجود مقاتلين على أرض الميدان. ذلك الدور تكفل به الأكراد الذين حاربوا لحساب الولايات المتحدة الأمريكية على الأرض وقتل منهم أكثر من أحد عشر مقاتلا فيما قتل ستة أمريكيين فقط.. لقد تعلمنا أن إرسال قوات برية إلى منطقة الشرق الأوسط يمثل خطأ جسيما ووخيمَ العواقب على غرار ما حدث لنا في العراق.

‭{‬ هل تضررت مصداقية الولايات المتحدة الأمريكية، وخاصة فيما يتعلق بدورها كوسيط في تسوية الأزمات الداخلية؟ 

لقد تضررت مصداقية الولايات المتحدة الأمريكية وهو ضرر ستظل عواقبه الوخيمة قائمة مدة طويلة. فالولايات المتحدة الأمريكية لم تعد مؤهلة للاضطلاع بدور الوسيط في الأزمات الإقليمية لأنها طرف منحاز أكثر منها وسيط ولا يمكن بالتالي أن تزعم بأنه الطرف الضامن في حل الأزمات الإقليمية. بل إن الولايات المتحدة الأمريكية في ظل الإدارة الحالية لم تعد بالشريك العادل في علاقته بالحلفاء. لا يمكن للولايات المتحدة الأمريكية أن تكون وسيطا أو شريكا عادلا إذا لم تأخذ بعين الاعتبار مصالح الأطراف الأخرى.

لا يمكن لأي اتفاق أن يعمِّر طويلا إذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية تريد أن تحصل على 85% فيما تحصل الأطراف الأخرى على نسبة لا تتجاوز 15%. على سبيل المثال هل أن «صفقة القرن» -التي تزعم سلطات واشنطن ستكون في مستوى تطلعات الفلسطينيين والعالم معهم. إن فرص نجاح مثل هذه الصفقة ستكون أقل من أي وقت مضى. فالأطراف التي ستوقع مستقبلا على أي اتفاق ستسأل أولا وقبل كل شيء عن طبيعة الضمانات الأمريكية خاصة وأن الضمانات الأمريكية نفسها لم تعد ذات مصداقية خاصة فيما يتعلق بالضمانات الأمنية. 

‭{‬ لكن أزمة مصداقية الولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط والعالم بدأت في الحقيقة في ظل إدارة الرئيس السابق باراك أوباما؟ 

في الحقيقة لا يختلف دونالد ترامب عن باراك أوباما الذي لم يحترم «الخط الأحمر ولو فعل ذلك لكانت معطيات كثيرة قد تغيرت في سوريا والمنطقة. أوباما هو نفسه الذي وضع الخط الأحمر وحذر نظام بشار الأسد من مغبة استخدام السلاح الكيماوي في ضرب السكان والذي قبل أن يتنصل من ذلك بعث برسالة إلى العالم مفادها «لا تثقوا بالولايات المتحدة الأمريكية بعد اليوم»!. 

عندما تخلى الرئيس دونالد ترامب عن الأكراد في سوريا وأدار لهم ظهره وتنكر بالتالي لهم كحلفاء للولايات المتحدة الأمريكية في سوريا فقد بعث بالتالي بنفس الرسالة السلبية. الفرق الوحيد هو أن الولايات المتحدة في ظل إدارة ترامب قد غدرت بحلفاء لنا وقد قاتلوا إلى جانبنا. تؤكد إدارة أوباما أنه أمكن التخلص من 90% من مخزن نظام بشار الأسد من الأسلحة الكيماوية بفضل الاتفاق الذي أبرمته سلطات دمشق برعاية روسيا ومنظمة الأمم المتحدة الأمريكية غير أن ذلك لم يرسخ في الذاكرة أن العالم ظل يتذكر الرسالة السلبية التي تركها أوباما الذي لم يحترم مسألة «الخط الأحمر» الذي هدد به وتنصل من التزاماته.

أما بالنسبة إلى الرئيس الحالي دونالد ترامب فهو يعطي الانطباع بأنه لا يتردد أبدا في التخلي عن حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية وخيانة شركائها والتنصل من التزاماتها، وهو ما يضر كثيرا بالعلاقات الدبلوماسية والمصداقية السياسية. إن مثل هذه الانطباعات السلبية تدوم طويلا ولا تتغير بسرعة لأن العالم لا ينسى بسرعة. 

* ما الذي سيتغير في الولايات المتحدة الأمريكية إذا أفرزت نتائج الانتخابات المزمع إجراؤها في شهر نوفمبر 2020 مغادرة ترامب البيت الأبيض، وجاء من يخلفه، ثم ماذا لو استمر دونالد في المكتب البيضاوي أربعة أعوام أخرى قادمة؟ 

فيما يتعلق بالسياسة الخارجية فقد طغى التخبط والغموض على الإدارة الأمريكية خلال الأعوام الثلاثة الأولى من تولي دونالد ترامب مقاليد الرئاسة. لذلك فقد راح خصومه ينتقدونه ويعتبرون أن هذه اتسمت بالعدوانية وغياب ما يسمونه البوصلة الإستراتيجية، إضافة إلى المواقف المزاجية التي تتسم بالاندفاع. 

إنني نخطئ إذا ما اعتقدنا أن فترة ما بعد دونالد ترامب ستكون بكل بساطة عودة إلى الوضع الطبيعي. فإذا ما حدث التداول وفاز رئيس ديمقراطي في الانتخابات المزمع إجراؤها في شهر نوفمبر 2020 قد نشهد خطا أكثر وضوحا نسبيا، سياسيا ودبلوماسيا مع العودة إلى تأكيد بعض القيم والمبادئ والتخلص من بعض الأمور التي قد تتسم بالإفراط. 

في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب اهتز النظام العالمي وأصبح أكثر هشاشة كما اهتزت الدعائم التي قامت عليها الإستراتيجية الأمريكية الكبرى على مدى أكثر من نصف قرن من الزمن.

 

لوفيجارو

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news