العدد : ١٥٣٥٦ - الأربعاء ٠٨ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٥ شعبان ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٣٥٦ - الأربعاء ٠٨ أبريل ٢٠٢٠ م، الموافق ١٥ شعبان ١٤٤١هـ

الثقافي

الشيخ عيسى بن راشد.. الشاعر الموهوب.. عاشق البحرين

بقلم: عبدالـمالك سالـمان

السبت ١٤ مارس ٢٠٢٠ - 02:00

رحل عن عالمنا الشيخ عيسى بن راشد آل خليفة، ذلك الإنسان المثقف الموسوعي الذي جمع من الخصال والصفات الجميلة ما جعله يمثل نموذجا للشخصية البحرينية الحضارية، التي تجمع ما بين سماحة الأخلاق وحلاوة الحديث ورقة المشاعر وعمق الثقافة وروح الدعابة والمرح، فضلا عن الإخلاص والوفاء للوطن بكل أبعاده التاريخية والتراثية والمكانية وفنونه الشعبية وأصالته الحضارية.

وسيظل الشيخ عيسى بن راشد علامة بارزة ومؤثرة في تاريخ البحرين ومسيرتها الحضارية، ونموذجا يحتذى لكل الأجيال وخاصة الشباب الذين يبحثون دائما عن الأعلام من الشخصيات والمشاهير ليقتدوا بهم في مسار حياتهم، والأمر المؤكد أن الشيخ عيسى بن راشد سيظل هذا النموذج الإنساني والشخصية الحضارية الفريدة التي يتعين أن يتم تسليط الأضواء على معالم دورها الوطني ومسيرتها الإبداعية في المجالات المتنوعة، لتكون تلك القدوة التي يتطلع الشباب إلى التعلم منها ومحاولة تمثل العديد من إنجازاتها، فالشيخ عيسى بن راشد كان تجسيدا متكاملا للشخصية الوطنية المتكاملة التي جمعت بين ثقافات وخبرات متنوعة.

فقد تلقى تعليمه في مدارس البحرين وبالأخص في المحرق، ثم مدرسة المنامة الثانوية، قبل أن ينتقل إلى القاهرة ليدرس القانون في كلية الحقوق بجامعة عين شمس العريقة والتي تتسم دراسة القانون فيها بصعوبة كبيرة، ولكنه نجح في التخرج منها باستحقاق عام 1963، ليعود إلى البحرين ويبدأ مسيرته العملية في سلك القضاء البحريني، إذ عمل قاضيا خلال فترة الستينيات قبل أن ينتقل عام 1968 ليعمل مستشارا قانونيا للحرس الوطني آنذاك ثم نائبا للقائد العام لقوة دفاع البحرين بعد تأسيسها ثم وكيلا لوزارة الدفاع حتى عام 1976.

وخلال تلك الفترة أسهم بثقافته القانونية في صياغة القوانين التي تنظم عمل وزارة الدفاع بما يتناسب وسمات الشخصية البحرينية والثقافة الوطنية، وعرف عنه الالتزام الشديد بضوابط العمل العسكري وتنفيذ الواجبات الموكلة إليه بكل دقة.

ثم حدثت نقلة نوعية في مسيرته الحياتية عام 1976، حين تم تعيينه وكيلا لوزارة الإعلام بعد تأسيسها، واستمر في شغل هذا المنصب حتى عام 1988، وتولى في تلك الفترة أيضا منصب رئيس المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب عام 1987، وكان توليه هذين المنصبين تتويجا لعطائه الثقافي والأدبي، فقد لمعت في تلك السنوات موهبته الشعرية ودوره الإعلامي، إذ قام خلال تلك السنوات بتقديم سلسلة من البرامج الإذاعية الثقافية التي أظهرت معالم شخصيته الثقافية والإعلامية وقدرته على التأثير في الرأي العام.

وخلال تلك المرحلة تفجرت معالم شخصيته الإبداعية وموهبته الكبيرة في نظم الشعر، وهو الشعر الذي عبر فيه عن هوية الثقافة البحرينية، وظل حتى يومنا هذا معبرا عن الثقافة الوطنية، سواء في الأغاني العاطفية أو الوطنية التي تمزج كلماتها بين مفردات اللغة العربية الفصحى واللهجة البحرينية المميزة.

موهبة الشعر والأغاني الوطنية

ولعل من أبرز أغنياته الوطنية المعبرة الممزوجة بمشاعر رومانسية وعاطفية حالمة أغنية «يا الزينة ذكريني» التي غناها الفنان أحمد الجميري، والتي مازالت ترددها الأجيال المتعاقبة وتمثل نموذجا للأغنية البحرينية المتفردة، ومن يتأمل كلماتها التي صاغها الشيخ عيسى بن راشد يدرك على الفور تلك المشاعر الفياضة التي يحملها الشاعر لبلاده وديرته وعشقه الكبير لها، تقول كلمات الأغنية:

«يا الزينة ذكريني.. لي غيبتني بحور.. وبشوق ناديني.. يمكن الدنيا اتدور.. وارد ويا الصيف.. ولا الشتا لي رد.. ولا مع الأشواق.. وقت الربيع والورد.. وأنا بعيد بعيد.. ما عندي غير الآه.. حملت نجم السما.. شوقي لكم وياه.. وصيت طير الفلا.. ولا حمل لوصاه.. حملت موج البحر.. سلامي ما وداه.. حلفت يا الزينة.. ما فارق البحرين.. في قلبي مزروعة.. ومحفوظة وسط العين.. أشتاق أشم العود.. وأوله على الطيبين.. والحنا لي خطوة.. وسادو على الكفين.. ارد ويا الصيف.. ولا الشتا لي رد».

ويظهر من هذه الكلمات المعبرة الارتباط القوي للشاعر الشيخ عيسى بن راشد ببلاده البحرين، وهي مشاعر الاشتياق التي تتفجر وخاصة في أوقات الغربة؛ إذ يفيض الحنين إلى الوطن.

يُذكر أن الشيخ عيسى بن راشد أشار في عدد من أحاديثه إلى أن فترة دراسته خارج البحرين في القاهرة خلال الفترة الجامعية لعبت دورا كبيرا في بلورة موهبته الشعرية، فخلال تلك الفترة عاش خبرتين تمازجتا في تعميق نزعته لنظم الشعر، الخبرة الأولى هي شعوره بالحنين الدائم لبلده البحرين ورغبته في العودة إليه، والخبرة الثانية هي ما وفرته له القاهرة من أجواء ثقافية كبيرة خلال حقبة الستينيات التي شهدت ذروة الإبداع والتألق الثقافي في القاهرة في مختلف الفنون، سواء في الغناء لعمالقة الغناء العربي أم كلثوم ومحمد عبدالوهاب وعبدالحليم حافظ وفايزة أحمد وغيرهم، أو في المسرح وخاصة مسارح يوسف وهبي والريحاني وإسماعيل ياسين أو مسارح الدولة القومية، بالإضافة إلى إبداعات طه حسين وعباس العقاد وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ ويوسف إدريس وغيرهم من عمالقة الأدب العربي، وهذه الأجواء شكلت بيئة ثقافية مشعة تساعد على الإبداع وتفجر المواهب في الأدب والشعر والفنون عموما.

وكان من حصيلة ذلك أنه عندما عاد الشيخ عيسى بن راشد إلى البحرين كانت موهبته الشعرية قد تبلورت وبدأ في صياغة عدد من الأغنيات التي ذاع صيتها، لكن الشعور بالغربة ظل أحد العوامل المساعدة على بلورة مشاعر الحنين والشوق للديرة والتي ترجمتها كثير من قصائده.

وفي مقال للشيخ عيسى بن راشد يتحدث فيه عن قوة الحنين للوطن يتحدث عن تجربة شخصية في هذا الشأن يقول فيها:

كنت قبل سنوات في زيارة للولايات المتحدة الأمريكية، وفي مدينة سانت لويس التقيت دكتورا أكاديميا يعمل في الجامعة، وكان مواطنا عربيا من العراق الشقيق عاش سنوات في الولايات المتحدة، وقال لي: «أنا سعيد هنا، تزوجت وعندي أولاد وجمعت مالا لا بأس به، ولكن صدقني عندما أضع رأسي على الوسادة كل ليلة أتذكر بغداد، دروبها وكل ما بها وأمضي في حلم طويل مع ذكريات صباي».

وعلق الشيخ عيسى بن راشد على تلك الواقعة بقوله: لقد كتبت بعد ذلك أغنية عندما أثارني هذا الإنسان العاشق لأماكن صباه، وهي قصيدة طويلة قلت في مطلعها:

حشا ما قط ولا ليلة

ولو مرت علينا سنين

أحط رأسي على وسادة

ولا تطرون يا الناسيين

عزيزة بلادي ما أحلاها

وأنتو شمعة بلادي

وطبعا في مجال الغناء العاطفي تظل أغنيته الشهيرة «واقف على بابكم» بكلماتها المعبرة أشهر الأغاني التي مازالت تذكرها كثير من الأجيال، وقد غناها مطربون خليجيون كثيرون، لكن الشيخ عيسى بن راشد يرى أن غناء المطربة المغربية نعيمة سميح لها قد أعطاها أبعادا عربية أوسع، وتقول كلمات هذه الأغنية المعبرة:

واقف على بابكم ولهان ومسير 

اسأل على اللي سأل محبوبي يا صغير يومين مروا علي سنتين لو أكثر 

 ما قدرت يا منيتي عن شوفتك أصبر

هذا النصيب انكتب أحب أنا صغيرون

يحبني لكن هله يخاف لا يدرون

فضحتني يا هوى.. تالي انكشف سره

محد درى بقصتي.. والحين كل الناس

خليتني يا هوى أوقف على البيبان

من حرة بالحشى من كثرة الأشجان

فضحتني يا هوى.. تالي انكشف سره

محد درى بقصتي.. والحين كل الناس

وكان من أشهر من غنى في البحرين من قصائد الشيخ عيسى بن راشد كل من الفنان أحمد الجميري والفنان إبراهيم حبيب والفنان محمد علي عبدالله، وكل هؤلاء تألقوا في الأغنيات التي صاغها الشيخ عيسى بن راشد.

ولا يزال معظم البحرينيين يذكرون للفنان محمد علي عبدالله عددا من أشهر أغنياته من كلمات الشيخ عيسى بن راشد، لعل من أبرزها أغنية «دعيت عليك من قلبي»، وأغنية «أطري عليك يا الربع»، وأغنية «ما تدرين»، ومن كلماته: «يعني أنتي ما تدرين.. يا كثر ما تسألين»، كذلك أغنية «أشقد أنا ولهان».

ذكريات طريفة مع محمد زويد

ويقول مؤرخو التراث الفني الغنائي البحريني إن للشيخ عيسى بن راشد نحو 100 أغنية كانت أولها أغنية «أسمر ولاقني» التي غناها الفنان أحمد الجميري في في عام 1963، وذلك فور عودته من القاهرة.

وفي حديث خاص مع الفنان إبراهيم حبيب يروي عن الشيخ عيسى بن راشد أنه كان يعتز كثيرا بفارسي الأغنية البحرينية محمد زويد ومحمد فارس، ويشير الشيخ عيسى بن راشد إلى أنه كانت له حادثة طريفة جدا مع الفنان محمد زويد فيقول: كان في زيارة للإذاعة وكان يسجل في ذلك اليوم أغنية للمطرب محمد زويد، وقد طلب منه الأستاذ إبراهيم كانو مدير إذاعة البحرين آنذاك أن يسجل أغنية «يا حمود ما شفت الخضر»، ولكن محمد زويد رد بأنه لا يوجد معه كورس لأداء هذه الأغنية بالأخص، وعندما لم يجدوا أحدا اضطر الشيخ عيسى بن راشد ومحمد بن خليفة المعاودة إلى أن يجلسا خلف المطرب محمد زويد في الاستديو وترديد كلمات الكورس.

ويعلق الشيخ عيسى بن راشد بأنه كلما كان يستمع إلى أغنية «يا حمود ما شفت الخضر» لمحمد زويد يضحك؛ فقد كانت تلك أول وآخر مرة غنى فيها.

وفي حديثه عن الشيخ عيسى بن راشد يقول الفنان إبراهيم حبيب إنه إذا ذكرت الأغنية البحرينية الحديثة لابد أن يذكر اسم الشيخ عيسى بن راشد آل خليفة لأنه أحد أهم المؤلفين الذين مروا في تاريخ الأغنية البحرينية بما قدمه من إنتاج غزير ومنوع وذي خصوصية بحرينية لافتة للنظر. ومما يحسب للشيخ عيسى بن راشد أنه خلال توليه منصب وكيل وزارة الإعلام قد شجع البرامج التي تتناول الفنون الشعبية البحرينية وقدم كل الدعم لها.

وسوف تظل نصوص الشيخ عيسى بن راشد تعيش في وجدان الشعب البحريني بالتحديد والخليجي على وجه الخصوص.

فقد قدم الشيخ عيسى بن راشد الكلمة البحرينية التي يعشق مفرداتها الشارع الخليجي، وجاءت إليه على مدى سنوات طويلة أبتداء من عصر الأسطوانات الذي بدأ في البحرين في عام 1949.

فهذه العلاقة الطويلة جددها الشيخ عيسى بن راشد آل خليفة بكلماته الجميلة ليمد علاقة الحب بين المستمع الخليجي والغناء البحريني، فهي رحلة طويلة من العطاء والتميز رافقت مسيرة حياة الشيخ عيسى بن راشد الفنية.

مسيرة رياضية حافلة

ورغم المسيرة الإبداعية للشاعر الشيخ عيسى بن راشد فإن اهتماماته ومسيرته الرياضية قد جعلت منه أحد أبرز الشخصيات الرياضية في الخليج العربي والوطن العربي ككل، واحتل مكانة مرموقة في نفوس الرياضيين العرب وخاصة أن مسيرته الرياضية اقترنت بدوره في نهضة الرياضة العربية برفقة صديقي العمر كل من الأمير فيصل بن فهد بن عبدالعزيز أمير الشباب، والشيخ الجسور فهد الأحمد الصباح.

فقد كانت الرياضة العربية محظوظة بالأدوار المتميزة التي لعبها هذا الثلاثي عيسى بن راشد وفيصل بن فهد وفهد الأحمد في تطوير الرياضة العربية وتمثيلها التمثيل المشرف في المحافل العالمية والأولمبية.

وعن مسيرته الرياضية يتحدث الشيخ عيسى بن راشد في كتابه مشوار العمر قائلا:

«عندما انتقلت من وزارة الإعلام إلى المؤسسة العامة للشباب والرياضة عام 1988 كانت الرياضة بالنسبة إليَّ هواية قديمة، إذ كنت في سنواتي الأولى وأنا صغير أرافق شقيقي المغفور له الشيخ محمد بن راشد في فريق المحرق، ثم في فترة لاحقة شكلت مع زملاء لي فريق النهضة الذي استمر حتى يومنا هذا باسم البحرين بعد انضمامه إلى نادي البحرين».

ويضيف الشيخ عيسى بن راشد قائلا: «ربما أنا الشخص الوحيد بين المسؤولين الذي كنت رئيس فريق ثم رئيس نادٍ ثم رئيس اتحاد ثم رئيس لجنة أولمبية ثم رئيسا للمؤسسة العامة للشباب والرياضة، إذ تدرجت حتى وصلت إلى هذه المرحلة، وكان عملي في اللجنة الأولمبية وفي المؤسسة العامة للشباب والرياضة بارزا، إذ وصلت إلى رئاسة اتحاد كرة القدم بطموحات كبيرة، وكنت أتمنى أن أحققها ولكن واجهتني الاعتبارات الرسمية والروتين والميزانيات التي حدت من حماسي وأخرت كثيرا من الموضوعات التي حاولت أن أحققها، وخاصة أن تلك الفترة شهدت تراجعا كبيرا في أسعار النفط وصلت إلى سعر 11 دولارا للبرميل، ولم تكن الميزانيات تكفي لتحقيق الطموحات».

وقد كانت أحد أبرز أمنيات الشيخ عيسى بن راشد أن تحقق البحرين الفوز ببطولة كأس الخليج العربي، وبالفعل تحققت هذه الأمنية عام 2019 بعد فوز منتخب البحرين بكأس الخليج في الدورة الأخيرة التي أقيمت بالدوحة في عام 2019، وقد أعرب الشيخ عيسى بن راشد عن فرحة كبيرة بذلك، وخاصة أنه لعب دورا كبيرا في الدعوة إلى تنظيم بطولة كأس الخليج التي استضافت البحرين أولى دوراتها عام 1970.

إن الشيخ عيسى بن راشد.. الشخصية المتميزة التي جمعت بين مجالات متنوعة كقانوني وقاضٍ وقائد عسكري وإعلامي ورياضي وشاعر غنائي ومثقف شامل.. سيظل رمزا كبيرا من رموز البحرين الحضارية في تاريخ البحرين المعاصر، وستظل إسهاماته الوطنية ومواقفه الخلاقة نبراسا تهتدي به كل الأجيال، ونموذجا لشخصية قيادية وقدوة تتطلع إلى التعلم منها القيادات الشبابية الصاعدة.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news